رحلة آدم حنين في «قصر الفنون» في القاهرة: معرض استعادي يجسد تجربة راهب النحت المصري

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة-»القدس العربي»:  «لقد حررني الفن الفرعوني من وطأة الإحساس بالزمن، بمعناه المادي الواقعي الضيق، وفتح عيني على زمن آخر، مترام، زمن الأبدية والخلود .. زمن الفن» (آدم حنين). تعد تجربة الفنان آدم حنين (31 اذار/مارس 1929 ــ 22 ايار/مايو 2020) من التجارب الفارقة في الفن المصري الحديث، والتي تعد في الوقت نفسه حالة من الاستمرارية للفن المصري القديم، حالة تقاطع معها الوعي الحداثي، لتتخلق منحوتات تحمل تبجيلاً لإرث فني وثقافي لا يمكن نسيانه. جاءت تجربة حنين ضد الزمن، فلا يحكمها زمن يمكن أن تنتمي إليه، بل تتجاوزه ــ رغم تطور الأسلوب ــ لتصبح سمة هذه الأعمال البقاء، والتحاور الدائم مع الفراغ، حالة من السكون والمهابة والغموض في الوقت نفسه، لتقترب هذه الأعمال أكثر من فلسفة الروح المصري القديم.

وتحت عنوان «الرحلة» أقيم المعرض الاستعادي للفنان المصري آدم حنين في مجمع الفنون «قصر عائشة فهمي» في القاهرة. ضم المعرض ما يُقارب المئة وخمسين عملاً فنياً، تمثل تجربة حنين الممتدة منذ منتصف القرن الفائت وحتى رحيله.

الرحلة

تأتي أعمال آدم حنين في تنوعها ما بين المنحوتات والرسوم، والتي استخدم في تنفيذها العديد من الخامات، كالحجر والغرانيت والجص. جاءت البدايات في تكوينات بسيطة، وكان الموضوع هو شاغلها الأساسي، نلحظ ذلك في أعمال مثل، فاطمة، الزمار، وأم الشهيد. وكلها أعمال تنتمي لفترة الخمسينيات من القرن العشرين. أما الستينيات فكان الاختزال سمتها، كما أصبح حنين يهتم بالحيوانات والطيور، كمخلوقات نتعايش معها وتستحق التبجيل، ومنها الماعز، القطط، الكلاب، الخيل، الحمير، والبوم، وهو الطائر الذي جسدته منحوتات حنين في أكثر من عمل، وهو امتداد آخر للفن المصري القديم، الذي نراه في المعابد وجدرانها. أما السبعينيات والثمانينيات، أصبح معها التجريد أو الاختزل أكثر، وأصبح الاهتمام أكثر بما هو كوني، كالشمس والقمر، وكأنها حالة من التسامي يحاول الفنان الوصول إليها. ثم تأتي «السفينة» وهي التي تشبه سفينة نوح، وفيها جمع حنين مخلوقاته بحثاً عن النجاة. أطلق حنين على عمله هذا «سفينة الشمس ــ سفينة الحياة» وهي تشبه أكثر مراكب الشمس الفرعونية ــ المراكب الجنائزية ــ التي كانت توضع في المقابر الفرعونية كي تصحب الملك إلى العالم الآخر. وبها يضع حنين العديد من منحوتاته الغرانيتية، وتماثيل من البرونز، وتماثيل لوجوه من البشر والطير والحيوان، كالبومة الشهيرة وحمارين يتصدران مقدمة السفينة. ورغم التماس الأسطوري مع عالم مضى، ذاهب إلى العالم الآخر في رحلة أخرى، وتكوين يتشابه أكثر وأساطير الكتاب المقدس ــ سفينة نوح ــ هنا أيضاً تبدو دلالة العمل أكثر، ما بين غياب أكثر إلى عالم أخروي تسوده العدالة، أو نجاة من طوفان مرتقب!
فكرة النجاة هذه يتحدث عنها حنين بشكل آخر، فكرياً وروحياً بالأساس «مع تراكم الخبرة أصبح لديّ مقياس قوي، أقيس عليه رؤيتي للفن والحياة، هذا الميزان هو الفن الفرعوني، وقد عصمني من تشوهات بصرية وفنية، والانضواء تحت راية مذهب أو تيار أو مدرسة فنية، كالانطباعية والسوريالية والتكعيبية وغيرها، فرغم أني أفدت منها جميعا، فإنني كنت أحس دائما بأنها غريبة عن طينتي وتربتي».

التجريد والاختزال

تأتي أعمال آدم حنين، سواء المنحوتات أو التصوير في أسلوب يميل أكثر إلى التجريد، لكنه تجريداً ليس كما هو الشائع أو المُتبع في التعامل مع اللوحة أو الكتلة، بل تجريد يتخذ من فعل التشخيص مبدأ له، أو نقطة انطلاق، فلا هو مُبهم تماماً، ولا هو تشخيص معهود كما في أعمال محمود مختار مثلاً. فأسلوب حنين حافظ على جلال الشكل وغموضه، من دون ضياع معالمه تماماً، حتى باتت كائناته ومخلوقاته أقرب إلى أشكال أسطورية، ابتدعتها مخيلة الفنان. كما في تمثالي «أم كلثوم» على سبيل المثال، ومعظم منحوتات الطيور والحيوانات، وحتى المنحوتات التي تمثل حالة فكرية مجردة بذاتها. هنا يقترب أكثر من الرسومات البدائية، التي يمكن مطالعتها على جدران الكهوف، كما خطّها الإنسان البدائي.
من ناحية أخرى نلحظ أن لوحات آدم حنين تتبع الأسلوب نفسه، حتى أنه قد يرسم اسكتشات لمنحوتات مستقبلية، قام بتصميم بعضها، وترك البعض الآخر. وكانت تجربة حنين في رسم لوحات «رباعيات» صلاح جاهين دليلاً على النهج نفسه، ما بين أشكال تبدو وكأنها ثلاثية الأبعاد «منحوتات» وأشكال أخرى تمثل حالات من التصوير الشعبي الحكايات الشعبية.
الأمر نفس يتكرر في تعامل حنين مع الوجوه، فيرسم الوجه موضحاً حالته، دون تفاصيله، حالة صاحب الوجه هي التي يستشعرها الفنان ويعبّر عنها، بورتريهات مرسومة على ورق البردي، لتبدو وكأنها مرسومة فوق جدار قديم، وهو ما يتواصل وشكل المنحوتات فوق الجدران. كذلك أعاد حنين إحياء تقنيات قديمة مثل الرسم على أوراق البردي بأصباغ طبيعية ممزوجة بالصمغ العربي أو تقنية الرسم على الجص التقليدية.

الرؤية

ويرى حنين من خلال العديد من الحوارات الصحافية أو المقابلات والندوات، أنه رغم تأثره بعدة فنانين غربيين، أهمهم هنري مور، قسطنين برانكوزي، وأرتولد مارتيني، إلا أنه كان دائم التساؤل حول مسألة الهوية والانتماء من خلال الفن ــ لا الكليشيهات ــ فيقول، «تعلّمت أموراً كثيرة في الرحلة الطويلة، لكن ما هو ممتد معي من البداية هو اهتمامي بالرؤية المصرية بحيث تكون رؤيتي وبصيرتي مصريتين خالصتين، فبعد دراستي لخمس سنوات في كلية الفنون لم يكن أمامي مثل أعلى على قيد الحياة، فمحمود مختار الذي أحبه كان قد رحل والموجودون في ذلك الوقت كانوا يعملون تقليداً غير مستساغ لمختار، فأحدث هذا لدي نوعاً من التمرد وأثار داخلي أسئلة عما أريد أن أكونه، هل سأكون كالمصريين القدماء أم كالأوروبيين؟». وأختار الرجل بالفعل استكمال طريق الفن المصري القديم، في رؤية معاصرة واعية، من دون تكرار أو تقليد أسلوب فني قديم، أو انبهار عديم البصيرة بالغرب.

ولد آدم حنين (صمويل هنري) في حي باب الشعرية بالقاهرة عام 1929. تخرج عام 1953 في كلية الفنون الجميلة. سافر في منحة دراسية إلى ألمانيا لمدة عامين، لاستكمال دراسته بأكاديمية الفنون الجميلة بميونخ تحت إشراف أنطوني هيلر. أقام في النوبة من خلال منحة التفرغ في الفترة ما بين 1961 حتى 1969. سافر حنين إلى باريس في بداية السبعينيات، واستقر بها حوالي ربع قرن. عاد بعدها للمشاركة في ترميم تمثال أبو الهول عام 1990 كما أسس سمبوزيوم النحت الدولي في أسوان وأشرف عليه منذ بدايته عام 1996.
نال حنين العديد من الجوائز، منها، الجائزة الكبرى لبينالي القاهرة الدولي 1992 وجائزة الدولة التقديرية في الفنون، ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1998 وجائزة مبارك عام 2004.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية