الجزائر تتوجه نحو برلمان هجين يفتقد للأغلبية المريحة وحكومة أمام تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة

رضا شنوف
حجم الخط
2

الجزائر-»القدس العربي»:  لأول مرة يصعب التنبؤ بهوية الأحزاب الفائزة في الانتخابات النيابية في الجزائر، بعد التغييرات التي عرفها قانون الانتخابات الجديد والتي طالت نمط التصويت وآلياته، وقبله الهزة التي شهدتها الساحة السياسية بفعل الحراك الشعبي الذي أنهى منظومة حكم بوتفليقة وأنهى معه سطوة الأحزاب التقليدية التي دعمته وكانت تحصد الأغلبية البرلمانية بكل أريحية بشكل متناوب بين حزب جبهة التحرير الوطني أو حزب التجمع الوطني حسب نظام المحاصصة الذي يراه بوتفليقة مناسبا لسياساته.

تتوجه الأنظار نحو خريطة القوى السياسية التي ستفرزها الانتخابات النيابية المسبقة التي شهدتها الجزائر، ومعها طبيعة الحكومة المنتظر تشكيلها والتي سترافق الرئيس عبد المجيد تبون في الحكم.
ومن خلال رصد الترشيحات لهذه الانتخابات نجد تفوق قوائم المستقلين على حساب الأحزاب السياسية لأول مرة في تاريخ الانتخابات الجزائرية، وكان قد أكد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي، أن القوائم المقبولة كليًّا ودون تحفظ لخوض غمار التشريعيات بلغ عددها 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية و837 قائمة من المترشحين الأحرار.
مع الإشارة إلى ان نسبة معتبرة من المترشحين ضمن هذه القوائم، كانوا ينشطون في أحزاب سياسية منها أحزاب موالية للرئيس المخلوع، وأخرى من أحزاب قاطعت الانتخابات وكانت تدعم الحراك في وقت سابق، إلى جانب مشاركة كبيرة للشباب ومنهم قطاع واسع لم يسبق لهم وأن خبروا العمل السياسي.
في الجهة المقابلة يتم تسليط الضوء على الأحزاب الإسلامية التي شاركت بقوة في هذه الانتخابات بما فيها المعارضة على غرار حركة مجتمع السلم أكبر الأحزاب الإسلامية وجبهة العدالة والتنمية التي يقودها عبد الله جاب الله، أحد أبرز وجوه المعارضة في التيار الإسلامي بالجزائر.
هذه الأحزاب وبحكم وعائها الانتخابي الكبير جعلت الترشيحات تتجه نحو فوز لافت بمقاعد البرلمان، لكن ما لا يخدم التيار الإسلامي في ان يكون صاحب الأغلبية وبالتالي تشكيل الحكومة المقبلة، هو التشتت الذي يميز صفوفه وتباين أجندة كل حزب عن الآخر، بين التوجه المعارض الأحزاب على غرار حزب «حمس» وحزب «جبهة العدالة والتنمية» وأحزاب محسوبة على أنها قريبة من السلطة كحزب البناء الوطني وحزب الإصلاح.
وبالرغم من الإشارات الإيجابية لصالح هذا التيار التي أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون خلال خرجاته الإعلامية الأخيرة، والتي لم يبد فيها معارضة بان تقود أحزاب إسلامية الحكومة، عندما أشاد بالتجربة التركية.
وفي هذا السياق يقول الإعلامي ومدير عام شبكة «أخبار الوطن» عبد العزيز تويقر في تصريح لـ»القدس العربي» بأن المعطيات تصعب من التكهن بالفوز بالبرلمان المقبل «ولو ان التيار الإسلامي حمس بن قرينة (البناء الوطني) والإصلاح والنهضة وتيار جاب الله (جبهة العدالة والتنمية) سيكون لها شأن كبير وستحصد كثيرا من الأصوات، وتأتي بعدها القوائم الحرة ثم الأحزاب التقليدية الوطنية».
في المقابل يعتقد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر البروفيسور إدريس عطية «انه لا يمكن لأي حزب ان يحقق الفوز المطلق، ومتوقع عودة معقولة لبعض الأحزاب القديمة، ومع تحصيل القوائم الحرة نسبة من المقاعد».
موازاة مع الأحزاب الإسلامية، لفتت أحزاب جديدة خاضت غمار الانتخابات الأنظار، من خلال القوائم التي قدمتها وضمت كفاءات جامعية شابة، وقيامها بحملات دعائية عززت من حضورها، على غرار حزب «جيل جديد» الذي يرأسه سفيان جيلالي وهو معارض سابق لنظام حكم بوتفليقة وأحد أبرز وجوه الحراك الشعبي في بدايته، قبل ان يختار المشاركة السياسية في المسار الذي تبنته السلطة.
إلى جانب أحزب أخرى كحزب «فجر جديد» الذي يترأسه الطاهر بن بعيبش والذي ينتمي إلى التيار الوطني، وأيضا حزب «صوت الشعب» الذي يقوده الدكتور لمين عصماني الذي انشق عن حزب «الجبهة الوطنية» الذي يرأسه موسى تواتي، وكذا حزب «طلائع الحريات» الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس ومنافس بوتفليقة في أكثر من استحقاق رئاسي، قبل ان ينسحب بعد خسارته انتخابات 2019.
لكن أكبر الأحزاب التي ستشهد تراجعا كبيرا خلال هذا الاستحقاق كما يذهب إليه متابعون، هي الأحزاب التقليدية أو أحزاب الرئيس بوتفليقة التي كانت واجهة حكمه، على غرار حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي والتي تأثرت بشكل كبير بعد الحراك الشعبي، وجعلت الكثير من الإطارات وشباب الحزب يتوجهون للترشح في قوائم المستقلين أو الأحزاب الجديدة، دون إغفال تراجع وعائهم الانتخابي ما يجعل خسارتهم لمواقعهم في البرلمان تحصيل حاصل حسب المتابعين.

برلمان هجين
هذه المعطيات أخلطت حسابات المشاركين فيها وأيضا المتابعين، في ظل مقاطعة أبرز أحزاب التكتل الديمقراطي وهي حزب العمال وحزب التجمع الوطني من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية، ما جعل البرلمان المقبل بدون كتلة ديمقراطية حقيقية، وان كانت هذه الأحزاب لا تتمتع بوعاء انتخابي معتبر بحكم خريطة انتشارها الديموغرافي، حيث يتركز تواجد حزبي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية بشكل كبير في منطقة القبائل، أما حزب العمال فلم يتجاوز عدد المقاعد التي فاز بها 26 في أحسن أحواله.
ويرجح مدير موقع «سبق برس» الإخباري محمد رابح «أن لا تسفر الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية لصالح واحد من 27 حزبا مشاركا أو المستقلين وقد لا يتعدى صاحب الرتبة الأولى 100 مقعد». ويعتقد في تصريحه لـ»القدس العربي» أننا سنكون «أمام برلمان هجين فيه كتل للمستقلين وحزب جبهة التحرير الوطني وحركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني والمستقلين وصوت والشعب، كما أن الانتخابات قد تسفر عن الوفاة السياسية لأحزاب النهضة والإصلاح وتشكيلات أخرى».
انطلاقا من ذلك يقول المتحدث «سنكون أمام الخيار الدستوري المطروح بتسمية الوزير الأول من قبل رئيس الجمهورية لوجود أغلبية تدعمه مشكلة من أحزاب ومستقلين ستوزع عليهم الحقائب الحكومية مع استثناء الحقائب السيادية».
أما بخصوص الإسلاميين فيرى أن حظوظهم «وتحديدا حركة البناء الوطني وحركة مجتمع السلم في تحقيق أغلبية منفردين تبدو منعدمة، إلا أن غياب التيار الديمقراطي عن المشاركة سيعزز من عدد المقاعد التي سيفوزون بها والتي أستبعد أن تؤهلهم لتشكيل الحكومة وتكرار التجربة الموجودة في المغرب أو تونس، وسيكون نصيب الإسلاميين في الحكومة لصالح من يقبل الدخول في الأغلبية الرئاسية».

بين أغلبية الرئيس أو المعارضة

وانطلاقا مما سبق من معطيات، يجعل التكهن حول هوية الحكومة المقبلة التي ستفرزها الانتخابات معقدة، لكن الكثير من المتابعين يتوقعون فوز القوائم الحرة بمقاعد لا بأس بها يفتح لها الباب للدخول في تحالفات مع الأحزاب القريبة من السلطة وأيضا التقليدية، ما يمكنها من تشكيل أغلبية رئاسية، تسمح للرئيس بتعيين الوزير الأول الذي سيطبق برنامج الرئيس.
وتنص المادة 103 من الدستور الجزائري على أن الحكومة يقودها وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية ورئيس للحكومة في حال أسفرت عن أغلبية برلمانية.
وتتحكم عدة معطيات في القوى السياسية التي تتسيد البرلمان المقبل، وعلى أساساها ستتشكل الحكومة المقبلة، ما يطرح تساؤلات هل ستكون حكومة تخرج من الأغلبية الرئاسية التي تتبنى برنامج الرئيس وبالتالي الأخير هو من يعين الوزير الأول الذي سيطبق برنامجه؟ أم ستكون حكومة تخرج من ثوب المعارضة في حال فازت الأخيرة بالأغلبية وبالتالي هي من تختار رئيس الحكومة وتضع برنامج عملها؟ وهي الآليات التي وضعها قانون الانتخابات الجديد في طريقة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات النيابية.
وطرحت تساؤلات حول الوضع الذي ستكون عليه العلاقة بين الرئيس ورئيس الحكومة في حال أفرزت الانتخابات برلمانا بأغلبية معارضة، هي من ستعين رئيس الحكومة ومن تضع برنامجه، ما طرح مخاوف من استنساخ ظاهرة الاستقطاب السياسي بين الرئيس ورئيس الحكومة كما هو يجري حاليا في تونس.
وسبق لرئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق أن خاض في هذه القضية، حيث استبعد ان يكون هناك استقطابا بين الحكومة والرئيس، وقال بأن الاستقطاب بين من يشارك ومن يقاطع الانتخابات.

تحديات تواجه الحكومة المقبلة

الحكومة المقبلة ستواجهها ملفات عويصة وتحديات كبيرة، خاصة من ناحية تسيير ملفات معقدة كالأزمة السياسية التي تعرفها البلاد وأيضا الأزمة الاقتصادية. ويعدد مدير موقع «سبق برس» التحديات التي ستواجه الحكومة المقبلة وأبرزها الوضع الاقتصادي في ظل تراجع مداخيل المحروقات وأيضا تواصل العجز في الميزان التجاري ومناصب العمل في ظل ارتفاع نسبة البطالة وتواصل ارتفاع عدد خريجي الجامعات والمعاهد.
أما على صعيد «الجبهة الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية بشكل كبير هو تهديد أيضا للجهاز التنفيذي القادم الذي سيكون في مواجهة تصاعد المطالب الاجتماعية وربما الاحتجاجات التي برزت في اذار/ مارس ونيسان/أبريل في معظم القطاعات» ويتوقع عودتها.
المشكل السياسي مطروح بقوة يقول محمد رايح «ويتعلق بوجود شرخ بعد الحراك الشعبي والخلافات التي تعمقت بين أطياف سياسية والسلطة والحكومة ستكون أمام اختبار إعادة الثقة في المسار السياسي بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة الذي عارضه شريحة من الجزائريين ولا يزالون».
كما يتوقف عند تحديات على الجبهة الدولية والإقليمية وأبرزها الملفين الليبي والمالي وكذلك قضية الصحراء الغربية في ظل الاستفزازات الواضحة من المغرب والمخاطر التي تواجهها الجزائر من لوبيات محددة نتيجة مواقفها من القضية الفلسطينية التي أعلن رئيس الجمهورية دعمه لها بوضوح وذهب بعيدا في رفضه للتطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية