حملت السينما العربية شُعلة القضية الفلسطينية منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي قبل ما يزيد على نصف قرن. وقد أخذ رواد السينما من الفلسطينيين والعرب على عاتقهم مسؤولية النضال من أجل القضية الأم لتحرير الأرض وتحقيق الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف، ووفق هذه القاعدة جاءت التجارب الإبداعية السينمائية مُشبعة بكافة التفاصيل السياسية والإنسانية والنضالية ذات الصلة، ولم تختلف أوجه الطرح في هذا الصدد، ولم يخرج أي من المبدعين عن نصوص الاتفاق حول الحق المشروع في المناهضة حتى حصول الشعب الفلسطيني على كافة مُكتسباته.
وقد برز من بين المبدعين السينمائيين كوادر كثيرة أخذت بمعايير الرؤية الموضوعية لفكرة المقاومة فعمل المخرج الفلسطيني مصطفى أبو علي، المولود في عام 1940 والمتوفى في عام 2009 وهو أحد مؤسسي وحدة السينما الفلسطينية التابعة لقسم التصوير الفوتوغرافي في عام 1968 ورئيس مؤسسة السينما الفلسطينية بالعاصمة اللبنانية بيروت في الفترة ما بين 1971 و 1980 كما أنه أسس وترأس مؤسسة بيسان للسينما في عمان سنة 198.
ومن واقع التواريخ والأزمنة يتأكد أن شرارة السينما الفلسطينية المقاومة قد انطلقت من موطن الصراع فدفعت بتيارات السينما العربية الأخرى للبدء في نفس المسار كي تشكل خريطة الإبداع بُمعطيات التحدي ودلالات القوة والانتصار، وبتأثير التجربة الفلسطينية – الفلسطينية، انبثقت عدة تجارب أخرى حملت البصمة المصرية عبر مساهمات الأخوين إبراهيم لاما وبدر لاما اللذان بدأ نشاطهما السينمائي في مصر، حيث أقاما في مدينة الإسكندرية وأنتجا أول أفلامهما «قُبلة في الصحراء» عام 1927 إذ تولى إبراهيم مهمة التأليف والتصوير والإخراج، بينما اكتفى شقيقه بدر بدوره كممثل.
وقد جاءت أدوار بدر لاما في ما بعد فكان من بينها فيلمي «صلاح الدين الأيوبي» عام 1941 و»كليوباترا» عام 1943 وفي الفيلمين التزمت السينما بالخط التاريخي وتضمين الأحداث بمنهجية دقيقة راعت فيها تفاصيل كثيرة لم تخرج عن مبدأ المحافظة على الأرض والوطن وعناوين الاستقلال والحرية بشكل مباشر وغير مباشر.
وامتد الخط على استقامته فزادت الإبداعات والأفلام وأخذت أشكالاً تعبيرية مختلفة جنحت في بعض الأحيان إلى مناقشة بعض المفاهيم السياسية على خلفيات وإحداثيات معينة، كما في فيلم «من هنا وهناك» للمخرج الفرنسي جان لوك الذي استخدم بعض الصور الأرشيفية من أحداث أيلول الأسود في صنع الفيلم مُستهدفاً التوثيق والتسجيل وإثراء الأرشيف السينمائي الفلسطيني بالشهادات والوقائع والمادة التاريخية المصورة.
وعلى غرار ذلك التوثيق جاءت تجربة جماعة السينما الفلسطينية في بيروت التي أسسها مصطفى أبو علي مُتمثلة في فيلم واحد بعنوان «شاهد من الاحتلال في غزة» عام 1973 ثم توالت بعدها التجارب والأفلام عبر مراحل وأزمنة متفاوتة، منها «فلسطين في العين» و»تل الزعتر» و»على طريق النصر» و»ليس لهم وجود» و»الحق الفلسطيني» و»لا للحل السلمي» و»بالروح بالدم» و»العرقوب» و»عدوان صهيوني» وغيرها.
ومنذ بداية السينما الفلسطينية عام 1935 على يد الرائد الأول إبراهيم حسن سرحان صاحب التجربة الوثائقية البكر التي سجلت زيارة الملك سعود ابن عبد العزيز آل سعود لفلسطين في 20 دقيقة فقط، لم تتغير الصورة النضالية في الكادر السينمائي، بل زادت اتساعاً ووضوحاً، فجعلت تؤثر في بقية المنجزات السينمائية البادية على الشاشات العربية في أفلام اتخذت من القضية الفلسطينية محوراً أساسياً للنقاش والطرح والمداولة في إطارات عديدة، فالمخرج يسري نصر الله قدم على سبيل المثال فيلمه المهم «باب الشمس» بجزئية الرحيل والعودة، مُجسداً مُعاناة الشعب الفلسطيني وكفاحه بشكل روائي تسجيلي اعتمد على المزج بين الوقائع التاريخية والمعايشة الواقعية لسكان المناطق المحتلة بالقرى والمدن، كجنين والضفة وبيت لحم والخليل والقدس وخان يونس ومخيم عين الحلوة وغيرها، واستعرض تفاصيل الميلودراما اليومية التي يعيشها الرجال والنساء والفتيات والشباب والأطفال والشيوخ، وقد تميز الفيلم بأن حصل على مركز مُتقدم كأحسن الأفلام التي أنتجت في عام 2005 وبالقطع لم يكن «باب الشمس» الفيلم الوحيد المصري الذي طرح القضية بعنوان عريض، وإنما سبقته أفلام كثيرة، عرجت على ذات القضية باتساع محيطها العربي مثل «المخدوعون والمتمردون» للمخرج الكبير توفيق صالح قبل عدة سنوات، و»الباب المفتوح» و»القبطان» للمخرج سيد سعيد و»فتاة من إسرائيل» لرغدة ومحمود يسن وفاروق الفيشاوي، ناهيك عن جُملة الأفلام الكوميدية الخفيفة، «صعيدي في الجامعة الأمريكية» و»همام في أمستردام» و»أصحاب ولا بيزنس» وهي الأفلام التي حملت مفاهيم الوطنية والانتماء لتكون نسيجاً لحكايات وروايات تليق بالتناول الشعبي البسيط للهموم العربية المشتركة واستيعاب الشباب الذين لم يعاصروا الأحداث ولم يعيشوها.
وبالقطع كانت هناك ملامسات للمعاني ذاتها في أفلام مصرية وعربية أكثر عمقاً لمخرجين كبار مثل يوسف شاهين ومحمد ملص وعبد اللطيف عبد الحميد، كالتي جاءت في «العصفور والليل» و»ما يطلبه المستمعون» وكلها دللت على مسؤولية أصحابها تجاه قضيتهم وقضية الشعوب العربية المُتضامنة قاطبة، وإيمانهم المُطلق بالحق الفلسطيني في الأرض والاستقلال والحرية والدولة القائمة على العدالة والوحدة.
ولأن الكوادر الفلسطينية السينمائية التي بذلت الغالي والنفيس في سبيل تثبيت الحق الفلسطيني كثيرة ومتعددة، فإن ذكرها في هذا المقام لا يُضيف جديداً، حيث أن إسهامها الإبداعي غني عن التعريف فهناك المخرجة مي المصري مبدعة فيلم «تحت الأنقاض» و»زهرة القندول» و»بيروت جبل الحرب» و»أطفال جبل النار» و»رهينة الانتصار» و»طيف المدينة» و»3000 ليلة» وكذلك ميشيل خليفي صاحب «عرس الجليل» و»نشيد الحجر» وأيضاً هاني أبو أسعد وإيليا سليمان ورشيد مشهراوي وشيرين دعبس وسعود مهنا وامتياز المغربي. كل هؤلاء سجلوا بالصوت والصورة أنات وانتصارات الشعب الفلسطيني على الشريط السحري ودفعوا بالقضية إلى أعماق الوجود والخلود فبقيت حاضرة في صور الشهداء ودماء الأبرياء وكفوف الأطفال المضمومة على حجارة المقاومة.