كلما تعظم الخطابات بأن الشعوب ستكون بخير وأمان، كلما زادت الخيبة وانكسرت الآمال في غد أفضل.
وكلما كشفت وسائل التواصل الاجتماعي الجوانب المرعبة من المسكوت عنه في المجتمع، بمصداقية أو لأجل السبق والبوز – ازداد الإعلام مهما كانت طبيعته – في التحيز والموالاة أو السقوط في فخ «فاحشة» ما يطرح من مواضيع الشذوذ وبنات الليل وغيرها من المواضيع التي يراها دسمة.
وبالرغم من أن المواطن في البلدان المغاربية يبجل الإعلام – كونه الناقل لانشغالاته ومشكلاته، والتي يتمنى أن تصل للمسؤولين للإسراع في حلها – فإن وسائل التواصل الاجتماعي التي تركز على التباين المفرط بين الطبقات وأفراد المجتمع، تهتم بايصال صورة الثراء الفاحش للبعض من مؤثرين وفنانين وتوصل صورا نظيفة دون شوائب ونموذجا لحياة الأحلام.
وقد تنقل لنا بعض صور وفيديوهات عن بشر لم يدخلوا التاريخ والتمدن، يعيشون حياة تنعدم فيها الأساسيات.
من يرى نصاعة الوجوه وجمالها وكم المكياج، الذي يعلو صور «اليوتيوبرز» والمؤثرين، لا يمكنه قبول وجوه غبرة وشعور شعثة، في وقت شح المياه في الحنفيات.
الناس لا تجد مياها للشرب، فما بالنا بمياه الاستحمام. هكذا تتغير ملامح بلداننا وتختفي الطبقة المتوسطة تدريجيا تحت ضغط بروز طبقة تستهلك الأخضر واليابس وتظهر في صورة الحمل الوديع والوجه الملائكي، بينما يخشوشن البقية، لأن المياه لا تدوم والبطالة متفشية بقوة، والثروات تتسلل لشرذمة، ويتوطن العنف والفوضى لدى من صنع الإعلام والسياسة، وهم أوعية لكل المآسي.
ماذا بقي من الكرامة!
أثار مقتل الشاب أحمد بن عمارة 32 سنة، بعد لحظات من اعتقاله من طرف أعوان الأمن في منطقة الشعبية سيدي حسين السيجومي، سخط التونسيين وجعلهم يخرجون للتظاهر، حتى في العاصمة، ناهيك عن حال المنطقة مسرح الحدث، التي لم يهدأ لها بال منذ ذلك اليوم، وتتجدد فيها الاحتجاجات والمناوشات مع البوليس (حسب موقع كابتاليس) وعلى إثر هذا الحدث، وقع أمر مخز وهو سحل الشاب التونسي القاصر من طرف أعوان الأمن عاريا، كما «ولدته أمه»، بعدما انتفض لما حدث لابن حيه.
هذا الحادث لم ولن يبقى مجرد خبر في صحف محلية، بل سينتشر عبر كل وسائل إعلام الدنيا، بعدما انتشر في البلدان العربية.
وبعد السخط غير المسبوق على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، لشاب غير معروف الهوية – أفضل له على الأقل حتى يقلل من متاجرة الإعلام به – كما طالبت وتمنت ذلك عربية حمادي في فيديو مؤثر، وإدخال محيطه وأسرته وأصدقائه وحتى مدرسيه إن كان متمدرسا في لعبة السبق الصحافي على حساب الحالة النفسية والكآبة الاجتماعية والاقتصادية، التي يعيشها هذا الشاب المعنف بأقصى درجات العنف.
هكذا تضيع كرامة الإنسان، بينما الإعلام والناس منشغلون برقص صفير وجسد الدباغ ومخنثي الشوارع!
هكذا تخلق بؤر التوتر في المجتمع التونسي، الذي فعلا لا ينقصه هذا وهو يواجه أزمة اقتصادية متغولة ومتوغلة في مفاصله، والتي زادها فيروس كورونا.
وكذلك لا يجد التونسي بديلا سياسيا في جو الديمقراطية، وهو بين فكي مطرقة النهضة وسندان الحزب الدستوري الحر. سحل جسدي وسحل سياسي ولا أحد يهتم لمن يتضور جوعا وكرامة. لكن هل العري عري الأجساد فقط؟
في فيديو مطول نوعا ما وبعنوان: «كلنا عرايا… كلنا طيحولنا السروال». تعرج الصحافية التونسية، التي أحيلت على البطالة قسرا، بسبب مواقفها، على خلفية قضية الشاب، وكأنه الأول من نوعه، بينما تتم تعرية التونسي في كل لحظة. والعري ليس عري الجسد، بل عري الروح والكرامة والنفس. كيف لا والكرامة تنتهك في كل مكان. في وسائل النقل ومقرات العمل وشروط التوظيف التعجيزية.
تقول طبيعي أن يرفسك رجل الأمن ما دام تم رفسك من طرف السياسي. ورغم أنها تحترم رجال الأمن لأنهم على خط النار والمخاطر، ولأن عائلاتهم لا يدرون إن كانوا سيعودون في المساء أو لا بعدما يغادرون صباحا، ولأن رواتبهم ضعيفة ولا تكفيهم إلى آخر الشهر، فإنهم يفكرون في الرشوة. أما السياسي أو رجل الأعمال أو المدير العام أو صاحب النفوذ، الذي يمسك القلم فقط ليمضي فإنه لم ولن يحاسب. فأحمد الذي توفي ليس الأول ولا الأخير. فما الفرق بينه وبين الدكتور بن الدين، الذي توفي بعدما سقط في المصعد في مستشفى جندوبة.
لا فرق، اليد نفسها والقتل نفسه والمجرم نفسه والمهين للكرامة وللمواطن نفسه. نتيجة قرار مسؤول فاسد وفر كل شيء حتى يصبح رجل الأمن مجرد «روبوت» يشحن شحنا وعلى أعصابه. لا يفهم إلا بالشتم، إلا بالضرب.
تواصل حمادي، إن ما استفزها وقهرها ليس تنحية السروال، فعلاوة على تعريته وتجريده من ملابسه مشى الصغير امتارا عاريا إلى أن وصل سيارة الأمن. قد تلفق له تهم و«يلبسوه قضايا» مثل أنه مخمور أو يتعاطى مخدرات وغيرها، كي تقول أنتم السبب. بسببكم يا فاسدين «طيحتوا» بكرامة التونسي وأصبح ينظر إليه في البلدان من فوق لتحت. بفسادكم وفساد إعلامكم، حاشا القلة، ألهيتم الشعب في «الرقص». نسيتم النساء العاملات اللواتي رحن ضحايا «الكوميونة». ألسن عرايا هؤلاء!؟ عندما تخرج للشارع بـ 50 دينارا لا تعرف ماذا تشتري بها ولماذا لا يمكنك الشرا، ألست عاريا؟! كرامتك في سروالك؟ كل يوم تنتهك الأعراض في وسائل الإعلام».
تواصل عربية حمادي سرد كل أحداث تونس المؤلمة وتتمنى أن تبقى هوية الشاي مجهولة حتى لا يستثمر فيها إعلام «الزبالة» أو إعلام «البوز».
كما تطمئنه بمرارة في الأخير قائلة: «ماتحطهاش في قلبك براس ولدي رانا كلنا عريانين، نواب البرلمان عرونا. رؤساء الحكومات عرونا، الوزراء عرونا. وللأسف الشديد كل من وضعنا فيهم الثقة عرونا ونبقوا عريانين حتى يسترنا ربي. كلنا بدون استثناء عرايا».
زمن ريفكا ونوميديا وزمن بهية راشدي
من الفنان ومن ليس بفنان؟ من يعش أرقى عيشة ومن يلهث في البحث عن قانون يحميه. هل الناس، حظوظ أم مستويات؟ أم زمن غابت فيه المقاييس وأخلاقيات العمل في كل المجالات؟
هل حصد «الجامات» والمتابعات على وسائل التواصل الاجتماعي هو من يصنع الفنان اليوم الذي لا يحتاج لقانون فنان. بل يتسارع المسؤولون في الوصول لمثل هؤلاء الفنانين بحجة أنهم شباب مثل ما حدث مع ريفكا ووزير الثقافة السابق عز الدين ميهوبي.
هل النجوم تصنعهم السياسة والمال ثم تأتي الموهبة. مواهب تشبه الفقاعات وتنشط في كل المجالات. فنان شامل يغني ويرقص ويشتم الاخرين. وقد يتحول لخاطبة، مثلما حدث مع «نوميديا لزول» التي تطوعت لأن تخطب لمحبيها، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وأن تساعد في التقاء الأرواح من خلال الانستغرام وعرض عشرة رجال جادين في الارتباط وعشر نساء مع سيرهم الذاتية وصورهم.
وقالت إنها ستغني في عرس أول زوج تنجح في تزويجه بهذه الطريقة.
والله فكرة عندما تنتقل الخاطبة التقليدية التي كانت تتصيد الفتيات بالأعراس والحمامات، واللقاءات الأسرية، إلى الممثلة والمؤثرة وبواسطة منصات التواصل الاجتماعي.
كنا ننتقد تسليع الفتيات وعرضهن أمام الخطاب وأهاليهم. أصبحت السلع على الأنستغرام. اللي ما يشتري يتفرج. عوض الفرجة الأسرية قد تصبح فرجة مليونية!
الثنائي ريفكا ونوميديا اللذان يعتبران نماذج لجيل الشباب، ما زالا يتصدران المشهد في منصات التواصل الاجتماعي بعد مقطع الفيديو، الذي ظهرا فيه مؤخرا والذي حصد مشاهدة فاقت 2,7 مليون و413 ألف «جام» وأكثر من 4 آلاف تعليق. مدة الفيديو لا تتعدى 8 ثوان. وهما يظهران بنظارات ومناديل على الرأس، يذكران بموضة الخمسينيات (حسب ما جاء في موقع دزاير ديلي) وحتى كلبهما الصغير ظهر بنفس اللوك. وهم يؤديان كلمات أغنية «مايك بوسنر» التي تحمل عنوان «رجاء لا تذهب»، الأغنية التي تذكر بالأجواء الاحتفالية والصيفية. في صيف بدأ حار جدا. كما واصل الشاب ريفكا، إبهار معجبيه ومتابعيه، من خلال مقطع فيديو آخر، يعرض من خلاله فخامة بيته الجديد الذي اشتراه بقيمة 8 مليار سنتيم. البيت يطل على المسجد الأعظم. وردا على تعليق إحدى متابعاته التي طلبت من المسؤولين فتح تحقيق عن مصدر ثروته، رد مستغربا أن يكون الحسد بلغ هذه الحدة، وأرجع سبب ثرائه إلى رضى الوالدة. هكذا يمتع ريفكا جيله ويميعه.
هذا وإلى جانب «الثورة الشبابية الفنية»، بسلبياتها وايجابياتها ومنحاها الاستهلاكي المحض، في وقت ما زال «البوطي» يحصد الأرواح، بينما ريفكا يستقل طائرة خاصة للسفر كما يحلو له.
في هذا الزمن الذي يزداد صعوبة على الجميع ومن بينهم الفنانون، وفي عيد الفنان تناقل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لقاء الوزير الأول السيد عبد العزيز جراد بالممثلة الكبيرة بهية راشدي، في لفتة مسؤول لفنانة قد تمثل الفنانين وتحمل همومهم في عيد الفنان، الذي يحل دائما ليذكر بمشاكل ومتاعب الفن وأهله في الجزائر. حتى نقول إننا لم ننس الكبار أو بعضهم وإن الساحة لم تملأ من طرف أشباه النجوم الذين كانوا محظورين من الأعلام وأصبحوا الآن الكل في الكل.
نذكر أن هناك فنا من فن وفنان من فنان. وصناعة النجوم مثل صناعة السياسيين لا تعرف مقاديرها ووصفاتها بالضبط.
كاتبة من الجزائر