يطبع الزمن أحداث حرب لبنان الثانية بألوان أكثر تنوعاً. 15 سنة من الهدوء شبه التام على الحدود الشمالية لا تسير على الأقدام؛ كما أن عشرات آلاف الصواريخ التي جمعها “حزب الله” ومنها صواريخ دقيقة التي تهدد كل موقع استراتيجي في البلاد، لا تسير هي الأخرى على الأقدام. ففي 2006 كان لبنان لا يزال دولة، أما اليوم فهو فريسة تنتظر مفترسها، وميدان قتال مستقبلي لحرب يثق الجميع بأنها ستنشب.
من اللحظة التي تقرر فيها الحكومة بدء العملية البرية ألححتُ على ضباط الناطق العسكري أن يسمحوا لي بالانضمام إلى إحدى القوات. وخدمت هناك ضابطة رائعة تدعى شارون شلمون، وعدت بأن تفعل كل ما في وسعها، وأنا مدين لها بالكثير. في أحد أيام الأسبوع الأولى من آب، اتصلت لتبلغني بوجود الإذن. إذا سارعت فستتمكن من الدخول. وبالصدفة كنت في تل أبيب، بين لقاء ولقاء. “سافر إلى بيت هيلل وارتبط بقوة الناحل”، قالت.
سافرت على الفور إلى الشمال. بلغوني وأنا على الطريق بأن “دخولك مع الناحل ألغي، وعليك أن تدخل مع اللواء الكسندروني”. نقطة دخولهم في قرية “زرعيت” التعاونية.
الكسندروني هو لواء احتياط شمالي مبني على خريجي “جفعاتي” و”غولاني” و”ناحل” والمظليين. قطعت غرباً. هبط الليل على الجليل دفعة واحدة، مثلما في أزمنة السلام. لم أرَ الناس في الظلام. هو ظلال فقط. كان قائد اللواء، شلومي كوهن، منشغلاً في تنظيم الأمور. عندما رآني قال، أدخلوه إلى “أخزريت”. وأخزريت هو لقب ألصق بمجنزرة ثقيلة، بنيت على هيكل دبابة T55 من الغنائم السوفياتية. التحصين معقول، أما السفر ففظيع.
كان الهدف رأس البيضة، وهي قرية جميلة تقع على جرف، والبحر على مسافة 10 كيلومترات شمالي الحدود الإسرائيلية. استغرق السفر إلى هناك ثلاث ساعات ونصف. اجتزنا مروحين، وشيحين، وجيبين، والرجمين. وكانت قوات الجيش الإسرائيلي قد سيطرت عليها في الأيام السابقة، ولكن مقاتلي حزب الله – حزبلونيم كما سمّاهم الجنود – كانوا يطلون في الميدان المرة تلو الأخرى. فحصت قميصي الأزرق وبنطال الجينز الذي كنت أرتديه. قلت لأحد الجنود، حين ننتقل إلى الحركة على الأقدام سألتصق بك. لا تفهمني خطأ: كل ما أريده هو ألا أتلقى رصاصة.
نزلنا من الأخزريت، في قمة الجبل، فوق رأس البيضة. روى الضباط لاحقاً بأن كمينين وضعاني على بؤرة الاستهداف. ولم يطلقوا النار إلا خوفاً من أن يصيبوا الجندي.
نزلت قيادة اللواء في فيلّا لشخص ما يدعى عبد الله عليان، صاحب شركة لإزالة الألغام. طابقان وبستان جميل في الخلف، أصبح غرفة مراحيض للجنود. توجه الرائد ماتي براك، نائب قائد الكتيبة، إلى حافة البستان لقضاء حاجته. ثمة رجل من حزب الله مسلح بكلاشينكوف وقنبلة يدوية كان يقف في الظلام، خلف الشرفة. فتح النار. رد ناتي بالنار. أصيب برصاصتين في كتف يده اليسرى. أما رجل حزب الله فانصرف.
ضجت العيارات النارية في البيت: أولًا القنبلة اليدوية، بعد ذلك الرصاصات “آخ”، صرح ناتي، “ساعدوني”. “يطلقون علينا”، صرخ الجنود. حملوا الجريح إلى الداخل ووضعوه على أرضية غرفة النوم التي كانت الغرفة الحربية. “إيهود، يؤلمني، افعل شيئاً”، صرخ ناتي. الدكتور، مختص في الجراح في بيلنسون، حقنه بالمورفين. تنحنح ناتي. الألم رهيب، كتبت في حينه وتحته المهانة: هو، نائب قائد الكتيبة، بدلاً من أن يساعد الآخرين يستلقي بين أذرع جنوده. بعد ساعة تصل مروحية. تأتي من البحر، تهبط أمام البيت لدقيقة، بينما الجنود يغرقون الدولة بالنار في المحيط.
كان “ناتي باراك” ينجز رسالة دكتوراه في التاريخ والاقتصاد. وعندما بدأت الحرب كان في بريطانيا. صعد إلى الطائرة وتجند. قبل ساعتين من الاشتباك تحدثنا. قال إنه يجب التوجه إلى لبنان بشدة، بكل القوة، وإلا سنفقد قوة الردع. عدنا وتحدثنا عبر الهاتف عندما كان ينزل في مستشفى “رمبام”. ألا تزال مع إدخال قوات كبيرة إلى لبنان، سألته. قال: “أتدري، يجب الخروج حتى لو قالوا هزمنا. يجب الخروج.
خمس عشرة سنة مرت، ود. ناتي باراك مدير مدرسة “يوفاليم” في “أور يهودا”، إحدى المدارس الممتازة في إسرائيل، مفخرة المدينة. 90 في المئة من التلاميذ يجتازون البجروت. في 2020 توج كرجل التعليم المتميز في لواء تل أبيب.
في صيف 2006 جرت مباريات مونديال بطولة العالم لكرة القدم، تماماً مثلما في صيف 1982. في حرب لبنان الأولى. رفع علم إحدى الدول المتنافسة من على كل فيلا في القرية. فر المدنيون وبقيت الأعلام، كعرس بلا ضيوف. في النهاية، فازت إيطاليا ولكن لم يكن للجنود رأس لكرة القدم.
رووا لي الحقيقة؛ وصلوا إلى الوحدة القتالية في عين زيتين ليأخذوا أمتعتهم الشخصية فوجدوها فارغة. كانت هناك تقليصات في الميزانية. فقد كان العتاد مطلوباً في غزة أو النقب. رووا لي عن الماء الذي لم يصل وعن الطعام الذي لم يورد. رفض سلاح الجو إنزال الماء بالمروحيات، ولكن عندما أوشك تسعة جنود على الهلاك عطشاً، اضطر سلاح الجو لإنزال مروحية كي يأخذ ثلاثة منهم وينقلهم إلى المستشفى. رووا بأن العطش والجوع ضيقا عليهم عيشهم، وأنهم سطوا على محل بقالة. وعندما سمعوا عن ذلك هددوهم بمحاكمة عسكرية.
وكانت الشكوى من الأوامر التي لم تكن. “هذه حرب المقاتلين وليست حرب الجنرالات”، قال لي أحد الضباط. روى لي عن مهام تتغير مرة كل بضع ساعات بلا منطق، وعن رسائل مزدوجة، وتملص من المسؤولية.
بعد بضعة أيام خرجت. استغرق السفر في الاخزريت هذه المرة خمس ساعات ونصف الساعة. جنود السرية أعطوني بزة عسكرية، ولكني فرضت شرطاً: أن أهاتف وأسلم على العائلات. كل الطريق من زرعيت إلى القدس قضيتها على الهاتف. ومنعني هذا من أن أغفو. ولم تكن ردود الفعل إيجابية دوماً: لماذا خرجت، ولم يخرج ابني؟ سألتني النساء والأمهات. كانت المشكلة الأكبر الأمهات الروسيات. فهن لم يفهمن العبرية. خفت أن يعتقدن بأن الابن أصيب أو قتل. جندت صديقة أحد الجنود، وكانت تتقن الروسية. كتبت مقطعاً قاسياً جداً عن إدارة الحرب وعن إصرار الحكومة على المواصلة، رغم دعوات وقف النار. “لا معنى للاستثمار في قضية خاسرة”، كتبت. “علاوة، القوات البرية على تلك التي هي عالقة هناك لن تحدث التحول المرجو في الرهان اللبناني. خذ ما يعرضونه عليك يا أولمرت، خذ واهرب”.
في الغداة اتصل أولمرت. شرح لماذا يختلف معي. يقال في صالحه: تحدث بهدوء دون ذرة حماسة. يخيل لي أننا مختلفان في مسألة الحرب اليوم أيضاً.
بعد بضعة أسابيع، كان هناك مؤتمر لالكسندروني، طرح فيه الجنود شكاواهم واتهمهم قائد اللواء اتهمهم بانعدام الدافعية. بعضهم وصل إلى حديقة الورود في القدس للتظاهر من أجل لجنة تحقيق. غضبهم كان حقيقياً. في المحيط ضج السياسيون: الكثير من المال سكب هناك، من مصادر مجهولة. ووفرة شديدة من التلاعبات. اهانوهم في لبنان، استغلوهم في القدس.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت 12/7/2021