استعمار خوارزمي يحذف السردية الفلسطينية وتكثيف الجهود لخلق فضاء محايد

زهرة مرعي
حجم الخط
0

الإعلام البديل ينحاز للأقوى وتضامن لتحقيق الشفافية وعدم تجزئة حقوق الإنسان

بيروت-»القدس العربي»: لم يكن الفضاء الإلكتروني على ما يرام خلال معركة «سيف القدس» التي شهدتها فلسطين المحتلّة. اشتعل بما لم يخطر ببال الصهاينة المغتصبين الملتمين على أرض فلسطين. صحيح أن وقاحتهم بلا حدود، وهم يتباهون بجرائمهم على مختلف أنواعها، لكنّهم توقفوا ملياً أمام السردية الفلسطينية، والخطاب العالمي المؤيد لها. لم يعتادوا تشبيه كيانهم بـ»نظام الفصل العنصري» وهم ارتكبوا كافة أنواع المحارق لمحو اسم فلسطين والفلسطينيين، وتفاجئوا بأن العالم بدأ ينظر بعين مفتوحة إلى ممارساتهم، التي تفوقت على كافة ممارسات المستعمرين على هذه الكوكب.

لدى تنامي السردية الفلسطينية والخطاب المؤيد لها تسارع الحذف وإقفال الحسابات، إلى جانب اللائحة السوداء التي تشطب تلقائياً كلمة الأقصى والمقاومة والشهيد. ورغم سيطرة هذا الاستعمار الخوارزمي حققت فلسطين نجاحاً في ايصال سرديتها حيث اعترف «يعقوب» بعظمة لسانه أنه صهيوني يريد سرقة بيت منى الكرد، أو سواه سيفعل ذلك.
كم نجح الفضاء الإلكتروني في تكميم سرديتنا؟ سؤال أجابت عنه مؤسِسة التجمع المناهض للفصل العنصري، وأستاذة الإعلام المتعدد الوسائط في الجامعة اللبنانية الأمريكية مايا مجذوب:
• حاولت هذه الشركات طبعاً أن تقمع سرديتنا، ورغم محاولاتها المكشوفة و»الاستعمار الرقمي» الذي مارسته بحق القضية الفلسطينية ضمن فضاء الإعلام الرقمي، إلا أنها عجزت عن كم الأفواه وخنق السردية الفلسطينية. وبرغم سيطرة رؤوس الأموال الصهيو- أمريكية على منابر الإعلام التقليدي والإعلام البديل حتى، وبالتالي تحكمها بالسياسة الإعلامية وبالخطاب السائد، إلا أننا لاحظنا كيف برزت مصطلحات مناصرة لفلسطين في الحيز العام والوعي الغربي خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، مثل: «أبارتهايد أو نظام الفصل العنصري» (بعد أن كان هذا المصطلح عموما يُحصر فقط بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا) «settler colonialism أو الاستعمار الاستيطاني»، «ethnic cleansing أو التطهير العرقي». هذه المصطلحات-المفاهيم أحدثت خرقاً واضحاً في قاموس المصطلحات الخطابية المهيمنة بعد أن كانت الشعارات السائدة لعقود هي تلك التي تعكس الهيمنة الإسرائيلية على الإعلام العالمي مثل «معاداة السامية» و»حق إسرائيل في الوجود» و»حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها…». الفضل بهذا التحول في الرأي العام العالمي يعود بشكل كبير إلى الاستخدام الاستراتيجي لمواقع التواصل الاجتماعي من قبل الفلسطينيين ومناصري القضية الفلسطينية، رغم محاولات كم الأفواه والحصار الرقمي. استطاع مناصرو القضية الفلسطينية استراتيجياً ترسيخ قاعدة «أخلاقية» عبر الإعلام البديل صلبها أن حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأنه لا يمكنك أن تناصر حقوق النساء، والمهمشيّن والمثليين وأصحاب البشرة السوداء، فيما تغض النظر عن معاناة الفلسطينيين. هذا «التقاطع» الحقوقي برز في خطاب الإعلام البديل وكان له أثراً بالغاً في نفوس المتلقين ومعتنقي الخطاب الليبرالي.
○ خلال أيام «سيف القدس» بات دور الإعلام البديل موازياً للإعلام التقليدي إن لم يكن أكثر. لماذا؟
• تكثّف دور الإعلام البديل لأن الثقة مفقودة في الإعلام التقليدي المملوك من رجالات السياسة والمال أصحاب الخط التحريري المعروف والمناهض عامةً للقضية الفلسطينية وقضايا تحرير الشعوب. بات واضحاً أنّ صاحب النفوذ الذي يمتلك المنبر يسيطر على الفكرة، وتطغى سرديته. وطغيان سردية إعلامية ليس بالأمر البسيط ولا يمكننا الاستهانة به، فكلفته دماء. الطغيان الإعلامي الرأسمالي ينعكس طغياناً أمنياً وعسكرياً وسياسياً، والعكس صحيح. إذاً السردية الإعلامية جزء لا يتجزأ من ميدان المعركة والخيال الجمعي للشعوب. من هنا لجأ الفلسطينيون بشكل كبير إلى وسائل الإعلام البديل بحثاً عن مساحة تعبير تُعزّز سرديتهم وقدرتهم على الاشتباك مع «ترسانة» المُستعمِر، المُدجّجة بشتّى أنواع النفوذ العسكري والمالي والسياسي والإعلامي. استفادوا من مساحة التعبير المحدودة التي توفرها منصات الإعلام البديل، ليجدوا أنها بدورها تخضع للاستعمار الرقمي.
○ رغم النقلة النوعية في التعبير عن السردية الفلسطينية عبر الإعلام البديل لكنّ الاستعمار الرقمي فرض نفسه وأقفل حسابات؟
• خوارزميات تطبيقات كما فيسبوك وإنستغرام مبرمجة لتزيل أوتوماتيكياً المحتوى المناصر لفلسطين خدمةً لمصالح المستعمِر، فللاستعمار سطوته الماليّة والسياسيّة حتى في الفضاء «الافتراضي» لا الفعلي وحسب. وليس مفاجئاً مثلاً أن نكتشف أن أحد كبار المسؤولين عن سياسة فيسبوك هو مستشار سابق لبنيامين نتنياهو. وشركة فيسبوك تملك مثلا إنستغرام، وغوغل تملك يوتيوب. لكن الناشطين المناصرين لفلسطين لجأوا إلى آليات مؤثرة مثل تخفيض تقييم فيسبوك على الـ «App Store» و «Google Play Store» بسبب سياسته الرقابية والتمييزية ضد المحتوى الفلسطيني.
○ كيف تصفين الهجوم على هذا الاستعمار الإعلامي؟
• المفارقة الملفتة هنا أن تلك المنصات التي وُجدت أساساً تحت شعار خلق مساحة ديمقراطية للتعبير- وإن كانت غير مُطلقة – انقلب شعارها عليها. حاربناهم بأدواتهم. قلنا لتلك المنصات بأنكم تدّعون حرية التعبير فيما أنتم أنفسكم تنتهكونها. فمع زيادة حجم «الفلترة» من قبلهم لكل محتوى مناصر لفلسطين، بات المعرضون للحذف على فيسبوك وتويتر ويوتيوب وانستغرام ينشرون مثلا عبر «السكرين شوت» ما تعرضوا له، بما في ذلك قرار توقيف بعض صفحاتهم لأيام أو أكثر. نعم المنصّات قادرة آلياً على حذف منشور، لكن هناك أحياناً من سبق وشاهده قبل الحذف وأعاد نشره بطريقته أو علّق بمنشور آخر على سياسة الحذف. تراكَمَ الحذف، فصار الإعلام البديل محاطاً بعلامات الاستفهام. وكان الرد الجاهز والدائم من قبلهم «السبب هو عطل تقني، والمحتوى نفسه غير مقصود!» والمفارقة هي مدى تكرارهم لهذه الذريعة مع الشعوب المضطهدة. وعدوا كذلك بالانتباه مستقبلاً لعدم تكرار «العطل التقني» ونحن طبعاً نجده ادعاء.
○ كيف نحقق خرقاً لهذا الاستعمار الخوارزمي، هل لكل منا أن يكون مختصاً في هذا الإعلام البديل؟
• طالما أننا نستخدم المنابر المتاحة لنا من قبلهم فنحن بالتالي حُكماً خاضعون لسياساتهم. جهودنا يجب أن تنصب على إيجاد منصّات خاصة بنا تمثِّل قضايانا. نحتاج لاستحداث إعلام «بديل عن البديل» المتاح.
○ رغم الاستعمارين الصهيوني والخوارزمي ألم تحقق فلسطين انتصاراً؟
• حتماً. يمكنني القول بثقة أن فلسطين انتصرت إعلامياً في الحرب الأخيرة لأنها تمكنت من تحقيق تحول كبير في الرأي العام العالمي لصالحها نتيجة عدة عوامل. بدايةً، استطاع الفلسطينيون أن يوثقّوا وينشروا للعالم وعلى نطاق واسع الجرائم والانتهاكات والسرقات الإسرائيلية بفجاجتها. فهل من أحد سينسى مثلاً فيديو «يعقوب» المستوطن الإسرائيلي الذي قال بكل وقاحة لمنى الكرد في حي الشيخ جرّاح «إن لم أسرق أنا بيتك سيسرقه غيري»؟ هذا المشهد انتشر كما النار في الهشيم نظراً لقدرته على اختصار الصهيونية كإيديولوجية وممارسة. هكذا مشاهد بوضوحها صعّبت جداً مهمة الإسرائيلي في التبرير وتبييض الجرائم والسرقات العلنية كما اعتاد أن يفعل حينما كان يسيطر بالكامل على المشهد الإعلامي. مع تقدم الفلسطيني في ميدان الإعلام الحديث واعتماده على السرد البصري وكسره لحصرية الخطاب الصهيوني، صَعُبت مهمة الإسرائيلي في تبرير الفارق الكبير بين أعداد قتلاه والشهداء الذين سقطوا من الجانب الفلسطيني وخاصة الأطفال منهم. ناشطون فلسطينيون كمنى الكرد وشقيقها محمد لعبوا دوراً كبيراً في التأثير الإعلامي، لا سيما باستخدامهم للغة الإنكليزية ومخاطبتهم للرأي العام العالمي. أيضاً شخصيات عالمية مؤثرة كروجر ووترز، وعارضتا الأزياء العالميتين من أصل فلسطيني بيلا حديد وشقيقتها جيجي ووالدهما محمد لعبوا دوراً بارزاً في الحثّ على مناصرة القضية الفلسطينية في السياق الغربي بين الشباب. ولا ننسى هنا دور النائبات الديمقراطيات الأربع في الكونغرس الأمريكي واللواتي يُطلق عليهن لقب «The Squad» وهنّ إلهان عمر، وآيانا بريسلي، ورشيدة طليب، وألكسندريا كورتز في الدفع قدماً باتجاه الخطاب المناصر لفلسطين في السياق الأمريكي. بتنا اليوم من خلالهن نسمع نداءات من داخل الكونغرس الأمريكي تقول «كفى تسليحاً أمريكياً لإسرائيل، إسرائيل نظام فصل عنصري يجب محاكمته». كل هذه العوامل أعطت زخماً كبيراً للخطاب المناصر لفلسطين على مستوى العالم وغيّرت في ديناميكية الحرب الإعلامية.

محمد نجم: التمييز الخوارزمي عنصري وحرية التعبير للأقوى والأغنى

المدير التنفيذي لمؤسسة «سمكس» التي تُعنى بالحقوق والحريات الرقمية محمد نجم تحدث لـ»القدس العربي» عن رصده لحرية التعبير خلال معركة سيف القدس بالقول: سريعاً لاحظنا التمييز ضد الرواية الفلسطينية عبر حجبها بأساليب ملتوية ومتنوعة، منها سياسات غير واضحة، أو سياسات مجحفة بحق فلسطين وروايتها. الواضح أن كلمات محددة وضعت عليها إشارة سوداء كما شهيد، ومقاومة، وكذلك الأحزاب الفلسطينية التي جرى تصنيفها «إرهابية» من قبل الغرب، تلقائياً يُحذف اسمها والمحتوى الخاص بها. والحذف تلقائي لكلمات متعلّقة بمواقع فلسطينية كما الأقصى، وكل ما يدور في فلكه كما هاشتاغ الأقصى. راجعنا المعنيين وكان التبرير خطأ تقني. إنه أحد وجوه الهجوم على الخطاب الفلسطيني.
○ كمؤسسة معنية بحماية حرية التعبير في الفضاء الخوارزمي ما هي حدود تدخلكم؟
• نحن كمؤسسات إلى جانب مؤسسات فلسطينية ناشطة في هذا الميدان وأخرى دولية، تابعنا ما جرى بدقة، وسعينا للضغط على الشركات المعنية بهذه الأفعال وهذا الإنحياز للخطاب الإسرائيلي بهدف الإضاءة عليه والحصول على إجابات. نحتاج لجهد دؤوب في هذا الميدان، فالتمييز الممنهج ضد المحتوى الفلسطيني لم يولد بالأمس. بل هو ينمو ويكبر منذ عشر سنوات، والآن نحن بمواجهة التكنولوجيا المتعلقة بالخوارزميات والتي يمكن وصفها بأنها عنصرية مع الخطاب الفلسطيني. وهذه العنصرية تتمثل بحذف نوع المحتوى وبشل حسابات، والعمل لتقنين انتشار هذا المحتوى. إنها تكتيكات متعددة تقوم بها التكنولوجيا، وبتعبير أدق هو الضغط من خلال التكنولوجيا.
○ كيف نرفع هذا الظلم لنتمكن من إيصال سرديتنا بحرية تامة؟
• المشكلة موجودة لدى شركات التكنولوجيا نفسها، وليس بما نملكه من امكانات. أسلوب شركات التكنولوجيا رفض ليس فقط المحتوى المناصر لفلسطين، بل أيضاً لأي محتوى يدافع عن شعب مظلوم. إنها سيادة خطاب الأقوى ومن لديهم قدرات مالية. وبالطبع يصل خطاب القادرين على الدفع لهذه المؤسسات التكنولوجية من خلال الإعلانات ووسائل أخرى مختلفة.
○ هل لنا تشبيه هذه المعركة بالكباش الفكري؟
• بل علينا تنظيم جهودنا كشركات في منطقتنا العربية للضغط من أجل رفع هذا النوع المتواصل من التمييز العنصري بحق الرواية الفلسطينية. نعمل للضغط ونطلب الشفافية. كما نسعى لقدرة وصول أكبر إلى هذه الشركات، ولتحريك لوبي بوجهها. استعمال كافة السبل يعني الوصول إلى نتيجة أفضل.
○ هل من تضامن وتكاتف بين الشركات لتحقيق أفضل نتيجة؟
• نعم نحن حيال تكتل وتضامن ملموس وآخر غير مرئي بين الشركات، ومن قبل المنظمات التي نشكل إحداها في منطقتنا، بهدف الضغط على هذا النوع من التمييز العنصري الذي يواجه الرواية الفلسطينية. الخطاب العام بالنسبة للأجيال الجديدة لا شك سيكون أفضل، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي والأونلاين. بالرغم من الحجب الذي واجهه المحتوى الفلسطيني، كان الخطاب جيداً. كثر لم تكن فلسطين قضية تعنيهم باتوا منشغلين بالعنصرية التي تمارس ضد هذا الشعب. المواجهة قديمة العهد، وستستمر لعشرات السنوات في المستقبل.
○ ذكرت تشكيل لوبي للضغط دعماً لسرديتنا على مواقع التواصل. هل الإقبال الملحوظ في التعبير تضامناً مع فلسطين يشكل هذا اللوبي؟
• التركيز الأكبر هو على شركات التكنولوجيا وليس المجتمعات العربية. تتواجد تلك الشركات في الولايات المتحدة وأوروبا. الاتفاق العربي على الخطاب الفلسطيني جيد جداً، لكن الأهم هو تأثير شركات التكنولوجيا على الرأي العام حيث تواجدها في الولايات المتحدة وأوروبا، وإليها نتوجه.
○ هل ترك الداعمون الكثر لفلسطين في الولايات المتحدة أثراً على تلك الشركات؟ هل لمستم شيئاً من هذا القبيل؟
• حتى وإن لم تكن وسائل التواصل من ضمن اختصاصي، إلاّ أن الانتشار الذي حققه الخطاب الفلسطيني كان ملحوظاً. نزل إلى الشارع مواطنون من الولايات المتحدة ومن بينهم يهود. هذا التضامن ضد الصهيونية كخطاب عنصري ممتاز جداً.
○ كشاب تعمل في ميدان التكنولوجيا هل توصلت إلى خلاصة ما في الأسابيع الماضية؟
• الخلاصة أن ثمة مظلومية حاصلة على أرض الواقع انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني. كمؤسسات لنا دور بالسعي ليكون هذا الفضاء محايداً. نعم اكتشفنا عدم حيادية هذا الفضاء، ونحتاج جهوداً مركزة بهدف خلق فضاء محايد.
○ نحن متهمون بعدم ديمقراطيتنا كأنظمة فما هو المدى الديمقراطي المتمثل بالفضاءات الخوارزمية؟
• نطلب الشفافية، واطلاعنا على الأسس التي تُبنى عليها قراراتهم لنتمكن من بناء حوار يساعد في تغيير القرارات غير المنصفة من قبلهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية