في خطوة منها لتعزيز صمود المزارعين المتضررين من العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، نظمت وزارة الزراعة في غزة سوقاً تضامنياً مع المزارعين، يهدف إلى تقديم الدعم لهم ومساعدتهم في تخطي العراقيل التي تواجههم في تسويق منتجاتهم محلياً وخارجياً.
ويشارك في هذا السوق التضامني، الذي يقام على أرض ساحة السرايا وسط مدينة غزة كافة المزارعين المتضررين من محافظات القطاع، حيث يتم عرض أنواع عديدة من الخضروات المكدسة لدى المزارعين، بعد رفض الاحتلال الإسرائيلي السماح بتصديرها للخارج. ويسوق قطاع غزة أكثر من 15 صنفاً من المنتجات الزراعية للضفة الغربية والخارج، وأبرز هذه المنتجات الطماطم، والبطاطس، والخيار، والفلفل الحار، والباذنجان وغيره، فيما تزداد معاناة المزارعين يوماً بعد يوم في أعقاب منع تصدير منتجاتهم سواء للضفة الغربية أو دول أوروبا، حيث ناشد مزارعو قطاع غزة منظمة الأغذية والزراعة الأممية «الفاو» بضرورة التدخل السريع لوقف تكبدهم المزيد من الخسائر الاقتصادية، من جراء وضع سلطات الاحتلال الإسرائيلي شروطًا تعجيزية على صادراتهم عبر معبر كرم أبو سالم التجاري.
وتعد الطماطم من أكثر المحاصيل تصديراً للخارج، حيث سمحت إسرائيل ولمرة واحدة بعد أكثر من شهر ونصف من المنع تصدير محصولها وفق شروط تعجيزية، حيث اشترط الجانب الإسرائيلي على المزارعين تصدير الطماطم منزوعة العنق الأخضر، وهذا ما شكل إزعاجا للكثير منهم بسبب فساد المحصول أثناء التصدير.
بدورها قالت منسقة مشروع السوق التضامني نهى الشريف إن السوق التضامني جاء بمبادرة من قبل وزارة الزراعة، وذلك للتخفيف من وطأة المعاناة لدى مئات المزارعين الذين تكبدوا خسائر مالية كبيرة من جراء العدوان الأخير على قطاع غزة.
وأضافت لـ»القدس العربي» إن المزارعين هم من أكثر الفئات تضرراً بعد كل عدوان، ولا بد من تضافر كافة الجهود المحلية والدولية من أجل تعزيز صمودهم وتسليط الضوء على معاناتهم المتكررة، من خلال تعمد الاحتلال الإسرائيلي النيل منهم، سواء برش المحاصيل بالمبيدات الحشرية أو من خلال إطلاق النار صوبهم أثناء العمل.
وطالبت الشريف المؤسسات المحلية والدولية العاملة في مجال الزراعة، تبني أفكار ريادية لدعم المزارعين ومساعدتهم في تخطي العقبات، وتوجيه دعمها ومشاريعها لإنعاش العاملين في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والعمل على تعويضهم عن الخسائر المتكررة التي يتعرضون لها.
وقدرت وزارة الزراعة في وقت سابق الخسائر المالية التي طالت القطاعات الزراعية والحيوانية في غزة نتيجة العدوان الإسرائيلى بنحو 200 مليون دولار، كما قدرت خسائر منع التسويق والتصدير الزراعي من قطاع غزة إلى الخارج بنحو 16 مليون دولار، في حين إن حجم الخسائر المذكورة يزداد يوماً تلو الأخر، نتيجة استمرار إغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري في وجه المحاصيل التسويقية والأسماك من قطاع غزة للخارج.
كما حذرت الوزارة من أن السلة الغذائية لسكان قطاع غزة تقترب من حافة الخطر، نتيجة لتكبد المزارعين خسائر فادحة وعزوفهم عن الزراعة بسبب إطالة أمد إغلاق الاحتلال الإسرائيلي لمعبر كرم أبو سالم في وجه الصادرات الزراعية لأكثر من 50 يوماً، فضلاً عن منع إدخال المستلزمات الزراعية للقطاع لاستمرار العملية الزراعية.
من جهته قال المزارع المشارك في السوق علاء الحلبي إن الخطوة التي قامت بها وزارة الزراعة من خلال إنشاء سوق تضامني، خففت نوعاً ما من الآثار السلبية التي طالت مئات المزارعين، من خلال تسويق ما لديهم من محاصيل مهددة بالفساد، نتيجة تكدسها بكميات كبيرة وارتفاع درجات الحرارة الحاد.
وبين الحلبي لـ»القدس العربي»: أن حجم خسارته من جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة فاقت 15 ألف دولار، بعد أن تعرض عدد من الدونمات الزراعية التي يملكها في منطقة بيت لاهيا الزراعية شمال قطاع غزة إلى وابل من الصواريخ والقذائف المدفعية، التي أحرقت المحاصيل ودمرت خطوط المياه الناقلة لها.
وأشار إلى أن المزارعين يبيعون المحاصيل المكدسة لديهم من الطماطم والخيار والبصل بأسعار مخفضة جداً، لتفادي فسادها ولتعويض خسائرهم، لافتاً إلى أن إسرائيل تضع شروطاً غير مقبولة على تصدير المحاصيل للخارج، وبسبب ذلك نضطر إلى تسويقها محلياً.
أما المزارع لطفي أبو ندى المشارك في السوق فقد أكد لـ»القدس العربي»: أن الزراعة تعتبر إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الفلسطيني، والاحتلال الإسرائيلي يركز بشكل مستمر على ضرب عصب الاقتصاد في غزة، حتى في أوقات التهدئة يواصل عرقلة عمل المزارعين داخل مزارعهم، ووضع قيود صارمة على تصدير المنتجات الزراعية.
وعبر المزارع أبو ندى عن أمله في أن يتمكن السوق من تصريف منتجاته الزراعية من قبل المتسوقين سواء من الأفراد والمؤسسات الدولية التي تزور السوق، داعياً في الأثناء الجهات الحكومية المختصة إلى ضرورة تعويض المزارعين بشكل سريع في حال تم البدء بإعادة إعمار غزة.
بدوره قال الخبير الاقتصادي محسن أبو رمضان أن المزارعين في قطاع غزة هم بحاجة ماسة للدعم المستمر من قبل المؤسسات الحكومة والدولية، لأنهم معرضون على الدوام للخسارة والملاحقة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، لذلك تعتبر خطوة وزارة الزراعة في إقامة سوق لبيع المنتجات الممنوعة من التصدير، طوق نجاة للمزارعين ورفع معنوياتهم المحطمة.
ولفت أبو رمضان في حديثه لـ»القدس العربي»: إلى أن السوق المحلي بشكل عام مشبع بالمنتجات الزراعية، وبالتالي زيادة الفائض تقلل من سعر الخضراوات، مشيراً إلى أن مزارعي القطاع رغم الحصار والحروب المتتالية، أثبتوا قدرتهم على تغطية السوق المحلي بمنتجاتهم وتحقيق فائض، وأنهم بحاجة إلى إفساح المجال أمام تصدير المنتجات الوطنية إلى الأسواق الخارجية.
وأعرب الخبير الاقتصادي عن قلقه من عدم نجاح العديد من المحاصيل الزراعية خاصة في الأراضي التي تعرضت للقصف، حيث أن التربة التي تتعرض للحرق بفعل الصواريخ تنتج عنها مواد سامة مثل الرصاص ومشتقاته واليورانيوم، وهذه التربة من الصعب إصلاحها ولا يمكن نمو المحاصيل التي تزرع داخلها لفترات طويلة، كما أن محاولات إصلاحها مجدداً يحتاج إلى تكاليف مالية باهظة.
وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قد دعا إلى ضرورة تدخل المجتمع الدولي والجهات المعنية، لمنع فرض الاحتلال عراقيل جديدة على حركة الصادرات والواردات عبر معبر كرم أبو سالم، واعتبر المركز الحقوقي اشتراطات الاحتلال أنها تؤثر سلباً على جودة المنتج الفلسطيني، وتضعف فرص تسويق هذه المنتجات خارج غزة، ما يزيد من مفاقمة الحالة الاقتصادية المتدهورة.