لمحمد أحمد زيادة
القاهرة ـ «القدس العربي»: من المفترض أن يكون صالون الشباب أحد أهم المظاهر التشكيلية في مصر، بداية لأنه مناسبة لاستعراض أعمال الجيل الجديد من التشكيليين المصريين، وبالضرورة فتح نافذة جديدة على كل ما هو خارج عن النمط والمألوف، من حيث الأساليب وحرية وجرأة التجريب، دون التمسك والتقيّد بتقنيات تجاوزها الزمن، وهي السمة الملازمة لأغلب التشكيليين الكبار ـ سناً ـ الذين يخشون الابتعاد عما عُرف عنهم من أسلوب أو ثيمات، فهم يرون أن ما اهتدوا إليه هو الصحيح، ويجب عدم الابتعاد عنه، أو محاولة تجاوزه لتجربة جديدة ووعي أنضج، لذا يعد صالون الشباب فرصة مهمة لمشاهدة رؤية الجيل الجديد، وكيف يرى العالم ومن ثمّ التعبير عنه. الدورات السابقة كانت دوماً تكراراً، إما لأسماء بعينها وأعمال تم تداولها في معرض خاص أو جماعي، أو أن الفنان الشاب لا يقوم سوى بتقليد، بل واستنساخ أعمال ما يُطلق عليه جيل الأساتذة، أو الفنانين الأكثر شهرة بمعنى أدق، وصولاً إلى تقديم أعمال فنية مُلغزة، وكأن الفنان لا يهمه سوى استعراض كل ما هو غريب وغارق في تهويمات بصرية، أملاً في الحصول على جائزة، وقد اتضحت لسنوات، التركيبة المعهودة من قِبل لجان التحكيم .. فكل ما هو غريب وغير مفهوم، يصبح صاحب الحظ الأوفر في الفوز بإحدى جوائز المسابقة.
تجارب مختلفة
ورغم أن صالون هذا العام لم يخلُ من سياساته المعهودة الخاصة بالجوائز، إلا أن هناك العديد من الأعمال التي تحمل فكراً مغايراً وأساليب مُبتكرة في معالجة موضوعات الأعمال الفنية ـ بغض النظر عن الجوائز، وإن استحقها ونالها البعض بالفعل ـ إلا أن هذه الأعمال الجيدة مقارنة بأخرى لا تحمل قدراً من وعي وجهد، حتى أنها تتنافي وفلسفة الصالون نفسه، من حيث القدرة على التجريب والخيال، لنجد أغلب الأعمال اللافتة عانت من سوء حالة العرض، من حيث المكان والإضاءة، فلا حجم اللوحات مثلاً يتناسب ومكان العرض، كعرض لوحة كبيرة في ممر ضيق، بحيث لا تتاح مشاهدتها بشكل أفضل، أو أن يوضع أحد الأعمال النحتية في إضاءة سيئة، تخفي جماليات العمل، إلا أن كل هذا لم يستطع أن يخفي عدة أعمال كشفت مدى قدرات أصحابها ووعيهم الفني، ومحاولاتهم كسر الرؤية المألوفة والتقليدية، حتى إن تباينت بالطبع حِرفية هؤلاء تقنية وأسلوباً.

لمصطفى قطب (يمين) و بهاء عبد الرحمن خاطر
البيئة والذكريات
عن البيئة وذكريات الطفولة بالأخص تأتي أعمال كل من الفنانات شيماء عبد المنعم، ريم عبد الناصر، روضة الجندي، حيث اختلاف البيئات والأعمال الفنية، من فوتوغرافيا أو تصوير، كالبيت الريفي والنساء الشعبيات، إضافة إلى ألعاب الطفولة كسباق الفتيات بالدراجات وشعرهن خلفهن في حرية كبيرة، وشبابيك مُشرّعة يحتفي ويهلل أصحابها بالمتسابقات، حالة من البهجة من حيث التكوين والألوان، ربما لا توجد الآن إلا من خلال اللوحة، التي توحي بطلاتها بأنهن على وشك تجاوز إطارها ـ إطار اللوحة ـ والفرار منه.
أجواء حقيقية
وعلى اختلاف الأعمال ومجالاتها، تصوير، فوتوغرافيا، تجهيز في الفراغ، نجد سمة غالبة هي الاحتفاء بالأشياء ومحاولة أنسنتها، والتعبير من خلالها عن حالات وأفكار إنسانية لا تنفصل عن هذا الجيل وعالمه، كعمل الفنان مصطفى عامر، الذي يعبر عن أحوال المدينة، خاصة القاهرة، والذي اختصره في حادث وسيلة المواصلات الشهيرة في مصر الآن (التوك توك). من ناحية أخرى يحاول الفنان صالح العنبري تشخيص الأشياء في حِس جمالي، من خلال بعض القطع الخشبية، التي تمثل في مُجملها ما يُشبه شخوصا حيّة في مقبرة، ويأتي الفنان مصطفى قطب ليصوّر شخصاً يتلاشى ـ مجرد خطوط لا أكثر ـ فقط، شخصا يمضي أمامك، وقد يكون الفعل عادياً، إلا أنه يوحي بالكثير للمتلقي، الذي يتوحد مع الشخصية المرسومة، وربما يتمثل حالتها في لحظة إن وعى. وما بين الحادث والمقبرة والاختفاء ـ خط سردي غير مقصود ـ تبدو أجواء ما نعيشه الآن.

لمصطفى عامر