لندن ـ «القدس العربي»: مع احتدام المنافسة على كأس الأمم الأوروبية، بعد انتهاء الدور الأول والدخول في مواجهات خروج المغلوب، بدأت الصحف والمؤسسات الكروية العالمية تفرد الصفحات في حب البطل الذي يسير بخطى ثابتة نحو التتويج بالجائزة الفردية الأهم عالميا «الكرة الذهبية»، أو بالأحرى السوبر ستار الأكثر إقناعا وتأثيرا سواء مع فريقه أو منتخب بلاده في الشهور الـ12 الأخيرة، التي مرت خلالها كرة القدم بأسوأ محنة تاريخية، كجُل المجالات والقطاعات التي ذاقت العلقم بسبب جائحة كورونا.
آخر تحديث
لا شك أبدا، في أن الساحر الجزائري رياض محرز، كان مرشحا فوق العادة للمنافسة بشكل حقيقي على أول «بالون دور» في زمن كورونا، بناء على ما قدمه مع مانشستر سيتي في أغلب أوقات الموسم، خاصة بعد زوال التوتر بينه وبين بيب غوارديولا، على خلفية استبعاد النجم الكبير من قائمة مباراة ليفربول في النصف الأول لحملة الدوري الإنكليزي الممتاز، ووضح ذلك من خلال تأثيره الكبير على نتائج الفريق، بتوقيعه على 14 هدفا بالإضافة إلى تسع تمريرات حاسمة، ومن ضمن هذه الأهداف، ثلاثيته في شباك باريس سان جيرمان في معركتي نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، كواحد من أكثر المؤثرين في استعادة لقب البريميرليغ بجانب الاحتفاظ بالكأس المفضلة «كاراباو كاب» أو كأس المحترفين للموسم الرابع تواليا، إلا أن خسارته مع السكاي بلوز في المباراة النهائية لذات الأذنين، وظهوره بمستوى أقل من المعتاد في موقعة «دراغاو»، تسبب في تراجع أسهمه في الصراع على الجائزة الفردية العريقة. وفي نفس الوقت، فتح الباب على مصراعيه أمام المنافسين الآخرين الأكثر حظا منه هذا العام، بحكم مشاركتهم مع منتخبات بلادهم في اليورو، وبالنسبة لشبكة مجلة «فور فور تو» المتخصصة، فإن النجم اللامع الذي سيساهم في حصول منتخب بلاده على اليورو، سيكون بالضرورة المرشح الأول لتسلم الجائزة من صحيفة «فرانس فوتبول» في حفل 2021، وكان التركيز على الأكثر توهجا منذ استئناف النشاط في يونيو/ حزيران 2020 وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، وهو الفرنسي كيليان مبابي، رغم خروجه من مباريات المجموعات بلا أهداف، لكن يبقى الرهان على رصيده الكبير طوال الشهور الماضية، وما سيفعله مع الديوك في المباريات الإقصائية بداية من مباراة الغد ضد سويسرا.
مفتاح البالون دور
يدرك مبابي جيدا، أن الموسم المنقضي لم يكن كباقي المواسم الأسطورية للثنائي الفضائي ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، حتى روبرت ليفاندوسكي، الذي ختم الموسم على رأس هدافي الدوريات الأوروبية الكبرى، تلاشت فرصه في المنافسة على الكرة الذهبية، بسبب الإصابة التي قضت على أحلامه في نهاية موسمه مع البايرن، لذا أصبحت كأس أوروبا، بمثابة الطريق المفروش بالورود نحو الجائزة، بشرط أن يحاكي نفس تأثيره الكبير مع الديوك في مونديال 2018، عندما دمر ليونيل ميسي ورفاقه في ثمن نهائي المونديال، وأصبح أصغر لاعب يسجل مرتين في نفس المباراة في خروج المغلوب لكأس العالم، ثم ساهم في الفوز التاريخي على كرواتيا بهدفه الشهير في المباراة النهائية. الفارق هذه المرة، أن مبابي لن يكون ذاك المراهق الذي يخطف الأنظار بتألقه في المناسبات الخاصة، ليثبت أنه مشروع أسطورة تطبخ على نار هادئة، بل سيكون على قدم وساق مع باقي المرشحين في القائمة المختصرة، بعد أن تخطى مراحل تقديم أوراق اعتماد نجوميته، مؤكدا أن ما فعله في بداية لمعان اسمه تحت قيادة ليوناردو جارديم في شهر الحب 2017، لم يكن ضربة حظ أو من قبيل الصدفة، بكم لا يصدق من الأهداف المؤثرة في المواعيد الكبيرة، مثل ثلاثيته في شباك مانشستر سيتي في ذهاب وإياب دور الـ16 في نفس العام، وبالمثل زار شباك بوروسيا دورتموند في مناسبتي ربع النهائي، وأيضا يوفنتوس بنسخة أندريا بيرلو، وبول بوغبا وباقي الأسماء التي خسرت النهائي في الشوط الثاني أمام ريال مدريد.
وهو تقريبا ما فعله مع باريس سان جيرمان في النسخة التي خسرها النادي أمام بايرن ميونيخ، والمثير للإعجاب بحق، أنه لم يحصل سوى على 28 يوما، للاستشفاء من ضغط مباريات الأبطال بعد استكمال النشاط، ومنذ ذلك الحين لم يغب إلا للظروف الاضطرارية، مثل إصابته بفيروس كورونا، التي تسببت في ابتعاده عن الفريق 3 مباريات في سبتمبر / أيلول الماضي، مع ذلك بصم على موسم خيالي، بتسجيل 42 هدفا وتقديم 11 تمريرة حاسمة من مشاركته في 47 مباراة، فقط يتبقى انفجاره في نوعية مبارياته المفضلة، خروج المغلوب، ليسبق باقي المنافسين في الصراع على الكرة الذهبية. ومن حسن حظه، أن أمور وأوضاع منتخب بلاده تتحسن من مباراة لأخرى، مع زيادة الانسجام والتفاهم بينه وبين شريكه الجديد كريم بنزيمة، العائد للدفاع عن المنتخب منذ أكثر من 5 سنوات، والطامع أيضا في «البالون دور»، متسلحا بالبروباغاندا الإعلامية المدريدية، بعد موسمه الخرافي مع الميرينغي، والسؤال الآن: هل سيمارس مبابي هوايته المفضلة ويكون اللاعب الحاسم لفرنسا في الإقصائيات وبالتبعية يؤمن صك الجائزة التي طالما كان ولا يزال يحلم بها.
صحوة المدمر
بعيدا عن رهان الشبكة البريطانية على مبابي، فما يفعله كريستيانو رونالدو مع منتخب البرتغال، يعطي رسائل بالجملة لكل الطامعين والمنافسين المحتملين على «الكرة الذهبية»، ولو أن غزارته التهديفية والحالة الاستثنائية التي يبدو عليها مع منتخب بلاده في البطولة، لا تعتبر مفاجأة، على الأقل بالنسبة لمن يعرف عقليته وطريقة تفكيره، التي ترتكز على التحديات. وكان الجميع على علم، بأنه سيخوض اليورو بحثا عن تسجيل خمسة أهداف قبل التفكير في الذهاب بعيدا في نسخة الاحتفاظ باللقب، وذلك ليعادل رقم كبير هدافي العالم علي دائي، وهذا ما حدث في أول 3 مباريات، بدأها بثنائية في شباك مكافحين المجر في مباراة الفوز بثلاثية نظيفة، ثم بهدف في شباك الماكينات الألمانية، في موقعة الخسارة برباعية مقابل اثنين، ومساء الأربعاء الماضي، حقق الهدف الشخصي المطلوب، بهز شباك بطل العالم مرتين من علامة الجزاء، ليعادل الرقم الصامد منذ اعتزال أسطورة إيران عام 2006، وجاء ذلك بعد تحطيم كم لا يستهان به من الأرقام الخيالية، منها كسر رقم بيليه، كأفضل هداف في تاريخ كرة القدم في وقت سابق من هذا العام، والجلوس على عرش هدافي اليورو، بفارق هائل عن أقرب مطارديه الذين لم يعتزلوا اللعب، وغيرها من الأرقام التي تحتاج سلسلة منفصلة للكتابة عنها.
لكن التحدي الحقيقي بالنسبة له، سيبدأ من سهرة اليوم، حين يقود منتخب البرتغال في الاختبار الأصعب ضد نظيره البلجيكي، في مواجهة ستكون فارقة للمنافس المحتمل لمبابي على الكرة الذهبية، كونها ستشكل ملامح الأحق من صاروخ ماديرا والخصم البارز كيفن دي بروين، باعتباره واحداً من الأسماء التي تركت بصمة كبيرة في موسم السيتي الجيد، مثل محرز، لكنه من الفئة المحظوظة بالمشاركة في اليورو، وبالطبع إذا استمر كريستيانو على نفس النهج، بتقمصه دور البطل والقائد في حملة الدفاع عن اللقب، سيكون قد عاد بآلة الزمن 5 سنوات إلى الوراء، عندما كان خارج ترشيحات المفضلين للفوز بالكرة الذهبية، وفجأة حسم السباق بريمونتادا لا تنسى مع ريال مدريد في بداية رحلة زين الدين زيدان التدريبية، ثم بإنجاز الفوز بأول لقب جماعي في تاريخ البرتغال، بخطف الفوز من فرنسا في قلب باريس في المباراة النهائية، ما تسبب في نسف معايير اختيار الأفضل، التي كانت تذهب عادة إلى اللاعب الأفضل على مدار الموسم، وليس لرجل النهايات السعيدة، فهل سيكرر الدون نفس الإنجاز بعد بدايته النارية في اليورو؟ هذا ما ستكشف عنه نتيجة سهرة اليوم أمام بلجيكا.
مرشحون فوق العادة
إذا ودعت البرتغال البطولة وفي نفس الوقت لم يفك مبابي شفرة شباك المنافسين في ما تبقى من البطولة، فقد تذهب الجائزة إلى مرشح خارج التوقعات، وهذه الفئة تضم لاعبين أو ثلاثة بحد أقصى، يتصدرهم الفرنسي نغولو كانتي، بفضل تأثيره الكبير في النهاية السينمائية لموسم تشلسي، بالحصول على لقب دوري أبطال أوروبا للمرة الثانية في تاريخه، وقبلها بأسبوع كان البلوز قد أمن المركز المؤهل لدوري الأبطال، بعد أن كان الفريق خارج دائرة المرشحين للمنافسة على المقاعد الإنكليزية المؤهلة لذات الأذنين في النسخة الجديدة، وما يعطي الخجول الأسمر الحق في المنافسة على جائزة «فرانس فوتبول»، أداؤه الخارق أمام ريال مدريد في مباراتي نصف النهائي إلى جانب نهائي السيتي، وليست مفارقة أنه توج بجائزة رجل المباراة في المواجهات الثلاث، دليلا على أنه اللاعب الأكثر تأثيرا في البطولة الأهم على مستوى الأندية. وعلى سيرة التأثير، فلن تكون مفاجأة إذا اختير مدافع مانشستر سيتي روبن دياش ضمن القائمة الثلاثية المختصرة، نظرا للطفرة الهائلة التي أحدثها في دفاع مانشستر سيتي، حتى أن بعض النقاد والمتابعين، يضعون تأثيره في دفاع النادي السماوي في مقارنة مع تأثير الهولندي فيرجيل فان دايك في دفاع ليفربول بعد قدومه من ساوثهامبتون في شتاء 2018، وهذا يتجلى في الفارق الكبير على مستوى جودة وتماسك دفاع السيتي قبل وبعد قدومه من البرتغال، وكأنه القطعة النادرة التي كان يبحث عنها المان سيتي بعد اعتزال القائد الأسطوري فينسنت كومباني، وإلا لما اختير كأفضل لاعب في الدوري الإنكليزي الممتاز، بتصويت قادة الفرق الـ20 المشاركة في المسابقة، واستفتاء جماهيري عبر موقع «اي ايه سبورتس».
لكن هناك تفاصيل أخرى ستكون فارقة لدخول نغولو أو دياش أو كيفن دي بروين القائمة المختصرة، منها أن تذهب كأس الأمم لمنتخب لا يضم أحد المرشحين للفوز بالكرة الذهبية، ويا حبذا أن تتكرر معجزة الدنمارك 1992 أو اليونان 2004 أو على أقل تقدير، تكون من نصيب منتخب جماعي، مثل الغول الإيطالي، الذي عاد إلى المناسبات العالمية بصورة مغايرة عن المحفورة في الأذهان، كمنتخب يبهر العالم بكرة قدم أقل ما يقال عنها جماعية ومنظمة إلى درجة تلامس الكمال، ترتكز على الغارات ومحاصرة المنافسين في وسط ملعبهم، بدلا من الأسلوب الكلاسيكي المعروف عنهم، كمنتخب ملقب بأسياد الدفاع، ولا ننسى أيضا أن بطولة كوبا أميريكا لن تكون مؤثرة في اختيارات الأفضل، لضعف مشاهدتها وتجاهلها إعلاميا، مقارنة بالبروباغندا المثارة حول اليورو في الوقت الراهن، وهذا يعني أنه حتى لو فاز ليونيل ميسي بالكأس وأنهى عقدته مع منتخب التانغو، فلن يضمن بالضرورة الفوز بالجائزة التي يحتفظ بلقبها منذ آخر تتويج في العام 2019، لموسمه الفقير مع برشلونة، الذي ختمه بالفوز بكأس الملك والاحتفاظ بجائزته المفضلة «البيتشيتشي» (هداف الليغا)، مقارنة بالأسماء الأخرى التي صنعت الفارق مع فرقها في بطولات أكثر أهمية، لكن واقعيا سيبقى اليورو المعيار والفيصل في حوار كريستيانو رونالدو وكيليان مبابي إلى أن يحدث سيناريو آخر خارج التوقعات.