إشكالية ضمير المتكلم في السرد غير الطبيعي

تنتهك روايات الخيال العلمي بخاصة، والروايات الخيالية بعامة، أعراف السرد الطبيعي، من خلال توظيف الأفعال في السرد غير الطبيعي. وهذا ما يجعل العوالم القصصية بعيدة عن اتصالية النماذج المعهودة، من خلال سيناريوهات وأفعال غير ممكنة التحقق منطقيا، تجبر القارئ إما على قبول هذه الأفعال غير الطبيعية، توافقا أو بناء وعي للسارد غير الطبيعي بعمليات تفسير واعية ومستمرة مجادلا ومتسائلا أ ومتذكرا أو معارضا.
هذا ما توصل إليه نقاد السرد غير الطبيعي الأربعة جان ألبير وستيفان إيفرسون وهنريك سكوف نيلسون وبراين ريتشاردسون) في كتابهم
(Unnatural Narratives, Unnatural Narratology: Beyond Mimetic Models )2010 وفيه بينوا كيف اختلف بعض المنظرين مثل بانفيلد وباترون وفلودرنيك حول بعض الروايات الخيالية، التي تعتمد في أحداثها على أفعال غير طبيعية، ومن تلك الاختلافات ما يتعلق بطبيعة وجود سارد فيها. ونقلوا عن فلودرنيك رأيها بأن ليس من الضروري وجود سارد داخل النص السردي، إذ يكفي وجود علامات لغوية تشير إلى وجود متحدث (شخص أو عناصر غيبية أو علامات معبرة أو مقدمة أسلوبية) وبالشكل الذي يجعل وجود العلامة دليلا ضمنيا على وجود سارد (خفي) بحركة تفسيرية، منها نستنتج كقراء وجود خطاب سردي لقصة ما يفترض أن يرويها شخص، ويجب أن يكون هذا الشخص ساردا مخفيا، أي صوتا سرديا مندمجا في السرد، وليس عنصرا ظاهرا كبنية مستقلة جنبا إلى جنب بنيتي المسرود والمسرود له.
وهو ما نجده في رواية مذكرات كلب عراقي) 2012 لعبد الهادي سعدون، وفيها المتكلم بضمير الأنا كلب اسمه ليدر، وأمه سابويسو ووالده سلوقي
(في بلد لا أريد أن أذكر له اسما، أجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي كي أدون هذه المذكرات التي مرت من عمري، كما تعرفون، فجنس الكلاب من فصيلتي لا تعيش لأكثر من اثنتي عشرة سنة من سني البشر). ويسترجع الكلب محطات من حياته من أول يوم ولد فيه على ضفة النهر وعلاقته بمدربه المعلم، وكيف صار كاتم أسراره ثم الأحداث العصيبة التي جرت لعائلته وعائلة المعلم وتشرده بعد أن وقع في المصيدة، ومحنة أيام الحبس ولقائه بأخته الكلبة، إلى أن أصبح أول كلب منفي يدوّن مذكراته.
أما توظيف ضمير الغائب في الروايات الخيالية، فعادة ما يجعل الخيال السردي ملحميا من الناحية الواقعية، كما يذهب هنريك سكوف نيلسون، الذي أكد أن استعمال ضمير المتكلم يجعل هذه الروايات أشبه بالسيرة الذاتية مع أنها متخيلة وملحمية، تروى بصوت غير شخصي وأفعال ليست منطقية ولا حقيقية، كأن تروي شيئا ما كان موجودا قبل سرده. وهو ما نجد مثاله في رواية «حرب الكلب الثانية» 2016 لإبراهيم نصرالله، وهي رواية خيالية تسرد بضمير الغائب وتدور أحداثها في المستقبل في عصر الظلام، وفيه الإنسان لا يرى إلا شبيهه أو قاتله و(القلاع هي التي تتحكم في كل كبيرة وصغيرة، وأصبح الرؤساء والملوك والأمراء والأباطرة من مظاهر الماضي). وكل قلعة هي امرأة ببصرها الحاد وبصيرتها الشاسعة تعلم بكل شيء وقد تخلص الروائي باستعماله ضمير الشخص الثالث من إشكالية توظيف ضمير المتكلم.

استعمال ضمير المتكلم يجعل هذه الروايات أشبه بالسيرة الذاتية مع أنها متخيلة وملحمية، تروى بصوت غير شخصي وأفعال ليست منطقية ولا حقيقية، كأن تروي شيئا ما كان موجودا قبل سرده.

وما إشكالية توظيف ضمير المتكلم في السرد غير الطبيعي، سوى مظهرية السارد وقد بدا (غير موثوق فيه) أو (مجنونا) بمقاييس السرد ​الطبيعي، لأن الجمل تُسند إليه بوصفه هو الشخصية الناطقة والفاعلة، والعالم السردي قائم وحاصل بوجود (أنا) مثل الأشجار أو المنازل أو السفن الفضائية مضمنة مع عناصر التخييل السردي، وتتكلم بضمير الشخص الأول. وفي رواية «مذكرات كلب عراقي» نجد أن الرواية، وعلى الرغم من أنها تبنى على ضمير المتكلم، فإن هناك مواضع سردية تدلل على وجود سارد آخر ـ هو ليس المؤلف ولا هو السارد بضمير الشخص الثالث ـ يختفي خلف السارد الذاتي ومتضمن فيه، ويستشعر وجوده من لا معقولية أن تكون ذاكرة غير عاقلة قادرة على التدوين أو تكون مختزنة لمعلومات أدبية تتعلق بالروايات الكلاسيكية مثل «حوار كلاب» لثربانتس سافيدرا، وروايات الصعاليك فضلا عما يذكره الكلب من معلومات عن أصناف الكلاب وأجناسها وأماكن تواجدها والخاتمة الفلسفية التي ختمت بها الرواية «كان العمر كله تجربة مستمرة لا تتوقف وأن هناك من يهبك عبرها فرصة الحياة وكلك امتنان له، وهناك من يهبك المعنى الحقيقي لحياتك تلك وهذا هو الذي لا يمكنك نسيانه أبدا».
وما ساعد على تمويه وجود هذا السارد الخفي العلامات الاتصالية والتعبيرية والأسلوبية التي حرص السارد على استعمالها مثل استعمال مفردة النباح «أنبه الجميع إلى وجودي بأن أنبح». وتوظيف الأوصاف التي تصنع وجهات نظر مأخوذة من عين الكلب السارد (نبحت/ هززت ذيلي/ يلحسان بعضهما/ رحت أنبح/ كان نصيبي نصف أرنب مطبوخ) أو توظيف السارد الغائب بضمير(هو) وعادة ما يسبب ظهوره بعض اللامعقولية أيضا، كأن يسند إلى الكلب قدرات خارقة مثل استشعاره الخطر عند سماعه مفردة الديمقراطية أو الديكتاتورية «كان ينبح حتى شك أحد الشخوص فقال للمعلم، بت أشك بان كلبك هذا مندس ويراقب ألسنتنا».
وإذا عددنا هذا النوع من الروايات قليلة واستثنائية بالقياس إلى الروايات ذات السرد الطبيعي، فإن الاهتمام بها يغدو محدود النطاق، يكاد لا يتجاوز منظريه الأربعة، الذين يرون أن دراسة الروايات الخيالية وروايات الخيال العلمي، لاسيما تلك المسرودة من منظور الشخص الأول، ما زال بحاجة إلى الدراسة كي تحتل لها مكانا في نظرية السرد.
وعلى الرغم من وجود نماذج روائية عالمية مهمة لكتاب مثل إسحق عظيموف وراي برادبري وأورسولا لي غوين وغيرهم، فإن النقاد الأربعة اتخذوا من قصة قديمة كتبها إدغار آلان بو عام 1843 بعنوان «حكاية قلب Tale Heart Tell-» مثالا تحليلا وفيها كشفوا بمقاربة تحليلية أن مقاييس السرد غير الطبيعي تختلف تماما عن مقاييس السرد الطبيعي.
فهذه القصة لا تتحدى القارئ بوجود سارد غير عاقل في السرد، وإنما هي أيضا تتطلب منه التمييز بين متن السرد وعنوانه الذي يخبرنا أن قلب الرجل الميت هو الذي يثرثر بضمير المتكلم.
وقد فسّر نيسلون العنوان بأن القلب يتكلم كصفة للشخص الذي يروي الحكاية، أو الذي يشغل المركز من سرد الحكاية «قلبا منبثا هو حكاية قلب». وقد أثار التناوب في زمن الأفعال بين الماضي والمضارع اهتمامه كهذا المقطع من القصة «هل من الممكن أن يسمعوا أم لا؟ يا الله القدير! لقد سمعوا، شكوا، كانوا يعلمون، كانوا يسخرون من رعبي. هذا ما اعتقدته، وهذا ما أعتقده. لكن أي شيء أفضل من هذا العذاب، كان أي شيء أكثر قابلية للتحمل من هذا الخداع! لم يعد بإمكاني تحمل تلك الابتسامات المنافقة! شعرت بأنه يجب أن أصرخ أو أموت، والآن مرة أخرى، أشارك بصوت أعلى «الأوغاد» صرخت بصوت أعلى، بصوت أعلى، بصوت أعلى» واجدا فيه دلالة على اندماج زمن السرد داخليا، وعدم تمايزه خارجيا عن زمن القصة، إذ لا وجود لسارد تسند له الكلمات وينتمي إلى الزمن الحاضر/ زمن القصة، هذا فضلا عن تعارض نهاية السرد بحركتين متضادتين تأتيان مباشرة من القلب، أولهما هادئة من ناحية قوله «لاحظ.. كيف يمكنني أن أخبرك بالقصة كاملة بهدوء» والثانية من ناحية التشظي بالمفاجآت والمفارقات. وبما يجعل إيقاع السرد مضطربا وغير مستقر بـ(إيقاع شبه خانق على القارئ وهو يلهث بحثا عن الهواء) وتزداد وتيرة الضوضاء وتبلغ ذروتها عند الانقباض المدوي الصافي في الختام «صرخت بصوت أعلى! بصوت أعلى! بصوت أعلى».
وإذا كان القلب هو الذي يتولى سرد القصة، فإن نبضات القلب ستصبح بطريقة غير منطقية مسموعة تحكي قصة القلب الذي لم يعد مرئيا، لكن صوته ما يزال موجودا في جميع أنحاء النص، نستمع إليه يصرخ ويغدو ما يقال بشكل مباشر في السرد بزمن المضارع، يقال أيضا بشكل غير مباشر بزمن الماضي.
وعلى الرغم من هذا التفسير فإننا نجد أن الإشكال يظل قائما حول التعارض بين الوضع الطبيعي للسرد القصصي وما يشتمل عليه من زمنين هما زمن السرد وزمن القصة، وبسارد ظاهر يتحدث بضمير المتكلم وبين سرد يخرق هذه الاستراتيجية بزمني الماضي والحاضر، فيكون السارد (رائيا ومرئيا ) حيث المحكي هو المخبر ذو العين الناظرة بضمير «أنا « وبما يجعل الأمر غامضا في تحديد من هو المتكلم.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية