مفارقات في حياة المشاهير في طريق النجومية المفروش بالأشواك

كمال القاضي
حجم الخط
0

تبدو المفارقات في حياة النجوم والمشاهير علامات بارزة في مسيراتهم الإبداعية وسيرهم الذاتية، فالغالبية العظمى من الذين شقوا طريقهم وسط الصخور لم تكن أسباب النجاح متوافرة لديهم كما ينبغي، وإنما ظلت خطواتهم بين عسر وعسر، فلم يأتهم اليسر إلا بعد مراحل من الشقاء والعناء والسعي الحثيث وراء الهدف والركض خلف الأمنيات على أمل تحقيق النجاح كنتيجة للكفاح والصبر والجلد، ولعل الموسيقيين والمطربين هم الأجدر بالذكر في هذا المقام.

عبد الحليم حافظ

بدأت حياة المطرب الراحل عبد الحليم حافظ بداية تراجيدية، حيث ماتت والدته أثناء ولادته، ثم فارق أبيه الحياة بعد فترة وجيزة من موت الأم، ومن يتم إلى يتم توزعت مسيرة عبد الحليم وحياته فقضى ما يقرب من العام في ملجأ الأيتام، وقد ترك ذلك أثراً واضحاً على شخصيته وطبيعته الإنسانية فانطبع الحزن على صوته وصار الشجن من دلالات تأثيره الغنائي وسر العمق في الأداء والإحساس، ولم تنته مأساة حليم عند حد اليتم، بيد أنه أصيب بالمرض العضال في سن صغيره فارتبط مصيره بالجراحات والأدوية والأطباء ورحلات العلاج المُضنية.
وحين تبلورت موهبته وأنهى دراسته بالمعهد العالي للموسيقى العربية وتقدم للإذاعة للحصول على الموافقة بالاعتماد كموسيقي ومطرب لم يحالفه الحظ، إذ تم رفضه من لجنة الاستماع لمرتين متتاليتين بحجة أنه يغني غناءً حديثاً يشبه غناء الخواجات، أي أنه خارج عن الأداء التقليدي للمطربين السابقين، محمد عبد الوهاب وعبد العزيز محمود وكارم محمود وعبد الغني السيد وعبد المُطلب وغيرهم من أساطين الطرب والغناء الشرقي آنذاك.
ولم ييأس عبد الحليم ولم يفقد الثقة في قدراته الفنية، بل تمسك بالحُلم وسار خلف الهدف والغاية عازماً على النجاح، ومع قيام ثورة يوليو عام 1952 كانت لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية قد تغيرت، فتقدم أمامها للمرة الثالثة وصمم على نفس طريقة الأداء المختلفة فنال الإجازة بكل جدارة وبدأ مشوار الألف ميل من النقطة القوية، حيث التمسك بعدم تقليد المطربين السابقين.

محمد فوزي

أما الموسيقار والمطرب الكبير محمد فوزي الذي تعلم فن العزف على العود بمساعدة صديق والده واجتهد في الإلمام بكافة المهارات المتعلقة بموهبته الموسيقية تعويضاً لما فاته من التحصيل الدراسي والعلمي، فقد تعثرت خطواته بشكل لافت ومجاف للمنطق وهو الموسيقي المتمرس وصاحب النبرة الغنائية المتميزة، فبرغم تفوقه الواضح لم يستطع إقناع لجنة الاستماع بالإذاعة بحلاوة صوته فتم رفضه لعدة مرات كمطرب، بينما حصل على الإجازة كموسيقي وملحن واستمرت حياته الفنية على تألقها واتساعها من دون أن يحقق غايته في الحصول على موافقة اللجنة الإذاعية المعنية بتقييم أصوات المطربين والحكم على أدائهم.
ولم يتسن لفوزي نزع الاعتراف بموهبته كمطرب إلا بعد أن ذاع صيته والتفتت إليه السينما فقام بعدة بطولات ناجحة وأصبح نجماً يُشار إليه بالبنان، عندئذ أجبرت الإذاعة على استغلال موهبته لاستقطاب المزيد من المستمعين من غير اعتماد رسمي، الأمر الذي مثل مفارقة غريبة بين مقاييس النجاح الجماهيري وقواعد التقييم الأكاديمي العلمي!

رياض السنباطي

وفي حياة الموسيقار رياض السنباطي الدرس المُستفاد من رحلة الإبداع التلقائي والموهبة الموسيقية للفنان الفذ. فالسنباطي لم ينل من قسط التعليم النظامي إلا ما أتيح له في سنوات المرحلة الابتدائية، فالفتى المُغرم بالموسيقى والألحان والموهوب بالفطرة تعلم مبادئ الموسيقى على يد نجار بسيط كان يهوى العزف على العود، ولم يكن متفوقاً في عزفه، ما جعل السنباطي وهو الصبي الصغير ينتبه إلى أخطاء الرجل البسيط ويحاول تقويمها فيقضي في ذلك وقتاً طويلاً في التدريب على عود أبيه المُنشد ذائع الصيت في الموالد والأفراح، وبتأييد الأب وتشجيعه قطع رياض السنباطي شوطاً طويلاً في هواية الغناء والتلحين بالموالد فُعرف كمطرب ولُقب آنذاك ببلبل المنصورة قبل أن يلتقي بأم كلثوم صدفة على محطة القطار في خمسينيات القرن الماضي وتشجعه على السفر للقاهرة ويأخذ منها وعداً بالتعاون الفني المشترك.
ويلتقيا القطبان الكبيران، أم كلثوم والسنباطي وتتجلى تجاربهما في أروع صورها عبر رحلة غنائية طويلة. ومن دواعي الإعجاز أن الموسيقار الكبير والشهير حصل على جائزة عالمية كبرى باختياره كواحد من أهم الموسيقيين في العالم بإجماع الآراء خلال استفتاء أجرته منظمة دولية مهمة على اسمه وموهبته ورصيده الموسيقي الوفير من الألحان فكُتب له الوجود كعلامة راسخة في عالم الإبداع.

أم كلثوم

وتمثل رحلة صعود كوكب الشرق أم كلثوم، منذ بدايتها في فترة الطفولة وحتى تربعها على عرش النجومية المصرية والعربية وتوليها منصب نقيب الموسيقيين برغم عدم درايتها السابقة بالعمل النقابي، نموذجاً بالغ الأهمية في ما يخص القفز على قواعد ومقاييس الإبداع اتكاءً على الموهبة الفطرية الربانية فقط والاستعداد الطبيعي للنجاح، مع التأهيل الكامل للقيام بالدور التنويري والثقافي بتطوير الأداء المهني والعمل على القراءة والاطلاع والتمسك بأدوات الرقي والترقي في دوائر العلاقات والصداقات.

محمد عبد الوهاب

وما ينطبق على السنباطي وأم كلثوم يمكن انطباقه على عبد الوهاب، فواقعه يتشابه بتفاصيله مع ظروفهما وظروف بقية الأسماء السابق ذكرها، فهو الموهوب صادق الموهبة والإحساس والمتمكن من أدواته من غير دراسة أكاديمية أو جامعية، فلم تتوافر للموسيقار الكبير من الفرص غير القليل، حيث التحاقه بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية لم يكن سوى عملية تأهيل مبدئية لوضعه على أول الطريق، لكن التجربة الحقيقية كانت في تبني أمير الشعراء أحمد شوقي له واحتوائه واهتمامه بموهبته والترويج لها عن طريق تقديمه للأوساط الراقية وتعريفه بكبار الشخصيات الثقافية من الكُتاب والأدباء والشعراء والصحافيين، وتعليمه أصول الإتيكيت وقواعد التربية الأرستقراطية والذوق الرفيع، وهو ما ترك أثره الإيجابي على شخصية عبد الوهاب الموسيقي والمطرب والممثل ونجم المجتمع في ما بعد وأدى به إلى المكانة المرموقة التي ظل عليها طوال حياته ومسيرته الفنية الطويلة والعريقة.
الأمثلة في هذا المضمار كثيرة ومتعددة لكننا اخترنا أبرزها من الشخصيات الموسيقية المؤثرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية