توأم الروح المريضة: حديث الإسقاط

من لا يطمح في مقابلة توأم روحه الذي يشبهه، ويشاركه أحلامه وأوهامه، وقبل أي شيء واقعه! إنه الشريك المناسب الذي تشعر معه النفس بالرضا التام؛ لأنه يعطيها الشعور بالكمال، ويمنع عنها أي شعور بالنقص أو الدونية.
الشعور بالدونية مرير؛ يفتُّ في عضد من يشعر به، ويؤرقه طوال الوقت. ومع تعاظم ذاك الشعور، يكره المرء كل من يجعله يلتفت لنقائصه؛ لاعتقاده النرجسي أنه ليس أقل من الآخرين، بل قد يتفوق عليهم، فهو الوحيد الذي يستحق الالتفات له والثناء عليه؛ لجميع ميزاته التي لم تنبلج بعد، ولسوف تشرق حينما ينزاح من يعكِّر صفو حياته.
ولقد عالج اسكتش غنائي كلاسيكي كوميدي هذا الموقف ببراعة، في فيلم «قلبي دليلي» (1947) للفنانة ليلى مراد والفنان أنور وجدي، حيث ظهر الفنان إسماعيل ياسين والفنان شكوكو في تناغم شديد وتكامل رائع؛ حيث يغني ويرقص كلاهما بالطريقة نفسها تقريبًا كتوأمَي روح يكمل كل منهما الآخر، والفارق الوحيد فيما بينهما أن الفنان إسماعيل ياسين يمثل دور القرد، في حين أن الفنان شكوكو يلعب دور القرداتي. وفي نفور مفاجئ وغير مبرر، يبدأ القرد ينفي كونه قردًا ويبدأ في الإشارة للقرداتي بأنه هو القرد. ولإقناع العامة يتبع جميع الوسائل، وأولاها استعطافهم من خلال دموع زائفة؛ بغرض أن يتبوأ مكانة القرداتي ويحط من شأنه فيصير أضحوكة العامة.
النظرة العميقة لهذا الاسكتش الغنائي الكوميدي تلقي الضوء على آفة نفسية خطيرة تتفشى بين جميع الأوساط الاجتماعية والثقافية، بل لها أيضًا وجود على الساحة السياسية منذ قديم الزمان، وإن ازدادت حدتها حاليًا وصارت تتسبب في كوارث جمَّة؛ والسبب أن الناس في الاسكتش الغنائي بين شكوكو وإسماعيل ياسين الذين لم يصدقوا القرد، صاروا يصدقون أنه القرد ويجعلون منه القرداتي. وتلك الآفة النفسية الخطيرة هي «الإسقاط النفسي» Psychological Projection الذي هو نوع من آليات الدفاع النفسي في اللاوعي. ويبدأ «الإسقاط» حينما ينكر شخص ما وجود نواقص تعيبه دفاعًا عن ذاته الأنانية Ego، ولا تستقر حالته النفسية ويشعر بالاطمئنان مرة أخرى إلا بعد إلصاق النقيصة بآخر. أي أن العبارة المتواترة «ليس أنا من فعل هذا، بل هو من فعلها» هي أول السبُل للإسقاط.
وفي الحياة العادية، نجد المتنمر يحاول بكل طريقة توضيح أنه ليس المُعتدي، بل هذا كان خطأ ضحيته التي استفزته. ومن الأمثلة الشائعة أيضًا عند التحرش بفتاة أو اغتصابها، يُلاحظ أن المتحرش أو المغتصب يبدأ في لوم الضحية، مشيرًا أنها استثارت مشاعره. والغريب، وجود فئات تدافع عن المعتدي، وتبدأ في لوم الضحية والتوكيد أنها من جلبت هذا لنفسها؛ بالتعليق السافر على ملابسها، أو تصرفاتها، أو وجودها في مكان في ساعة متأخرة من الليل. وللأسف، تلك الظاهرة تتفشى في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العالم الغربي، مع فارق وجود قوانين أكثر صرامة في الغرب. ولا يقف الأمر على ذلك، بل إن في بيئة العمل والحياة اليومية المنافق يتهم الصادق بالنفاق، واللعوب يتهم الشريف بالفسوق، ما إلى ذلك من تهم تعسفية. ويجب الأخذ في الاعتبار أن كل من يميل لتصديق من يقوم بالإسقاط (المُسقِط) أو يبدأ في لوم الضحية، أنه هو نفسه يمارس الإسقاط على آخرين، ويحاول بشتى الوسائل الدفاع عن المُسقِط حتى يحسن من صورته الشخصية أمام نفسه.
ولقد كان عالم النفس النمسوي سيغموند فرويد Sigmund Freud (1856-1939) مؤسس الطب النفسي، أول من وضع مفهوم علمي «للإسقاط» Projection. وأوضح أن المُسقِط يعمل على نقل الأفكار والدوافع والرغبات والمشاعر الدنيئة – التي لا يمكن أن تقبلها «الأنا» Ego على أنها مشاعره الشخصية – إلى العالم الخارجي، ثم يشرع في نسبها إلى شخص آخر. باختصار، ما تنكره «الأنا» يتم عزله وإلصاقه بآخر. ولقد أوضح فرويد فيما بعد أن المُسقِط شديد الملاحظة؛ حيث إنه يتصيَّد ضحاياه، ويبني إسقاطه على عنصر أو خصلة هامشية تتواجد بالفعل بالطرف الآخر الذي يود الانتقام منه، ولكن بشكل غير ملحوظ.
ثم بلورت عالمة النفس النمسوية ميلاني كلاين Melanie Klein (1882-1960) هذا التعريف بقولها إن المُسقِط يقوم بوضع الآخر في إطار شديد المثالية. ومن ثم، يرى أنه من الواجب تشويه صورة الآخر – قبل أي شيء أمام نفسه – حتى يحظى بالتصالح مع النفس، ويبدأ في التعامل مع العالم الخارجي بشكل طبيعي. والمُسقِط في الأساس هو شخص نرجسي سيكوباتي، تعاظمت لديه «الأنا» لدرجة تسبب له الإنزعاج والإحباط كلما رأى شخصاً نجح فيما فشل أن يحققه.
ومن المؤلم جدًا حدوث تلك الظاهرة على الصعيد السياسي، سواء حاليًا أو في الماضي السحيق؛ لأنه يتسبب في كوارث إنسانية تستمر لقرون، وقد تصير نذير شؤم لكوارث أكبر. وخير مثال هو حرب الأفيون التي شنتها بريطانيا العظمى في ذاك الوقت على إمبراطورية الصين الثرية وتسببت في تدمير شعب الصين بأكمله؛ حينما دمرت اقتصاده وقضت على مستقبل السكان من خلال نشر الأفيون بين العامة وتهريبه دون علم السلطات، وعندما همَّت الصين بمقاومة العدوان، دكتها بريطانيا بحرب ضروس أتت فيها على الأخضر واليابس (1839-1842) وجعلت بعدها تجارة الأفيون إجبارية وقانونية. ولتحسين صورتها أمام العالم، زعمت بريطانيا أنها تحاول الدفاع عن مصالحها. وكلما كانت الصين تحاول المقاومة، كانت بريطانيا تشدد من قصفها. وبالتأكيد، وجد الغرب في الصين كعكة يجب اقتسامها، فساندت فرنسا بريطانيا، وعلى إثر ذلك دول غربية أخرى تحت شعار أنهم يحمون الأقلية المسيحية هناك التي يعتدي عليها الصينيون. ومن ثم، كانت حرب الأفيون الثانية (1856-1860). ما حدث شوه نفسية جميع أفراد الشعب الصيني، ولا عجب من عزمهم على الانتقام ممن آذوهم وألصقوا بهم تهماً هم مُقترفوها. لقد توعدت الصين بأنها بعد مائة عام سوف تقتص ممن عملوا على تدميرها في الماضي، وفيما يبدو أنها ماضية في تنفيذ ما وعدت به. لكن آثار الانتقام سوف تكون وخيمة على العالم بأسره.
المُسقِط النرجسي يعمل على تدمير أجيال بأكملها، وليس تدمير فرد واحد. من الواجب أن يتعلم البشر مواجهة ما بهم من آفات ويحاولون إصلاحها، بدلًا من تدمير ما لا يستطيعون الحصول عليه أو مماراته. جميع المُسقِطين يجب وضعهم تحت برنامج علاج نفسي إجباري، بما في ذلك كل من يساندهم أو يصدقهم؛ لأن بذور الإسقاط فيهم بدأت تُورق، وعما قريب سوف تُزْهِر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية