لميعة عباس عمارة
كان الشعر الذي تكتبه لميعة عباس عمارة أنثوياً الى حدٍّ كبير، إلا أنها لم تتورط، شأن بعض الشاعرات، بهذا الجدل الذي شاع حدّ الإملال أحياناً، حول الجسد ونزعاته المتوحشة بمناسبة وبدونها، بل كانت تقول الكثير بنبرة الأنثى، الواثقة، المتشهية، الخاضعة. المولهة برضاها بالرجل الذي تحب، المتعالية على ضعفها، أو الآخذة من غيرة النساء ما تشتهي وما يجعلها أكثر إثارة وجبروتاً.
لم ألتق الشاعرة الراحلة لقاء مخصوصاً إلا مرة واحدة. كان ذلك في جامعة الإمارات، حين قدّمْتها في قراءات شعرية في قاعة المسرح الكبير قبل عشرين عاماً أو يزيد. كانت القاعة غاصة بالطالبات المتلهفات إلى الإصغاء إلى هذه الشاعرة التي سمعْنَ عنها الكثير من أساتذتهنّ، كنَّ في أوائل شبابهن المتفتح على الحياة، والأحلام والقراءات.
قبل بدء القراءات سألت الشاعرة ، وأنا أعرف جيداً، ما يدور في أذهان الكثيرات ممن كنّ في القاعة، هل سنفسح مجالاً لمن تسأل عن طبيعة علاقتك بالسياب؟ أجابتني، كعادتها في الإجابة على هذا السؤال، بمزيجٍ موحٍ من الصمت المرح الجميل، وثمة غيمة عبرت عينيها المشرقتين، وكأنها تمزج الشيء ونقيضه وتترك لنظراتها ما لا تتركه للغتها الرقيقة المباشرة.
تحدثت وقرأت وابتسمت، وتغنت بالفصحى وبالعامية بالوطن وبالرجل، وشدت إليها جمهور الطالبات، لا بشعرها فقط، بل بما يرافق شعرها، وما يسبقه وما يليه. فهناك دائماً إطارٌ، أو مزاجٌ، أو جوٌّ ملتهبٌ تضعنا فيه لميعة عباس عمارة منذ اللحظة الأولى حينما تقرأ قصائدها أمام جمهور حاشد.
لقد نجحت الشاعرة الراحلة في صناعة أسطورتها الخاصة، وهي أسطورة تقوم على بساطة شعرية ممتنعة على سواها في الغالب أو تكاد، هي أنثى الألقاء البشوش، المترف، الشهيّ، الذي يقود بعض الرجال الى الوهم، بدون أن تعني أحداً منهم على وجه التحديد. لجسدها الحر وصوتها المطواع قدرة هائلة على الإيحاء الماكر، على الصخب الهامس، الذي لا زعيق فيه، وعلى الهمس حد الإفصاح بدون مواربة. وكان لعينيها الواسعتين، كما في المنحوتات السومرية، هيمنة على الجمهور الذي تخاطبه. جريئة جرأة محسوبة. ولها، في اللحظة ذاتها، تمنُّع الإناث المشتعلات بالشغف أو الرغبات الحارة .
أسطورة الشاعرة الراحلة لم تصنعها قصائدها وحدها، بل ما حفّ بتلك القصائد من بهاء الإنشاد، وجذوة الصوت وتموجاته الدالة، ومن اهتمامات الأنثى مغلوبة وغالبة، بدون أن ننسى سردية علاقتها بالسياب، حقيقية كانت تلك العلاقة أم متوهمة. فقد تركتها لميعة عباس عمارة بدون نفي أو توكيد، وكأنها قطرة من ضوء مشكوك فيه يعلق بمخيلة من يتلمس طريقه إلى تلك السرديه العاطفية التي أمدتها الشاعرة الراحلة بالحياة والجاذبية في أحيان كثيرة..
شاعر عراقي