الايروتيكية في الأدب بين الجرأة والابتذال

إن الدعوة إلى الأنثوية في الفكر عامة والأدب خاصة تعني أن يمثل الكيان الأنثوي نداً يُكافئ الكيان الذكوري على مختلف المستويات والهويات والماهيات المعنوية (الحقوقية) والمادية (البيولوجية). وإذا كانت الجهود في الجانب الأول قد جرى الاستطراد فيها بحثاً ونضالاً على مدى يقرب من القرنين من الزمن المعاصر حتى ترسخت فيه الصيغ والأشكال والنتائج، فإن الجانب الثاني البيولوجي ما زالت بعض أراضيه بكراً، وما زالت أجزاء منها في طور الفحص والتجريب والمعاينة، منها استثمار المرأة لبعض المعطيات البيولوجية في الكتابة الأدبية، متناولة قضاياها الأنثوية وخصوصيات جسدها. بيد أن ذلك قد يطغى لديها في إطار الإثارة والإغراء، ليعني الانغماس في الخلاعة المبتذلة بذريعة الجرأة فتغدو تلك الخصائص وسائل متاجرة لجذب زبائن للقراءة ممن يتلذذون شبقاً بمثل هذه الكيفيات.
وليس غريباً في الأدب أن توظف المرأة الجسد الأنثوي في كتاباتها في شكل تشبيهات واستعارات تبتغي من ورائها غايات فنية كالتعبير عن مكنونات هذا الجسد الجمالية، وقد تكون غايتها موضوعية وهذه كثيرة تلخصها مفردة النسوية بوصفها منظوراً لمقاومة التسلط الذكوري بكل ما في هذا التسلط من قمع وكبت وإقصاء. بيد أن المرأة قد تغالي في توظيف الجسد، مضحية من ناحية الوعي الجمالي في سبيل الجانب الحسي الايروتيكي وبشكل محموم بقصدية التأثير الجنسي المباشر ابتغاءً لكسب ود الآخر/ الرجل الذي هو وحده ـ برأيها ـ يفتح للمرأة أبواب الشهرة فتصعد صعوداً ماراثونياً وتقفز قفزة طرزانية في عالم الأدب.
ولأن عالم الأدب يحاكي الحياة، تقاس كثير من ظواهره السلبية والإيجابية بمعايير الواقع ومن ثم يكون بعد كل صعود مفاجئ هناك دوما انحدار بروميثيوسي ذريع ينتظر المرأة التي تراهن على ابتذال أنثويتها فتكون وحدها الضحية في هذا الانحدار، ولتجد أن بضاعتها قد كسدت بعد حين.
وقد يقال إن التسلط الذكوري لا يمكن مقارعته إلا من الباب الذي ينجذب إليه وهو الجسد وعندها تتمكن المرأة من أن تجد لها موطئ قدم في ظل ذلك التسلط. بيد أن ذلك لا يعني أن تتلبس بالذكورية مطبقة قواعدها ومتناغمة مع توجهاتها قابلة بالتبعية لها، عارضة بإباحية جسدها كأنها موديل يتم تصويره بحسب ما يرغب الذكور ويشاءون، بل العكس أي أن تكون حرة وغير تابعة.
وكثير من الأديبات المبدعات كن حذرات وهن يقارعن الذكورية متحصنات بالوعي موظفات الجسد بلا إفراط في الإباحية ولا ابتذال في الايروتيكية، وتعد الشاعرة الإغريقية سافو جدتهن الأولى التي وظفت الايروتيكية في قصائدها على نحو مميز.
ومن الكاتبات الحديثات اللائي وظفن الايروتيكية من أجل طرح مسائل نسوية مصيرية وجوهرية متخذات من الجسد والجنس منطلقا للكشف الجمالي الروائية الانكليزية جين أوستن، ومن الكاتبات المعاصرات نذكر الفرنسيتين الصحافية آن ديكلو والفيلسوفة سيمون دي بوفوار وكذلك الكاتبة الأمريكية جوانا روس والروائية التركية أليف شافاق ومن الكاتبات العربيات نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وأحلام مستغانمي وعالية ممدوح.
وبالمقابل هناك الكثير من الكاتبات المشهورات بأدبهن الراقي، ومع ذلك كن بعيدات كل البعد عن توظيف الايروتيكية في أدبهن مستندات في تحقيق هذه الشهرة على موهبتهن وما امتلكن من وعي ثقافي وما لديهن من تمكن إبداعي فاكسبهن احترام المنظومة الثقافية وتقديرها.
ولن ننسى أن المرأة العربية قبل بضعة عقود كانت تتردد في نشر اسمها مع قصيدة أو قصة، وكثيرا ما كانت تستعمل أسماء مستعارة محاولة بذلك تجنب سهام الانتقاد الذكورية التي تريد المرأة موضوعا أو بضاعة وليس كيانا إنسانيا يقف مع الرجل ندا بند.
وبعد أن انفتح المجال أمام الأديبات للكتابة بحرية صارت النسوية هدفا لبعضهن محاولات بذلك التخلص من شرك الذكورية عبر نبذ التبعية ورفض الوصاية مع البعد عن مسائل الإثارة والإغراء وعدم الانصياع للإباحية والشهوة الجسدية في التعبير عن الذات النسوية.
وبالرغم من ذلك كله نجد اليوم كثيرا من النساء يكتبن وهن يعتقدن أن الرجال وحدهم من ينبغي أن يخاطبنهم ويوجهن أدبهن إليهم لعلهن يحظين برضاهم. في كتابها «اللغز الانثوي» تقول بيتي فريدان: «في جميع أعمدة الصحف والكتب والمقالات خبراء يخبرون فيها النساء أن دورهن هو السعي إلى التحقق مرارا وتكرارا في أصوات وحذلقة فرويدية وأن ليس بمقدورهن إن رغبن بمصير أعظم من الفخر بأنوثتهن من الخبراء الذين يعلمونهن كيف يصطدن الرجال وكيف يحتفظن بهم».
وعادة ما توصف مثل أولاء النساء بأنهن ذكوريات، أولا لأنهن يماشين الذكور في رغباتهم وثانيا لأنهن ابتذلن أنثوية أجسادهن ملهبات غرائز الفحوليين من الشبقيين والشبقيات، وثالثا لأنهن روجن بضاعتهن التي ستتكدس قريبا بمجرد عرضها بالمجان بحجة الجرأة والشجاعة الأدبية. ولكن أين الجرأة والشجاعة، وصاحبة البضاعة تجد نفسها في سوق مزاد علني لا بد من أن تكسب ود الآخر الذكوري كي يتقبلها؟ وشتان بين مصير أديبة تعلن عن نسويتها من خلال التعادل مع الذكورية، وبين أخرى تؤكد ذكوريتها من خلال الايروتيك وبشتى صور الفجاجة والقباحة والابتذال المهين.
وما كان للأدب الرفيع أن يوسم بالرفعة لأنه التزم بالأخلاق وأنكر المسائل المبتذلة، بل لأنه وظف الجنس والجسد في أمكنته المطلوبة وبحسب ضرورات فنية وبنائية. وعادة ما يكون قراء مثل هذا الأدب الرفيع أيضا رفيعين وحريصين على المستوى نفسه من الجمال باحثين عما هو جديد ومتفجر جماليا وموضوعيا، فلا عيونهم تقطر شبقية ولا أفواههم فاغرة لكل ما هو حسي يثير الغرائز، ولا مخيلاتهم لاهئة بحثاً عن اللذة في كل ما هو متعرٍ ومفضوحٍ ومتدنٍ. ولعل أكثر الأديبات شهرة هن اللائي كن واعيات لأجسادهن عارفات أن الممنوع الذي يصبح إباحيا في الأدب ليس هو الغاية، بل هو طريق من طرق تحقيق الغايات الأكثر أهمية.
ولا ندعو هنا إلى رفض الايروتيكية في الأدب إنما نقول بضرورة إحلالها في محلها نظرا لحساسية التعامل معها، فأي افتعال في توظيفها سيكون مفضوحا، وأي إفراط سينقلب بالضد.
إن الإباحية الايروتيكية لا تعني الجرأة كما أن الجرأة لا تعني ابتذال الإبداع. وكم من الاباحيات الفجة التي جذبت أولئك الذين يتلمظون شبقاً، فأوقعتهم في شباك الإثارة واللذة لكن فعلها ظل مؤقتا، فالايروتيكية المفبركة كالفقاعة ما أن تتصاعد حتى تزول بزوال المؤثر الحسي.
وتظل الجرأة الحقيقية كامنة في قدرة المبدع على مخالفة المعتاد الجمالي بما هو غير معتاد وجمالي، صانعا من التراب ذهبا. ولا شك أن التابو ليس تعلة عليه يعلق الفاشلون أحلامهم في الشهرة، وإنما هو قضية لا بد أن يحتشد الأديب لها بالإبداع وليس بالايروتيك الخادش للذوق العام والمستفز للغرائز بمورفين الجسد والجنس مباشرة وإسرافا.
إن الإبداع الأدبي لا يأتي من وصف العملية الجنسية ومداعبة الغرائز كما لا يتحقق بالإباحية الايروتيكية والفوضوية الحسية لأن هذه كلها سرعان ما تفقد جاذبيتها، تماما كالبضاعة التي يطرحها صاحبها على قارعة الطريق لتكون في متناول أنظار المتطفلين والعابرين تاركاً إياها تفقد بريقها شيئاً فشيئاً حتى تضيع قيمتها.
ومثلما قال الجاحظ إن الأصل ليس في المعاني، وإنما في الألفاظ التي منها يصاغ الأدب وتنسج عباراته لتبدو بهيئة جديدة تعكس إبداعية الأديب الصائغ، كذلك المرأة يمكنها أن تفيد من أنوثتها في التعبير جمالياً عما تعانيه بنات جنسها من اضطهاد وقمع وقهر وعنف وتضييق في مختلف القضايا الاجتماعية والجندرية التي تتعلق بالتمييز الجنسي وضغوطات العمل والحياة.
كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية