لوس أنجليس – «القدس العربي» : منذ اندلاع الأزمة السورية بداية العقد الماضي، ظهرت العديد من الأفلام الغربية، الروائية والوثائقية، التي تسبر حياة وظروف وتحديات اللاجئ السوري في المهجر. تلك الأفلام كانت عادة سوداوية الطرح وأحيانا تراجيدية وركزت على حال اللجوء. لكن فيلماً جديداً، ينطلق هذه الأيام في دور العرض الأمريكية، وهو «ليمبو» للمخرج الإسكتلندي بن شاروك، يستخدم أسلوباً هزلياً وعبثياً، يبكينا ويضحكنا، ويجعلنا ننسى أن بطله الموسيقار السوري، عمر، لاجىء بل يُظهره كإنسان عادي كغيره من الناس يعيش أزمة وجودية. وذلك لأنه يسلط الضوء على إنسانية اللاجىء بعيداً عن الصور النمطية للاجئين ودون الوقوع في الميلودراما الملتهبة والمشحونة سياسياً.
طلب للجوء
«أردت أن أجذب الجماهير الذين لا ينجذبون بالضرورة إلى هذا الموضوع وإلى هذا النوع من الافلام» يقول شاورك عندما التقيت به عبر خدمة زوم. «أستخدام الفكاهة في نوع معين من الفكاهة العبثية هو طريقة ممتعة للوصول إلى هذا الموضوع.»
تدور أحداث ليمبو في جزيرة اسكتلندية نائية، حيث ينتظر عمر، وزملاؤه، رجلاً أفغانياً وأخوين نيجيريين، للموافقة على طلب للجوء في بريطانيا، بينما يخضعون وآخرون من طالبي اللجوء لورشات تدريب تؤهلهم للانخراط في المجتمع الغربي ويطمحون بحياة جديدة في بلاد بعيدة عن بلادهم. فالافغاني يود أن يلبس بدلة ويعمل في مكتب، ويريد النيجيري إغتنام الفرصة لمواجهة الحياة بشكل أفضل، بينما يحلم أخوه بالانضمام إلى نادي تشيلسي لكرة القدم.
العنصر الآخر الذي يميز «ليمبو» هو أداء بطله البريطاني ذو الأصول المصرية أمير المصري، فهو بالكاد يحرك عضلات وجهة ويبقى جامداً وساكناً أكثر أوقات الفيلم، لكنه رغم ذلك ينجح في جذب المشاهد إلى شخصية عمر وجعله يتعاطف ويتماهى معه في أزمته النفسية والاجتماعية.
«أنا لعبت الكثير من أدوار الحركة والإرهاب، لكن هذا الدور هو أصعب ما قمت به» يقول المصري. «قال لي شاروك إن علي أن أستحضر أحاسيسي وأفكاري وحسب من أجل اللقطات القريبة. فقلت له: تعني مثل باستر كيتون؟».
«وعندما قال لي ذلك، فكرتُ على التو بإيليا سليمان» يضحك شاروك.
إيليا سليمان، هو المخرج الفلسطيني، الذي أيضاً استخدم الهزلية العبثية لتناول التراجيدية الفلسطينية في أفلامه، مثل «يد إلهية» و«الزمن الباقي». وقد شبه النقاد نهجه بنهج باستر كيتون، الذي تميز بالكوميديا الجسدية وتعابير وجهه الثابتة والجامدة.
«إيليا سليمان هو المخرج الذي ألهمني لأصبح صانع أفلام» يقول شاروك. «في الواقع الزمن الباقي هو أول فيلم شاهدته من أفلامه، وكان ذلك منذ وقت طويل خلال دراستي الجامعية عندما كنت أدرس اللغة العربية والسياسة، ومعالجته لهذا الموضوع الجدي للغاية بالفكاهة والعبثية غيّرت حقاً مفهومي لما يمكن أن تكون عليه السينما وكيف يمكن لها أن تكون أداة سياسية أيضا.»
الهزلية العبثية في الفيلم تنبع من التناقضات: شباب من بلاد دافئة المناخ ومجتمعات اجتماعية يحاولون التأقلم مع حياة ساكنة في جزيرة باردة ونائية، لا تصلها حتى إشارة استقبال لهواتفهم المحمولة، فيضطرون لاستخدام الهاتف العام للتواصل مع أهاليهم. وبينما يخضعون لورشات توعية ثقافية وأخلاقية، ينهال الشباب المحليون على عمر بمسبات عنصرية ويصفونه بالإرهابي ومغتصب النساء، بينما يحاول صيادو السمك إغراءه للعمل بشكل غير قانوني.
الاستشراق الغربي
«استخدام الفكاهة كأداة تجعل السكان المحليين والمراهقين يبدون أغبياء نوعاً ما وسخيفين» يعلق شاروك. «هم لا يهددون، فهم نمور من ورق، وهنا تكمن الكثير من الفكاهة في الفيلم؛ فنحن دائماً على جانب الشخصيات اللاجئة، ونوعاً ما نشير مستخدمين الفكاهة إلى مدى سخافة وتفاهة بعض ما يقوله السكان المحليون أو يفعلونه، وبطريقة ما نمنح عمر قدراً من الكرامة من خلال الطريقة التي يستجيب لذلك، والطريقة التي ينظر إليهم فيها بينما يبني الجمهور علاقته معه أيضا.»
ما يطرحه شاروك في فيلمه يستحضر الاستشراق الغربي، الذي تناوله الباحث والمفكر الفلسطيني، إدوارد سعيد، في كتابه الشهير بنفس الاسم، حيث أكد تأثير الأدب والثقافة والفن الغربي الإمبريالي على طرق وصف الشرق الأوسط وسكانه. فرغم أن عمر فنان مثقف أكثر من السكان المحليين إلا أنهم ينظرون إليه كشخص متخلف، بينما تقوم حكومتهم بتنويره وتثقيفه من أجل الارتقاء إلى المعايير الغربية.
«هذا سخيف للغاية» يعلق شاروك. «دروس المحاكاة الثقافية للاجئين في الدول الأوروبية هي إجبارية أيضاً. وإذا لم يحضر طالبو اللجوء هذه الصفوف فسيتم رفض طلبات لجوئهم. أعتقد أن ذلك ينبع من النظرية الغيرية، وهي مرتبطة بإمبراطوريات أوروبية مختلفة وبالاستشراق.»
لكن الخصم الأكبر للاجئين هي الجزيرة النائية، التي تبدو كمنفى لمعاقبة أخطر المجرمين وليس الجنة، التي عادة يحلم بها اللاجئون قبل وصولهم الغرب. فينتظرون وينتظرون لشهور وربما سنوات لمعرفة مصيرهم، وكلما طال الانتظار يخنقهم الملل وتزداد مخاوفهم بأن الجزيرة تصبح سجنهم الأبدي.
«وصلت إلى مرحلة بدأت فيها بالبكاء» يقول المصري، الذي قضى هناك قرابة شهر للتصوير. «لم أتمكن حتى من مهاتفة أهلي لعدم وجود إشارة استقبال في هاتفي المحمول. تخيل لو بقيت ستة أشهر أو سنة، كان سيصيبني الجنون.»
«كان أمير حقاً يعيش كل هذا هناك وسط المجهول في البرد القارس، بينما تضربه الرياح والمطر. أعتقد أن كل ذلك خلق واقعية لما كنا حصلنا عليها» يضيف المخرج.
الجزيرة تصبح استعارة للحاجز بين الجنة والنار بالنسبة للاجئين، الذين ينتظرون ساعى البريد كل صباح وكأنه الملاك الذي ينزل من السماء بالحكم على مصيرهم. «بحثت عن أبعد جزيرة في اسكتلندا لكي نخلق ذلك الشعور» يقول شاروك «وقد غذى ذلك الإبداعية كثيراً بطريقة جمعت الطاقم والممثلين معاً وصبت في أداءات الممثلين» حسب قوله.
واضح أن عمر أجبر على ترك بلده بسبب ويلات الحرب ودمارها وليس طمعاً بحياة أخرى، وما زال غير متأكد من أنه فعل الصواب. فهو لا يبدو متحمساً لمستقبل في الغرب ويتوق للعالم الذي تركه، حيث كان موسيقياً مشهوراً ولا يزال معلقاً به، فهو يأخذ العود الذي ورثه عن جده معه إلى كل مكان دون أن يعزف عليه، ويفتقد مأكولات أمه ويطلب منها وصفات طبخها ويذهب بحثاً عن المكونات. كما يتخيل أن أخاه، الذي بقي في سوريا للقتال من أجل الحرية، قدم لزيارته وحثه على البقاء، معتبراً أن بقاءه في سوريا كفاح مثله مثل حمل السلاح.
«يمكننا التماهي مع الموضوع، فنحن نتحدث عن شخص ضاعت هويته وهو يبحث عنها طوال الفيلم» يوضح المصري. «هذا أمر يشعر به كل شخص سافر بعيداً عن أهله أو بلده. فالعود هو استعارة لشخصيته الدفينة التي يحملها معه الى كل مكان باحثاً عن نفسه. كما أننا نلحظ مدى حبه لبلده وأصواتها وموسيقاه وأكلاتها وهو لا ينفك يذكر العالم وتحديداً الأجانب أن سوريا بلد عظيمة.»
وذلك ما أراد شاروك أن يقدمه عن سوريا، حيث درس اللغة العربية في جامعة دمشق لمدة عام. كما أن علاقة قوية تربطه مع الشرق الأوسط وحضارته وثقافة شعوبه، فقد عاش أيضاً في مصر وتخصص في السينما العربية. لهذا، فإن طرحه للشخصية السورية يتسم بمصداقية كثيراً ما تفتقر إليها الأفلام الغربية الأخرى.
«تعود رحلتي في صناعة هذا الفيلم إلى دراستي اللغة العربية والسياسة، حيث كنت أدرس بنية الآخر» يوضح شاروك. «وقد تتطرقوا إلى موضوع أزمة اللاجئين فحرك ذلك شيئاً فيّ حيث شعرت بحاجة حقيقية لسرد قصة عن هذا. ثم أصبح الأمر متعلقاً بكيفية القيام بذلك والطريقة التي أريد استخدامها والتي شعر أن بإمكانها فعل شيء للموضوع، لكن كما أقول بصفتي صانع أفلام بأسلوب وحساسية خاصة».
الفيلم نال مديح النقاد وفاز بعدة جوائز في مهرجانات عالمية فضلاً عن ترشيحَي الى «بافتا» والفضل في ذلك ليس لأسلوبه السينمائي المميز فحسب، بل أيضاً لطرحه تساؤلات عن اللجوء قلما تسبرها أفلام أخرى. فالهجرة لا تبدو حلاً مثالياً، إذ أن اللاجيء يخسر كرامته وحريته في بلد اللجوء بعدما خسرها في بلده التي هرب منها. فهل من الأفضل له الكفاح من أجل تحقيق الكرامة في بلده بدلاً من تحمل المذلة في بلد آخر؟