«ضاعت الجوازات» هذا ما استطاعت سفارة هولندا في تونس أن تجيب به مواطنا ليبيا جاء يطلب اذنا لزيارة «الأراضي المنخفضة». القصة بدأت في الرابع من هذا الشهر لما قدّم إبراهيم طلبا للحصول على تأشيرة دخول له ولزوجته الفلسطينية إلى مملكة هولندا، بغرض السياحة. بعدها بأيام تم إخطاره بضرورة إحضار وثائق إضافية، ما اضطره للعودة إلى ليبيا لجلبها.
وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه كان الموعد المفترض لنيل التأشيرة فتقدم لمصالح السفارة ليصدم بالجواب المختصر والصاعق «لقد ضاعت الجوازات».
حدث ذلك في سفارة دولة أوروبية يفترض فيها الانضباط واحترام القانون، فاذا بها تضيع ببساطة وسهولة وثيقة رسمية مهمة بقيمة جواز السفر، وتكتفي بعد ذلك بمجرد إعلام المعني بالأمر بتقصيرها وخطئها، بدون أن تكلف نفسها عناء البحث له عن حل أو تسوية معقولة.
يقول إبراهيم، الذي اتصل على الهاتف ليشرح لي تجربة مضنية مع السفارة، إن مسؤولا في وزارة الخارجية التونسية أخبره لما قصدها للتظلم بان ما جرى لم يكن أمر غريبا أو شاذا، فهناك ما يناهز الثلاثين شخصا، فيهم تونسيون واجانب ضاعت جوازات سفرهم بالطريقة نفسها. والنتيجة انه لم يجد من سبيل أمامه غير تكليف محام برفع شكوى إلى القضاء التونسي، بعد أن أخبره مسؤولون بالسفارة الليبية في تونس، أن كل ما بوسعهم فعله هو منحه وثيقة سفر مؤقتة صالحة فقط للعودة إلى ليبيا. أما زوجته الفلسطينية التي تملك جواز سفر سوريا فأمرها إلى الله، إذ لا توجد سفارة سورية في تونس حتى تعطيها الوثيقة ذاتها ويسمح لها بالمغادرة مع الزوج.
ما حصل لابراهيم الليبي وزوجته الفلسطينية قد لا يبلغ بالنهاية حجم المعاناة الانسانية الرهيبة لملايين التونسيين والليبيين والعرب في الدول الغربية، الذين فكروا بزيارتها او نجحوا بعد جهد في الوصول اليها، إما هربا من جور حكامهم، أو بحثا عن فرص عمل أو دراسة، أو حتى لمجرد الاكتشاف والسياحة، فنالهم عقاب مضاعف وتحولوا إلى عبيد جدد في سوق الحريات الكونية المفتوحة. في تلك البلدان يظل العربي وحتى إشعار آخر متهما بالتطرف والارهاب، أو مدرجا في أخف الحالات وأدناها على لوائح الاشخاص المشبوهين والمشكوك في قدرتهم على احترام القانون والعادات وطرق العيش المحلية. يستوى في ذلك الجاهل والمثقف، الغني والفقير، والسياسي ورجل الشارع. لا يحصل ذلك الانطباع أو تلك التصرفات المهينة واللاإنسانية فقط عندما تطأ الاقدام العربية تلك الارض، أو يبدأ القادم بالعيش والاستقرار فيها، لأن الوصول بحد ذاته صار اشبه بالمنحة أو الانجاز الخارق، الذي لا يطاله إلا المحظوظون الذين قبل «الرجل الأبيض» بدخولهم وفقا لشروطه الصارمة والدقيقة. حتى الاشخاص المعروفون والمشهود لهم بالاعتدال والتسامح، يحصل معهم الامر نفسه وداخل بلدانهم، بمجرد شروعهم في السفر نحو تلك الوجهات، ثم يتم لاحقا وتطويقا لأي حرج دبلوماسي قد تحدثه ضجة الاعلام، تقديم الامر على انه مجرد خطأ إداري عفوي وغير مقصود، وهو الامر الذي حصل مع الشيخ عبد الفتاح مورو، الرجل الثاني في حركة النهضة في السادس والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ففي ذلك اليوم أخذ الشيخ مكانه على متن الطائرة التونسية التي كانت بصدد الاستعداد للاقلاع نحو المانيا، المحطة الأولى من رحلة تنتهي به في أمريكا لحضور مؤتمر سنوي ينظمه فلسطينيون مقيمون في الولايات المتحدة. لكن السلطات المحلية طلبت منه النزول وأشعرته بأنه غير مرغوب فيه في بلاد العام سام. أما السفارة الامريكية التي اتصلت به في وقت لاحق فقد اعلمته بانه لا مانع من سفره مجددا على أول رحلة موالية وأصدرت بيانا بعد ذلك قالت فيه إنه «لا دوافع سياسية» وراء العملية، وإن الشيخ لا يوجد على أي قائمة من قوائم المنع من دخول البلاد. بعد ذلك طوي الملف وسافر الشيخ وبقي الإعلام التونسي مشغولا فقط بتأويل الحادث وربطه بشكل مباشر بما وصفه تحولا جذريا في الموقف الامريكي من الإسلاميين في تونس، بعد أن تصدرت حركة نداء تونس نتائج الانتخابات البرلمانية الاخيرة. أما كرامة الشخص وكرامة الدولة التي أهين واحد من مواطنيها فقد كانت آخر المشاغل والاهتمامات المطروحة.
ومن الطبيعي في تلك الحالة ألا يسأل أحد لماذا يدخل الاوروبيون والغربيون عموما إلى معظم الدول العربية، مثل تونس بمجرد الاستظهار ببطاقات الهوية، وبدون الحاجة إلى جوازات سفر أو تأشيرات، فيما يضطر التونسيون وباقي العرب، عدا القادمين من دول الخليج إلى طلب تأشيرات ودفع مبالغ مالية كبيرة، غير قابلة للاسترداد، سواء قبل الطلب أم جوبه بالرفض، ولماذا يستمر التمييز بين الأوروبي الذي تفتح له الأبواب على مصراعيها لمجرد هويته الاوروبية وبين العربي الذي توصد في وجهه كل السبل والمنافذ فقط لأنه عربي، أي كائن لم يصل بعد بنظر الكثيرين إلى مرتبة الآدمية؟
لقد كان احتراق البوعزيزي قبل اربع سنوات علامة فارقة على أن صبر الشعوب على المهانة يوشك على النفاد، وان استرداد الكرامة المفقودة صار مطلبا شعبيا عاجلا وملحا لا يمكن تأجيله البتة أو تركه لوقت آخرعلى الرفوف. لكن الكرامة انهكت واستنزفت في ما بعد بالكامل ولم يعد لها من معنى او أثر فعلي مباشر بعد ان تحولت إلى مجرد شعار للمحاججة والمنافسة على السلطة يرفعه الجميع في وجه الجميع، بدون ادراك أو وعي بمدلولاتها، أو ما تقتضيه من شروط واستحقاقات. وتحول بذلك سؤال الاسترداد إلى سؤال الثمن المقبوض لبيعها والتفريط فيها، ثم الثمن المطلوب لنيلها والحصول عليها من جديد. فهل بتلك السذاجة الطفولية الحالمة ولمجرد إسقاط رؤوس الانظمة وتغييرها بأخرى سوف تقدم على طبق من ذهب وفضة وبالمجان إلى شعوب عاشت وتربت ردحا طويلا على ان الفرد يبقى مجرد رقم في السجل القومي، وان الكرامة هي ملكية حصرية للحكام واصحاب النفوذ دون سواهم؟
في الماضي لم يمنح هؤلاء الكرامة لشعوبهم ووقفوا سدا منيعا بوجهها فهل يقبل الأجنبي في الحاضر والمستقبل بمنحها لهم بعد أن كسروا الحواجز وازالوا السدود؟
تدل التجارب في الدول التي صارت تعرف بـ»الربيع العربي» على ان فكرة الكرامة التي انطلقت فور اختفاء رؤوس السلطة القديمة من المشهد العام، بالبحث عن قيمة للفرد ومعنى للمواطنة قد ارتدت في النهاية إلى مجرد تحصين متسرع لكيان الدولة وسلطانها بطرق واساليب ملتوية، تبعدعن كل المظاهر والاشكال التقليدية المألوفة. فشبح الارهاب الذي أطل على تونس من باب تشدد ديني مشبوه، ودفع السياسيين إلى تعديل الوجهة والمواقف، بحسب ما وضعه من ترتيبات أفضت إلى مراجعة مسار الحرية بالتوجه المحموم صوب استعادة الامن المهدد واشتعال نار العصبيات القبلية والفئوية داخل بلدان اخرى مثل ليبيا، كل ذلك جعل الكرامة تبدو للناس سرابا خادعا صعب المنال، بافتقاد شرطها الاول والاهم وهو العدل. لم يسمح ترابط المصالح وتشابكها بشكل وثيق بين المستعمر الاسبق والمستبد السابق بفتح سجلات المظالم وارساء قضاء عادل ومنصف يعطي ثقة مفقودة وأملا ضائعا للشباب الذي اعتقد ان الثورات ستجلب له الكرامة، بما تعنيه من فرص للعمل والتعبير والمشاركة في الشأن العام.
لم يحصل شيء من ذلك، بل ظل العالم يلقى وعوده بدعم التحولات على اليمين والشمال. واختصر الامر داخل تونس في الدستور، ثم في الانتخابات. اما في دول الجوار فانحصر في قدرة الفرقاء على الجلوس إلى طاولة الحوار بدلا من التحاور بالدم والرصاص. ورغم ان تونس تبدو نظريا المثال الاقرب والاكثر قدرة على النجاح في مسار الديمقراطية، الا ان الفارق بين الناجح والفاشل لا يلوح مؤثرا او محددا لنظرة الغربيين وتعاملاتهم. فالغرب لا يميز حتى الان بين عربي ديمقراطي وآخر مستبد. ومن اجل ذلك فلن تجلب الديمقراطية وحدها الكرامة المفقودة مثلما لن تمنع شكوى ابراهيم الليبي بالسفارة من ضياع جوازات سفر اخرى في المستقبل وعلى ملك عرب اخرين لسوء الحظ ايضا.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية