في «تطعيم» اللغة

يعيب بعضنا من أساتذة العربيّة، على المعاصرين، كلّما وفد مصطلح أدبيّ أو علميّ أو استجدّ؛ جرأتهم في نحت كلمات، واشتقاقات غريبة، ليست من لطائف العربيّة؛ أو هي لا تستجيب للحسّ اللغوي السليم. والحقّ أنّ الجرأة على تشقيق الكلام ومخالفة القياس أو ما يسمّى مجاز الاشتقاق، ليست بالأمر الجديد في ثقافتنا. وقد ذكر حمزة بن الحسن الاصفهاني( ت. 360ه/ 10 م) أنّ القياس وإن كان أطاع الشّعراء في بعض الكلام فقد عصاهم في جلّه حتّى تخبّطوا فيه. وذكر أنّ المولّد لها قرائح الشّعراء؛ وعلّلها بالضّرورات التي يمرّ بها الشّاعر في المضايق التي يدفع إليها عند حصْرةِ المعاني في بيوت ضيّقة المساحة؛ أو بسبب العنت الذي يلحقه عند إقامة القوافي التي لا محيد له عن تنسيق الحروف المتشابهة في أواخرها. وكان الجاحظ نبّه في كلامه على اللّكنة، إلى شيء من هذا؛ وهو أن يدخل المتكلّم حرفا أعجميّا في حرف عربيّ وتجذب لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأوّل. على أنّها اشتقاقات لم تجئ كلّها مخالفة للقياس، وأكثرها يجري على أصول العربيّة وقوانينها في اشتقاق الصّيغ وتصريفها. وهو مظهر ممّا نسمّيه« شعريّة اللّغة» حيث ترد الكلمة في سياق من مشتقّاتها. والمقصود هو التّنويع الشّعريّ على «جذر» في نظام اللّغة أو أصل. وكان التّحوّل الشّعري عند شعراء البديع تحديدا، في جانب منه، من تحوّل اللّغة الدّاخليّ: ف«الأصل» في العربيّة صامت يتكوّن من صوامت وحسب هي «الدّال» وما يقدحه في الذّهن من فكرة عامّة أو صورة ذهنيّة. على أنّ «الأًصل» لا يوجد بذاته، بل هو ليس سابق الوجود. فهو جزء من كلمات «مختلفة» تتأدّى في حيّزه بوساطة المصوّتات التي تضفي على الكلمة معناها، على أساس من طابع المصوّت وكميّته أو مدّته من حيث الطّول والقصر. وعليه فإنّ المصوّتات هي التي تنهض ببناء الكلمة المَصُوغة،على نحو يتيح الرّجوع إلى «صورتها » أو «وزنها» أو «صيغتها» أو«بنائها.
ما يعنينا في هذا السّياق،أ نّ هذا النّظام« نظام تعاقب المصوّتات» أو بعبارة أدقّ،«نظام التّحوّل الدّاخلي» بعبارة المستشرق هنري فليش؛ وهو يؤْثر هذه التّسمية لأنّها تسمح بإدخال التّضعيف ضمن مجموع التّغييرات الدّاخليّة، من جهة، وتحدّد وصف هذه التّغييرات بأنّها «داخليّة» من أخرى. وهو النظام القائم على إدخال المصوّتات في الأصل الاشتقاقيّ الذي يُعدّ من خصائص العربيّة ـ ولقد أدار عليه شعراء البديع اشتقاقاتهم الخاصّة مثلما أداروا عليه أسلوب الجناس من حيث هو حركة لغويّة داخليّة محكومة بقوانين صوتيّة. وهذا الاشتقاق، مهما تكن الهيئة التي يتّخذها، أعمق من كونه توارد ألفاظ أو تداعي معان.
ما يعنينا في هذا السّياق،أ نّ هذا النّظام« نظام تعاقب المصوّتات» أو«نظام التّحوّل الدّاخلي» بعبارة هنري فليش؛ وهو يؤْثر هذه التّسمية لأنّها تسمح بإدخال التّضعيف ضمن مجموع التّغييرات الدّاخليّة، من جهة، وتحدّد وصف هذه التّغييرات بأنّها «داخليّة» من أخرى. وهو النظام القائم على إدخال المصوّتات في الأصل الاشتقاقيّ الذي يُعدّ من خصائص العربيّة ـ ولقد أدار عليه شعراء البديع اشتقاقاتهم الخاصّة مثلما أداروا عليه أسلوب الجناس من حيث هو حركة لغويّة داخليّة محكومة بقوانين صوتيّة. وهذا الاشتقاق،مهما تكن الهيئة التي يتّخذها، أعمق من كونه توارد ألفاظ أو تداعي معان.
وكان أبو تمّام الأجرأ من بين كلّ الشعراء، في هذا الضرب من النحت والاشتقاق. ومن أمثلة ذلك قوله:
وأباح نصل السّيف كلّ ممهّد // لم يحمرر دمه من الأطفالِ
وقوله:
يا سليمان ترَّفَ اللّه أرضًا // أنت فيها بمستهلّ الغمامِ
ففي هذين البيتين تستوقفنا صيغتا« ممهّد» (من المهد) « وترّف» (من التّرف) وهما توضّحان الكيفيّة التي يستثمر بها أبو تمّام« نظام التّحوّل الدّاخلي» في العربيّة حيث إدخال المصوّتات داخل الأصل طريقة أساسية من خصائص الفصحى. وإضافة هذه المصوّتات مقيّدة بطابع المصوّت وكمّيته، وتضعيف الصّامت الثّاني من الأصل في « مهّد» و«ترّف» يعتبر إضافة عنصر آخر أساسيّ إلى إمكانات هذه التغيّرات الدّاخليّة. ومن معانيه المبالغة وكونه محوّلا عن اسم (المهد، التّرف). وقد ساق هنري فليش رأيا في التّضعيف، نطمئنّ إليه؛ فهو يمثّل في الذّوق العربيّ عمليّة النّطق بالصّوت الصّامت مرّتين متتاليتين دون انفصال، فضلا عن دوره البنائيّ في العربيّة خاصّة أنّ هناك كلمات لا يفرّق بينها سوى التّضعيف. ولا يوقفنا نظام «التّحوّل الداّخلي» على الهيئة التي تتّخذها العلامة وعلى قواعد تنسيقها وحسب، وإنّما يَبينُ أيضا عن وظيفة التّركيب في نظم المعنى وتنظيمه. فإنتاج معنى مختلف من الفعل المزيد «مهّد» إنّما ينجم عن النّظام المتعلّق بوحدتين لغويّتين أو أكثر، فننتقل من الثلاثي «مهد» بشتّى معانيه مثل بسط ووطّأ إلى المزيد« مهّد» بسائر معانيه المستعملة، مثل سوّى وسهّل وهيّأ وقدّم…فإلى المعنى الشعري المستحدث أي الصّبيّ في المهد الذي لم يتغيّر دمه إلى الحمرة.
وهو في تقديرنا معنى مزيد أو فضل معنى أو توسّع في معنى الملفوظ وإفاضة. بل هو عبور من الكلام إلى اللّغة نفسها إذ يطعّم الكلمة بما ليس منها مطابقة أو تضمّنا والتزاما. وليس أصعب من هذا العبور الذي هو بمثابة وضع لغويّ فهو لا يكون إلاّ إذا ترضّى ذائقة الجماعة وحظي بموافقتها. ذلك أنّ اللّغة نتاج اجتماعي وملك الجماعة التي تتكلّمها. ومن ثمّة فإنّ سلطة الفرد على الدّليل اللّغوي جدّ محدودة. وكلمة «ممهّد» موجودة في اللغة ولكن ليس بهذا المعنى الذي استحدثه أبو تمّام أو «ولّده»، بعبارة أدقّ. من ذلك مثلا قولهم« ماء ممهّد» أي فاتر ليس ببارد ولا سخن. وهو أيضا الوطاء الخاصّ بتخت المرأة.
أو قوله في الهجاء:
إمْراتُهُ نفذتْ عليه أمورها // حتّى ظننّا أنّه إمْراتُها
قال أبو العلاء: « لا يوجد في الشّعر القديم «إمْراتُهُ» إلاّ أنّ القياس يطلق ذلك.« وجوّز أن تخفّف الهمزة كما في قولهم «هذا خطا» بدل «خطأ»، أو «كلاك الله» بغير همز. وأضاف: «فكأنّ قوله»:« إمراته» يحمل على أنّها أنثى «إمْرا» [إمرأ] ثمّ خفّف المذكّر، والمؤنّث الجاري عليه، وقطع ألف الوصل في « امرأة» وذلك قليل.»
ولا يقتصر الاشتقاق عند أبي تمّام على اللّفظ العربيّ وإنّما يتعدّاه إلى اللّفظ الأعجميّ واللّفظ العامّيّ مثل « تفرعن» من «فرعون» أو «فرزن» في قوله:
أفَعِشتَ حتّى عِبْتهمْ؟ قل لي متى // فَرْزَنْتَ سُرعةَ ما أرى يا بيدقُ ؟
وشرح المعرّي فقال إنّ الشّطرنج اسم أعجميّ، وكذلك الشّاه والفرزان والرّخ والبيدق. ومن روى فرزنت بالضمّ، فالمعنى: جعلت فرزنا. ومن روى بفتح الفاء، أراد : متى صرت من الفرازين. وخلص إلى أنّ ضمّ الفاء أحسن وأقيس.
وهاتان الصّيغتان «تفرعن» و«فرزن» من الرّباعي المأخوذ من أصل اسميّ أعجميّ ( فرعون وفرزن) يتمّ تعديله على صيغتين إلى الحدّ الذي يتلاشى معه أصل الكلمة أو يكاد.أمّا الأولى فيحكمها التّحوّل الدّاخليّ والإلصاق ب «سابقة التّاء»، والثّانية يحكمها التحوّل الداخليّ المحض. وقد أثيرت قضيّة الدّخيل أو الأعجمي في مباحث الإعجاز، من ذلك الفصل الذي عقده القاضي عبد الجبّار في بيان فساد طعنهم في القرآن، وذِكْرِ أمور غير معقولة في اللّغة. وممّا جاء فيه إشارته إلى أنّ« اللّفظة لا يمتنع أن تكون فارسيّة، ثمّ تعرّب وتغيّر فتصير عربيّة، لأنّ اليسير من التغيير يخرجها من بابها. ولا يمتنع أن تصير عربيّة لتعارفٍ يحصل في اللّغة العربيّة أو ابتداء وضْع.»
ومثاله قوله:
بالقائم الثّامن المستخلف اطّأدَتْ // قواعدُ الملك ممتدّا لها الطّولُ
وتفرّد الألماني شبيتالر برواية « اعتدلت » مكان «اطّأدت». وهي رواية لم نعثر عليها في أيّ من نسخ الديوان، ولعلّها مأخوذة من من نسخة غير منشورة. وما نخالها إلاّ من وضع النّسّاخ، بسبب ما أثير حول لفظة « اطّأدت»، وهي الرّواية المتواترة.
وأشار أبو العلاء إلى أنّها وردت في شعر البحتري وأضاف : «وينبغي أن يكون اشتقاق «اطّأدت» من الطّود، بُني على« افتعلت»؛ ثمّ هُمزت للضّرورة، لأنّ تاء «الافتعال» إذا كان قبلها طاء قلبت إليها…«وأنهى كلامه،بالعبارة المأثورة لديه انتصارا لأبي تمّام: «ويجوز أن يكون الطّائي سمع «اطّأد» في شعر قديم فاستعمله. »
وحاصل رأينا أنّ بعض هذه الاشتقاقات مأنوس قريب يقدّر لذّة الأذن ومتعة السّمع فتتقبّلته الذّائقة. وربّما تفاوت بعضها، وكان ميزانها غير مستقرّ وباغت المتقبّل بما لا عهد له به، فاعترض عليه أو صرفه إلى أصل غير مرجوح. ولكنّها تظلّ نوعا من «تطعيم» اللغة؛ على نحو ما نُطعم غصنا، فنصلُ به غصنا من غير شجره.

ناقد تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية