المفاوضات الأمريكية الإيرانية لإعادة الالتزام بالاتفاقية النووية ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-»القدس العربي»: في 23 حزيران/يونيو انتهى العمل بالاتفاقية المؤقتة الموقعة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة الأنشطة النووية حسب البروتوكول الإضافي والذي وقع بين الطرفين في 23 شباط/فبراير لمدة ثلاثة أشهر وتم تجديده شهرا إضافيا. تجديد تلك الاتفاقية الطوعية يعتمد أساسا على نجاج مفاوضات الجولة السادسة بين إيران والولايات المتحدة في فيينا. فإذا اختتمت الدورة المقبلة بين الطرفين بالعودة إلى الاتفاقية مقابل رفع العقوبات فسيتم توقيع اتفاقية ثانية بين إيران والوكالة الدولية حول عمل المفتشين حسب بنود البروتوكول الإضافي. وإذا فشلت المساعي في التوصل إلى الاتفاقية فلن يسمح للمفتشين العودة إلى إيران وستستمر في تخصيب اليورانيوم وترفع النسبة من 60 إلى 90 في المئة وهي المطلوبة لإنتاج أسلحة نووية.
إيران تلعب أوراقها بذكاء ولم تنطق بكلمة حول تجديد عمل مراقبي الوكالة حسب بنود البروتوكول الإضافي والذي وقعته بتاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر 2003 لكنها لم تصادق عليه وبقي تنفيذها للبروتوكول قائما على مبدأ الطوعية. فإذا فشلت محادثات فيينا فمن حق إيران أن تنهي تعاونها مع المفتشين. لكن ستبقى الوكالة تراقب الوضع في إيران عن بعد عبر ترتيب مسبق متفق عليه بناء على عضويتها العادية في اتفاقية «عدم الانتشار النووي». البروتوكول الإضافي هو الذي يعطي حق التفتيش لكل المناطق وبفترة تنبيه قصيرة أو بدونها، أما العضوية العادية فالتعاون والزيارات وفتح المنشآت النووية يتم بالتراضي.
كل المعطيات تشير إلى أن هناك امكانية كبيرة لوصول الطرفين إلى اتفاقية في الجولة السادسة قبل رحيل إدارة حسن روحاني لإعطاء فرصة للرئيس الجديد، إبراهيم رئيسي، ليبدأ سنواته الأربع المقبلة دون أن يكون مكبلا بالعقوبات والضائقة الاقتصادية والتذمر الشعبي والتوتر الإقليمي والعزلة الدولية.
من الواضح أن الرئيس الجديد سيكون على رأس أولوياته الاقتصاد والاهتمام بالشأن الداخلي قبل كل شيء. ومن أجل تحسن الأوضاع الداخلية وتحسين حياة الشعب الإيراني يجب أن ترفع العقوبات الأمريكية القاسية على إيران بما في ذلك إلغاء قائمة العقوبات على العديد من الشخصيات الإيرانية بمن فيهم رئيسي نفسه. الأولوية الثانية لرئيسي ستكون الانفتاح على دول الجوار وخاصة المملكة العربية السعودية، وتبريد الملفات الإقليمية وهو ما أعلنه في حملته الانتخابية ومؤتمره الصحافي الأول.
العقوبات ومجلس الأمن الدولي
لكن علاقة إيران بمنظومة الأمم المتحدة غير مقتصرة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشيها بل إن هناك عددا من قرارات مجلس الأمن التي فرضت رزمة عقوبات على إيران بين عامي 2006 و 2014 بسبب انتهاكات اتفاقية عدم الانتشار. وتم تجميد تلك العقوبات بعد نجاح الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى حل شامل ومعقول وبعيد المدى للمسألة النووية الإيرانية عبر الاتفاقية التي أطلق عليها اسم «خطة العمل الشاملة المشتركة» بين الأطراف الستة وإيران وبحضور ممثل عن الاتحاد الأوروبي، يوم 14 تموز/يوليو 2015.
عرضت تلك الاتفاقية على مجلس الأمن الدولي فاعتمدها بالإجماع يوم 20 تموز/يوليو 2015 تحت القرار رقم 2231 حيث أعرب أعضاء المجلس عن رغبتهم في إقامة علاقة جديدة مع إيران معززة بتنفيذ خطة العمل مقابل إنهاء العمل بكافة قرارات العقوبات التي أصدرها مجلس الأمن. لقد وضع القرار قيودا دقيقية على التزام إيران بالاتفاقية مقابل رفع العقوبات. كما أشار إلى عودة العقوبات كلها مرة واحدة في حالة انتهاك إيران لبنود القرار.
الذي انتهك الاتفاقية ليست إيران بل الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الانسحاب منها يوم 8 أيار/مايو 2018 حيث وقع مذكرة رئاسية تعلن انسحاب بلاده من الاتفاقية وفرض عقوبات اقتصادية شاملة على إيران بحجة دعم النظام وتمويله «لمنظمات إرهابية أهدر فيها ثروات شعبه» فقد سمح الاتفاق النووي لطهران «بالاستمرا في تخصيب اليورانيوم لأن هذا الاتفاق الكارثي أعطى النظام الإيراني الإرهابي ملايين الدولارات» كما صرح ترامب ساعة توقيع مرسوم الانسحاب.
بذلت إدارة ترامب جهودا كبيرة لوقف أو عرقلة الصادرات النفطية الإيرانية وإعطاء الإذن لإسرائيل لمهاجمة ناقلاتها البحرية. كما صنفت عددا من قوات النخبة العسكرية مثل الحرس الثوري منظمات إرهابية. ووضع ترامب خطة صارمة لفرض عقوبات جديدة تستهدف قطاعَي الفولاذ والبتروكيميائيات، كما عزز مواقعه العسكرية في منطقة الخليج. إضاقة إلى قيام الولايات المتحدة باغتيال عدد من القيادات الإيرانية مثل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وقيام إسرائيل باغتيال العالم النووي محسن فخري زادة، ناهيك عن الاعتداءات السبرانية ضد بعض المنشآت الإيرانية.
أمام هذه التهديدات الإسرائيلية/الأمريكية لماذا تتخلى إيران عن برامجها التسليحية؟ من سيقنعها بالتوقف عن تطوير قدراتها التكنولوجية وخاصة الصواريخ البالسيتة بعيدة المدى والطائرات المسيرة؟ ماذا كان ينتظر من إيران؟ إذا كان خرق الاتفاقية جاء من الولايات المتحدة وتبع ذلك سلسلة من الاستفزازات العسكرية في منطقة الخليج وتسليح متطور للدول الخليجية. كما عمل ترامب على إنشاء تحالف دولي واسع ضد إيران تجسد في مؤتمر «وارسو» يومي 13 و 14 شباط/ فبراير 2019 والذي عقد تحت مسمى «السلام والأمن في الشرق الأوسط» شاركت فيه نحو 60 دولة من بينها دول عربية عديدة بهدف عزل إيران وتطويقها وتدمير اقتصادها. والخلاصة أن إيران، إذا ما ظلت تشعر بأن إسرائيل تهدد أمنها القومي فليس أمامها إلا تقوية دفاعاتها الاستراتيجية. الذي يطمئن إيران هو عودة الولايات المتحدة للاتفاقية ورفع جميع العقوبات وفتح أسواق العالم لصادرات النفط الإيرانية.
إيران تأكدت أن العودة للاتفاقية لن تتم بالشروط السابقة ما دامت الولايات المتحدة هي التي انسحبت منها. لقد عملت على تعزيز أوراق التفاوض لديها بتطوير قدراتها الصاروخية وبناء شبكة علاقات قوية مع دول مهمة مثل الصين وروسيا، إضافة إلى تعزيز وجودها في مناطق الصراعات في الشرق الوسط. وبالنسبة لبرنامجها النووي أعلنت أنها لن تلتزم بنسبة التخصيب المتفق عليها في الاتفاقية وهي 3.67 ولا بعدد أجهزة الطرد المركزي المنصوص عليها وهي 5060 حيث أعلنت رفع نسبة التخصيب إلى 20 ثم إلى 60 بالمئة وأضافت نحو ألف جهاز طرد جديد. إذن إيران تفاوض من موقع قوة ما جعل رئيسي يعلن أن ىسياسته لن تكون مرهونة بالاتفاقية.
ورغم كل ما حدث ظلت إيران تتعاون مع الوكلة الدولية للطاقة الذرية فقد جاء في تقريرها في 5 حزيران/يونيو 2020 أن الوكالة ما زالت تستطيع دخول جميع المواقع النووية اللازمة لمراقبة النشاط النووي الإيراني الحالي، على الرغم من الصعوبات التي سببها وباء فيروس كورونا. وأشارت إلى «تعاون استثنائي» من قبل السلطات الإيرانية. وقد كشف تقريرها الأخير بتاريخ 31 أيار/مايو عن عدد من الخروقات في مواقع أربعة لم تكن قد أعلنت عنها إيران. كما كشفت تقاريرها عن زيادة نسبة التخصيب. وقد يكون الكشف عن هذه الخروقات مقصودا لتكون رأيا عاما ضاغطا على الولايات المتحدة وخاصة من قبل الاتحاد الأوروبي لإعادتها إلى الاتفاقية.

تبادل المنافع
تغيرت كثير من الأمور منذ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاقية. صحيح أن الاقتصاد الإيراني في وضع صعب وأن الشعب يعاني من هذه الأوضاع ما دفع بالكثيرين أن يعزفوا عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة. لكن إيران وسعت برنامجها النووي ونجحت في تعزيز ترسانتها من الصواريخ البالستية بعيدة المدى وطورت قواتها البحرية والطائرات المسيرة. أضافة إلى انتشار ميليشياتها وخبرائها العسكريين وأجهزتها الأمنية في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن، أضف إلى ذلك أنها توصلت مع الصين إلى صفقة كبيرة تصل إلى 500 مليار دولار في الـ 25 سنة المقبلة.
إذن من مصلحة الولايات المتحدة أن تباعد بين إيران والصين من جهة وأن تغري إيران، إذا ما عادت وأكدت التزامها بالاتفاقية، بإعطائها دورا واضحا في حل أزمات اليمن وسوريا ولبنان. ولعل اعتراف الخارجية الأمريكية بالمكون الحوثي كجزء أصيل من المجتمع اليمني، بعد شطب اسمهم من قائمة الإرهاب، مؤشر على أن الولايات المتحدة مستعدة لأن تخطو خطوة أخرى للأمام من أجل أن تلتقي مع إيران في منتصف الطريق كي يوقع الطرفان الاتفاقية الجديدة، تتخلى إيران فيها عن طموحها بتطوير الأسلحة النووية وتساهم في حلحلة بعض الأزمات الإقليمية، مقابل رفع العقوبات الموجعة عنها وحرية الشحن البحري وتصدير النفط وكبح جماح إسرائيل في الاستمرار بتهديد إيران تحت حجة أنها على وشك أن تنتج قنبلة نووية.
نعتقد أن العودة للالتزام بالاتفاقية وقرار مجلس لأمن الدولي 2231 بالإضافة إلى توقيع اتفاق جديد مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول إعادة تفعيل البروتوكول الإضافي المتعلق بالتفتيش، سيترك ديناميات جديدة في المنطقة تؤدي في نهاية المطاف إلى شرق أوسط أكثر أمنا واستقرارا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية