توفيق عمور نقيب مبدعي الأغنية المغربية: كثرة المنظمات المهنية والنقابية وعدم التنسيق فيما بينها تكريس للتشرذم والخلافات

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: فضّل الشاعر الغنائي توفيق عمور أن يغلب مساره كنقيب مدافع عن حقوق الفنانين في مجال الموسيقى، على مساره الشخصي الإبداعي. وتمكن من أن يراكم إنجازات متتالية حققها للمشهد الموسيقي المغربي خلال السنوات الاخيرة، خاصة على مستوى حقوق التأليف، إلى جانب ما هو اجتماعي يهم شريحة الموسيقيين المغاربة.
مؤخرًا، فقد النقيب عمور ومعه المشهد الفني المغربي، فنانا رائدا من طينة الكبار، هو الممثل حمادي عمور الذي رحل عن دنيانا بعد مسيرة زاخرة بالعطاء على مستوى المسلسلات التلفزيونية أو الأفلام السينمائية أو المسرحيات والتمثيليات الإذاعية.
سألته «القدس العربي» عن هذا الرحيل المؤلم، كما سألته عمّا عاشه ويعيشه الفنانون المغاربة خلال الأزمة الصحية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد، ولم تنس سؤاله عمّا تحقق للحركة النقابية الفنية في المغرب من مطالب.
الحوار مع توفيق عمور توقف أيضا عند محطات خلافية بين فنانين وكيف تؤثر على اداء المشهد الفني ككل..
يشار إلى أن توفيق عمور، هو رئيس الاتحاد العام المغربي للنقابات الفنية، ونقيب النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية، والأمين العام بالنيابة السابق لاتحاد الفنانين العرب بالقاهرة، كما أنه عضو الهيئة الدولية للمؤلفين والناشرين في باريس.
* بداية تقبل تعازينا الحارة في رحيل الفنان الرائد حمادي عمور، وهي مناسبة نسألك عنه وعن رصيده الغني واللحظات الاخيرة التي عاشها؟
** لا أحزنكم الله ولا أراكم مكروها في دنياكم. يبقى عمي وأبي الروحي وأخي وصديقي المرحوم حمادي عمور قيدوم الفنانين والإعلاميين مدرسة جايلت وعاصرت حقبة البدايات الفنية في المغرب، سواء على صعيد المسرح أو السينما أو الإذاعة، حيث كان المرحوم من أوائل من أخذوا المبادرة لتكوين فرق مسرحية بالدار البيضاء منذ أواسط أربعينيات القرن الماضي، وذلك قبل أن يلتحق بالإذاعة الوطنية بداية الخمسينات ويشارك في فرقة التمثيل لدار الإذاعة، وقتئذ، إلى جانب أسماء كبرى ووازنة من مؤسسي الحركة الفنية بالمغرب. ولم يقتصر دوره آنذاك على التمثيل الإذاعي فحسب، بل اقتحم عالم التأليف وكتابة السيناريو للإذاعة والتلفزة كذلك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المرحوم يتوفر على ريبيرتوار فني كبير تشهد له به خزانة الإذاعة والتلفزة المغربية تجاوز 580 عمل منها أكثر من 300 من تأليفه في مجالات الأعمال الكوميدية والاجتماعية والتاريخية والدينية.
كما أنه كان من أوائل الفنانين المغاربة الذين شاركوا في السينما العالمية حيث شارك في فيلم علي بابا سنة 1954 إلى جانب كل من فيرلاندير وسامية جمال. واستطاع أيضا أن يبصم له في عدة أفلام مغربية تجاوزت العشرين فيلما منذ بداية السينما المغربية التي واكبها مع عدة المخرجين من مختلف الأجيال.
وكان حمادي عمور كذلك رجل إذاعة وإعلام في الإذاعة الوطنية منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، حيث أعد وأخرج العديد من برامج المنوعات والبرامج التي تعنى بالشأن الفني من بينها برنامج عالم الفنون الذي استمر على مدار 12 سنة تقريبا، واستضاف فيه كثيرا من الوجوه الفنية العربية والمصرية على وجه الخصوص.
إضافة إلى ذلك اشتغل المرحوم على الأغنية المغربية، حيث ألف عددا من الأغاني، وشارك في عدة ملاحم وطنية. كما كان ضمن وفد الفنانين الذين أوفدهم المرحوم الحسن الثاني إلى الولايات المتحدة أواسط ثمانينيات القرن الماضي لتسجيل مسلسل ألف ليلة وليلة بأكبر الاستوديوهات هناك إلى جانب عدد من الفنانين المغاربة. ومثّل المغرب فنيا في عدة لقاءات ومهرجانات في دول كمصر والجزائر وتونس ولبنان وسوريا والصين وغيرها.
*كنقيب للفنانين في مجال الغناء والموسيقى، دون شك عايشت محنة الممارسين خلال جائحة فيروس كورونا، ما هي الخلاصات التي خرجت بها من خلال هذه التجربة الصعبة؟
**فعلا، ضربت جائحة كرونا المشهد الفني في مقتل، ووضعته في حالة شلل وسبات استمر لما يزيد عن السنة، مما أضر كثيرا بالوضعية المادية للفنانين وجعلهم عرضة لتداعيات العطالة الفنية، الشيء الذي أبرز بشكل جلي هشاشة القطاع وعدم قدرة العاملين في فلكه على تأمين ضروريات معيشتهم إزاء أول أزمة تعترضهم.
كما كشفت كرونا عن ضعف بل وعدم تأمين القطاع بآليات وميكانيزمات وتدابير احتياطية تؤمن للعاملين في فلكه أدنى ما يضمن لهم العيش الكريم ولأسرهم وما يواكب حالتهم الاجتماعية والصحية في غياب تعويضات عن فقدان العمل وضمان اجتماعي.
*يبدو المشهد الموسيقي والغنائي المغربي راكدا نوعا ما حسب ما يؤكده المتتبعون، هل يعود ذلك بالأساس إلى ظروف الأزمة الصحية، أم أن هناك أسبابا أخرى؟
** تبقى الأزمة الصحية حاليا السبب الأول والمباشر في الركود الفني الذي تعيشه الساحة الوطنية بصفة عامة، إذ كان للتدابير الاحترازية والوقائية التي اتخذتها الدولة والقاضية بالحجر الصحي (في نسخته الشاملة الأولى أو في نسخته المخففة نوعا ما) وتجميد كل النشاطات الفنية والعروض وإقفال المسارح ودور العرض وإقفال الاستوديوهات … الأثر الأكبر والسبب المباشر في تعميق حالة الشلل والجمود الذي أثر طبيعيا على الإبداع والانتاج الفني اللذين نزلا إلى أدنى مستوياتها بشكل غير مسبوق تماما. والحمد لله، أن الانفراجة جاءت أخيرا بعد تحسن الحالة الوبائية، حيث سُمح بعودة الأنشطة الثقافية والفنية وفق شروط احترازية محددة.
*في كل مرة تطفو على السطح خلافات فنية تعصف بالمسار ككل، أين موقع النقابات من هذه الحالات الخلافية؟
**المجال الفني معروف بظهور خلافات ما بين الفينة والأخرى، هذه الخلافات تكون سببا في تعطيل بعض المشاريع أو إبطائها، وحتى ربما إلغائها في بعض الأحيان، مما يؤثر على الحركة الفنية ويجعلها رهينة النزاعات التي لا تخدم المجال أبدا.
وترجع أسباب ذلك إلى ضعف التأطير لدى أغلبية العاملين في القطاع وعدم تداول المعلومة الصحيحة وفي وقتها، وإلى صراع الأجيال في بعض الحالات.
وتشكل كثرة المنظمات المهنية والنقابية وعدم التنسيق فيما بينها وغياب كل رغبة في توحيد الصفوف عاملا محفزا على استمرارية الخلافات، وتكريس التشرذم، وعدم توحيد الرؤى والأهداف التي تخدم الصالح العام الفني .
وأملي كفنان وكنقيب أن تكون لباقي النقابات الفنية آذانٌ صاغية من أجل تنفيذ وبلورة مقترحنا الذي نجدده كل مرة بخصوص الترفع عن النزاعات والخلافات الواهية، ونبذ ظاهرة نزوح البعض إلى شخصنة الأمور ومحاولات تصدر المشهد بشكل دائم من طرف بعض الأسماء التي أكد الواقع وبالملموس فشل تجربتهم ضرورة ترك أماكنهم للشباب الأكثر طموحا.
*هل تمكنت الحركة النقابية الفنية في المغرب من انتزاع مكاسب على الصعيد المهني والاجتماعي والقانوني، أم أن الأمر ما زال في طور النقاش والاقتراح مع الوزارة الوصية؟
**النقابات الفنية في المغرب وفي العالم تبقى مجرد قوة اقتراحية، وقد تكون في بعض الأحيان قوة ضاغطة إذا ما توفرت شروط العمل النقابي بشكل ديمقراطي.
ورغم كل المشاكل السابق ذكرها، ورغم الكثير من الإكراهات التي تعوق العمل النقابي بالميدان الفني في المغرب، كضعف الثقة وعدم الاحساس بالانتماء النقابي من طرف الفنان وعدم الانخراط فيه بشكل جدي، إضافة إلى النظرة «الدونية» و»التحقيرية « التي ينظر بها بعض ضعيفي الأفق والرجعيين للعمل النقابي والتخوف من الاقتراب منه… فإن النقابات الفنية المغربية استطاعت أن تكون شريكا أساسيا ومهما للقطاع الوصي، وفاعلا في عدة ملفات ومشاريع، كما استطاعت انتزاع وتحصيل الكثير المطالب والامتيازات للقطاع والعاملين فيه.
ويمكننا بكل تأكيد كمنظمات فنية أن نحقق العديد من المطالب والأهداف للرقي بالمشهد لو استطعنا أن نتجاوز خلافاتنا ونترفع عن كل ما يعيق وحدة صفنا وتشابك أيدينا.

*كيف ترون الأفق ما بعد الجائحة وهل سيتمكن المشهد الفني من التعافي والعودة إلى سابق حركيته؟
**طبعا، وبإذن الله سيتمكن المشهد الفني بعد الجائحة من استرجاع نشاطه وحركيته المعهودة. بل من المنتظر أن يعرف طفرة نوعية وكبرى تعكس الكم الهائل من الابداع والإنتاج الذي تم كَبْتُه وحجرُه خلال فترة الجائحة.
كما إنه من المأمول أن يكون العاملون في الحقل الفني قد استوعبوا الدرس الذي لقنته لهم الجائحة وذلك بالعزم على العمل في ظل شروط وآليات تضمن حقوقهم وكرامتهم وضمن عقود عمل تحميهم من كل طارئ.
*ختاما، ماذا يوجد على طاولة وزارة الثقافة كمقترحات ومشاريع وتصورات مقدمة من طرف نقابتكم؟
** كانت نقابتنا الفنية وما زالت، ولله الحمد، رائدة وسباقة ومبادرة دوما في مجال تتبع ومواكبة الشأن الفني في المغرب. وكانت نقابتنا النقابة الفنية الوحيدة في المغرب التي اتخذت مبادرة المساهمة في صندوق كورونا، كما كانت أول منظمة فنية استقبلها وزير الثقافة الجديد، واستمع لمطالبها ومقترحاتها بخصوص مواجهة تداعيات جائحة كورونا.
وكانت بدون فخر صاحبة مبادرة المطالب المتعلقة المنجزة بخصوص فتح دورة استثنائية للدعم، وتمكين المؤلفين من توزيعات حقوق التأليف بشكل استباقي وقبل أوانه لدعم المؤلفين ماديا، كما طالبت نقابتنا بتخصيص صندوق استثنائي لدعم المتضررين من الفنانين.
ومن جهة أخرى راسلت نقابتنا رئيس الحكومة ووزير الثقافة بخصوص فتح مجال الشغل للفنانين ضمن التدابير الاحترازية الضرورية. ولكن للأسف الشديد، وبكل وضوح وشفافية معروفة عند نقابتنا، نسجل ضعف التواصل مع وزارة الثقافة منذ مدة وعدم تجاوبها مع مطالبنا ومراسلاتنا التي تتضمن رزنامة من المطالب التي تخدم المشهد الفني والعاملين في فلكه.
وفي نفس الوقت لن ننكر دعوة الوزارة لنا أخيرا للقاء تفاعلي لعرض مشروع الوزارة بخصوص تنزيل النصوص والقرارات التنظيمية المتعلقة بقانون الفنان عموما ومشروع مبادرة الحماية الاجتماعية التي أعلن عنها الملك محمد السادس والتي تهم عموم المواطنين ومن بينهم شريحة الفنانين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية