شخصيات رفيعة في جهاز الأمن طرحت شكوى قاسية تقول بأنه في الوقت الذي كانت هذه الشخصيات مجتمعة مع رئيس الأركان افيف كوخافي، للمصادقة على خطط عملية إخلاء الغزاة من بؤرة “أفيتار”، فقد عرفت من وسائل الإعلام عن حل وسط يبقي المباني الموجودة في البؤرة الاستيطانية على حالها. كانت المفاجأة كبيرة عندما تبين لهم أن وزير الدفاع بني غانتس شارك في حياكة هذا الحل، لأن غانتس نفسه هو الذي صك قبل يومين المقولة الخالدة “حكم هذا المكان هو الإخلاء، وهذا الموضوع سيتم علاجه بصورة حساسة ومصممة جداً”.
يجدر تعليق هذه المقولة على مدخل كل قاعدة عسكرية إلى جانب الإعلان المعروف “أيها الجندي، حسّن مظهرك”. فلكليهما أهمية متشابهة. للحظة، تشعر بالحزن من ازدراء الحكومة للجيش الإسرائيلي، لأنها لم تطلعه أولاً بأول، وعملت من وراء ظهره. ولكن الغضب حل محل الرحمة: الحكومة لا تتعامل باحترام مع السيد على الأرض (الذي هو أيضاً الجسم المسؤول عن أمن الدولة)، في الوقت الذي يُطرح فيه موقف قاطع وواضح يطالب – لا يقترح ولا يريد ولا يوصي – بإخلاء بؤرة “أفيتار” الاستيطانية، ليس فقط لأنها أقيمت بصورة غير قانونية -فكما يقول كبار الجيش، قد يؤدي استمرار وجودها إلى الهياج والعصيان وضعضعة الأمن في المناطق، وحتى الآن “تسببت بعشرات حالات الإخلال بالنظام”. إضافة إلى ذلك، تسيطر حماس أيضاً على هذا الصراع “وتستغله لإهانة السلطة الفلسطينية التي هي في وضع صعب جداً في الضفة” (“هآرتس”، 29/6).
هي حجة كان يمكن أن تقنع لولا الخشبة السميكة الموضوعة بين عيون القيادة العسكرية. لأن الجيش الإسرائيلي كان العامل الذي منح حكومات إسرائيل الذريعة لإقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية بذرائع أمنية، بدءاً من خطة “ألون” والاستيطان في غور الأردن، ومروراً بموقع “الناحل” وإقامة قواعد صغيرة ووهمية استهدفت أن تستخدم للتمهيد لإقامة المستوطنات عليها، وانتهاء بسرقة مركز مدينة الخليل. وإقامة بؤرة “أفيتار” بدأت أيضاً بموقع عسكري تم تفكيكه لأنه لم يساهم في الأمن، لكن ترك وراءه أمر وضع اليد على الأرض بدلاً من إعادة الأراضي لأصحابها الفلسطينيين.
هل يقول الجيش الآن بأن هذه البؤرة غير القانونية قد تضر بالأمن؟ هل تذكر الآن أن يحتج على المفهوم الأمني الذي خدم الاحتلال والاستيلاء غير القانوني على مدى عقود؟ إذا كان الأمر هكذا فبماذا تختلف مكانة “أفيتار” عن مكانة “كريات أربع”؟ وبماذا تختلف عن الاستيطان في الخليل و”تفوح” و”يتسهار” ومئات المستوطنات الأخرى؟ لأن مركز النزاع والذريعة الأساسية للهياج في نهاية الأمر هي هذه المستوطنات دون أي صلة بالغطاء القانوني الوهمي الذي تعطيها إياه إسرائيل. ومن المضحك ذلك الادعاء حول المس المتوقع بالسلطة الفلسطينية والصراع أمام حماس بسبب هذه البؤرة. لأن الجيش الإسرائيلي هو الذي يدمر ويهدم البنى التحتية في غزة من جهة، ويعتبر حماس شريكة في إدارة خط الحدود الذي يفصل بين إسرائيل وقطاع غزة، من الجهة الأخرى.
في المقابل، يعتبرها الجيش أراضي الضفة التي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية مناطق للتدريب، ويعتبر بيوت السكان الفلسطينيين منشآت للتدريب على القتال في المناطق المأهولة. وحتى لا يشاهد المستوطنين وهم يؤذون الفلسطينيين، يضع عصبة سميكة على عيونه. الجيش الإسرائيلي يتفوق في المنافسة بين الجيش الإسرائيلي وحماس على المس بمكانة السلطة الفلسطينية. والأكثر أهمية من ذلك هو أن الجيش فقد الحق في أن يكون عاملاً حاسماً أو حتى موصياً في كل ما يتعلق بسلوك حكومات إسرائيل في المناطق، منذ فترة طويلة.
مفهوم “السيد في المناطق” لم يعد له أي معنى. يسيطر الجيش الإسرائيلي فقط على لوحة المفاتيح التي تكتب الأوامر التي تمليها عليه الحكومة. يبدو أن هذه هي قواعد اللعب في الديمقراطية- الحكومة تقرر والجيش ينفذ. ولكن الوضع الذي يقرر فيه المستوطنون السياسة ويملون على الحكومة سياستها وطبيعة تنفيذها، حول الحكومة نفسها إلى هيئة وهمية، ولوحة مفاتيح ينبثق عنها أوامر هدم لسلطة القانون، وتمنع الجيش من القيام بمهمته.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 30/6/2021