نجيب محفوظ وأحمد حلمي وجهان لصورة درامية واحدة

كمال القاضي
حجم الخط
0

يدخل أحمد حلمي مضماراً فنياً جديداً في تجربة مُختلفة واستثنائية في مشواره الفني والإبداعي كله، حيث يعتزم تقديم سيرة ومسيرة الأديب الكبير نجيب محفوظ في مسلسل تلفزيوني يكتب حلقاته الكاتب عبد الرحيم كمال وتُرصد له ميزانية إنتاجية ضخمة. ولأن الفكرة جديرة بالاهتمام والمناقشة فسيكون طرحها على مستويات متعددة، إذ لا يمكن الاكتفاء بالوقوف فقط عند حد الصورة الدرامية الشكلية التي يمكن تخيلها في الأداء التمثيلي للنجم الشاب، فالقدرة على استيعاب شخصية الكاتب والأديب لا يمكن اختصارها في ما يتعلق بالتقمص والاجتهاد لتقريب الصورة الدرامية من الأصل الواقعي.
لقد فرض أحمد حلمي على نفسه تحدياً صعباً، فالشخصية المراد تجسيدها بعيده كل البعد عن النمط الكاريكاتيري والكوميدي الذي تعود على أدائه وحقق من خلاله نجاحاً مُدخراً في رصيد فني انعكس بالإيجاب على جمهوره العريض، ومن ثم ستُقيم تجربته الجديدة في إطار مغاير للثيمات السابقة، وهو ما يستوجب الحذر والحيطة، فالمغامرة ليست سهلة ونتائجها في حالة النجاح ستكون إضافة كبرى وفي حالة الإخفاق ستُصبح ورطة يصعُب الخروج منها.
ما يميز نجيب محفوظ الإنسان والمبدع أنه يتمتع بقدر وفير من الثراء الدرامي، فهو الموظف والمثقف والفيلسوف والروائي والقاص والسياسي ورب الأسرة والمسؤول الإداري، وكل هذه حلقات مُتصلة مُنفصلة تستدعي التدقيق والتركيز في الكتابة والإخراج والتمثيل، ناهيك عن ضرورة تتبع الجوانب الفرعية ذات الصلة كالصداقات والعلاقات والمعارف، وهي خطوط دقيقة شديدة الأهمية في حياة الأديب الذي درس الفلسفة وعمل موظفاً وكتب القصة والرواية والسيناريو وتنقل خلال مشوار حياته بين بيئات اجتماعية مختلفة في الخصوصية والطبيعة الثقافية، فمن حي العباسية الراقي في أربعينيات القرن الماضي إلى الأحياء الشعبية في منطقة الحسين والجمالية والدرب الأحمر وخان الخليلي، وهي المرحلة التي استغرقت عدة سنوات ومثلت جذوة الإبداع في عالمة الروائي، حيث أنجز أهم أعمالة الثلاثية، «بين القصرين وقصر الشوق والسكرية» بخلاف روايته المهمة «خان الخليلي» التي استوحى عوالمها وأجوائها من الأحياء الشعبية ذاتها قبل أن يكتب في سياقات أخرى اجتماعية وتاريخية وسياسية وفلسفية أعمالة الشهيرة، «الكرنك» و«الحرافيش» و«الشحاذ» و«أولاد حارتنا» و«قلب الليل» و«أمام العرش» و«كفاح طيبة» و«اللص والكلاب» و«السمان والخريف» إلى آخر إبداعاته أصداء السيرة الذاتية التي بلورت تجربته وأفكاره وآرائه الفلسفية في المجتمعات والشخصيات والمسارات والزعامات والأحزاب.
هذه الانعطافات الكثيرة والعميقة في حياة الأديب الكبير لا شك تُصعب من مهمة أحمد حلمي في التجسيد والتشخيص، إلا إذا قرأ وفتش في عوالم محفوظ ولم يعتمد اعتماداً كلياً على الوارد في السيناريو فقط، فربما يكون السيناريو مكتوباً بحرفية لكنه غير محيط بكل الجوانب، لا سيما الجوانب الفلسفية والسياسية التي لم يُصرح بها صاحب نوبل وإنما جاءت مُتضمنة في رواياته فأغنت تفاصيلها عن تصريحاته، وهذا الجانب لا بد أن يُراعى في عرض السيرة الذاتية للكاتب الكبير الذي لم يُجاهر بقناعاته السياسية ولا انتمائه لحزب الوفد ولا تأييده لاحقاً لثورة يوليو بعد استقرارها، وإنما اكتفى بالتضمين الروائي واعتمد على ذكاء القارئ واستنتاجه.

2021-07-10_01-04-14_706520
وبخلاف الوارد في أدبه والمُدرك في كتاباته بشكل عام تأتي عملية التدقيق في ميوله الشخصية ضرورة من ضروريات التصوير البانورامي لحياة الكاتب والأديب والمُبدع الذي وصل إلى قمة التقدير الأدبي العالمي انطلاقاً من الاستغراق في الواقع المحلي للحارة المصرية التي غاص في أعماقها وجاب دروبها وأزقتها فنهض بها من المستوى الشعبي المحدود إلى آفاق العالمية الرحبة ليعرف القاصي والداني مزايا الاحتكاك المباشر بالفئات البسيطة كالحرافيش والفتوات والعربجية وأهل التكية وأهل القمة والشحاذون والأثرياء والنبلاء والأرستقراطيون، أي أن نجيب محفوظ قد محا من قاموسه الإبداعي كلمة تمييز وارتقى تماماً فوق المفاهيم العنصرية فجعل أبطال رواياته من الحرفيين والكادحين وانتصر لهم وطالب بحقهم في الحياة الكريمة بعيداً عن القهر والاستبداد والجوع والمُطاردة، وهي المعاني الجمالية والإنسانية الموثقة في روايات «الحرافيش» و«الكرنك» و«زقاق المدق» و«اللص والكلاب» وغيرها.
وبهذا استوفى محفوظ شروط الكتابة الإبداعية بامتياز مع مرتبة الشرف، وعليه فإن توثيق سيرته الذاتية يجب أن يكون خاضعاً لنفس معيار الكتابة الوافية حتى لا يخرج العمل ناقصاً فتأتي الصورة الدرامية مشوشة ومجافية للواقع فيتحول الأديب إلى كاريكاتير مُضحك ومُثير للسخرية!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية