غزة: النازحون يفقدون الأمل بعد تراجع الاهتمام العربي والدولي بملف إعادة الإعمار

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

انتهت الحرب الإسرائيلية الرابعة على غزة بعد مرور شهرين على التوالي، لكن معاناة آلاف المشردين الذين دمرت طائرات الاحتلال منازلهم لم تنته بعد، فعدم ظهور أي بوادر حول إحراز تقدم ملحوظ في ملف إعادة إعمار غزة في ظل توتر الخلافات بين الأطراف المعنية داخلياً وخارجياً، بدد آمال وتطلعات المواطنين خاصة في ظل فرض إسرائيل مزيداً من التضييق على سكان قطاع غزة، من خلال الاستمرار في إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات المالية للأسر الفقيرة.
ومنذ توقف الحرب الإسرائيلية على غزة في 21 أيار/مايو الماضي، دخلت كل من حماس ومصر في مشاورات حول ملف إعادة إعمار غزة، بينما فرضت إسرائيل شروطها وتمسكت السلطة بأحقيتها بالإدارة المادية للملف، ولكن جميع التفاهمات وصلت إلى طريق مسدود بسبب عوائق متعددة، تحول دون إمكانية إعادة إعمار غزة قريباً بعد احتدام الصراع بين حماس والسلطة على هذا الملف.
وعكفت إسرائيل بعد ضغوط من الوسطاء المصريين والأمميين على الحكومة الجديدة، على تقديم تسهيلات مؤقتة لسكان قطاع غزة، تمثلت في فتح المعابر الحدودية بين الجانبين وإعادة نقل البريد وتوسيع رقعة الصيد، وجاءت هذه الخطوة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين، فيما لم تشمل التسهيلات الإسرائيلية، السماح بإدخال الأموال المخصصة للمشاريع الإغاثية التي يعتمد عليها نحو ربع سكان القطاع، كذلك لم يتم إدخال المواد الخاصة بإعادة إعمار غزة، إضافة إلى منع دخول 10 آلاف شاحنة محملة بالبضائع إلى غزة.
ولا تبشر الأوضاع القائمة في غزة إلى وجود ما يمهد إلى نية حقيقية من مختلف الأطراف لإتمام ملف الإعمار، لأن الإجماع الأمريكي والإسرائيلي حتى الدولي يرفض تولي حماس ملف الإعمار، ويقدم السلطة كبديل على ذلك وسط رفض قاطع من قبل حماس، ولكن هذا الضغط من قبل الأطراف يجعل موقف حماس ضعيفاً، على اعتبار أن أي اتفاق لن يمر من دون موافقة أمريكية إسرائيلية.

تغيير المعادلة

ووفق خبراء عسكريين إسرائيليين فإن الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل، تصر على تغيير المعادلة القائمة أمام حماس في غزة، فالموقف الإسرائيلي الآن يتمثل بعدم إدخال أي أموال لإعادة إعمار قطاع غزة إلا من خلال السلطة الفلسطينية، ومن الناحية العملية إلى حين التقدم في قضية الأسرى الإسرائيليين المحتجزين بغزة، فلن يتم الحديث عن إعادة إعمار ولن يتم إدخال أي بضائع لغزة باستثناء بعض المعدات الإنسانية، كما أن السلطة الفلسطينية باتت تدرك بأن إبعادها عن ملف إعمار غزة، سيؤسس لمرحلة جديدة قد تفقد من خلالها ثقة المجتمع الدولي والدول المانحة، لأنها ستفقد بذلك جزءاً من شرعيتها في تمثيل الكل الفلسطيني.
وقال الكاتب والمحلل السياسي سعيد زيداني إن إسرائيل إلى جانب تكريس معاناة المواطنين في قطاع غزة بإلحاقها الدمار والخراب بمنازلهم وممتلكاتهم، قد كرست الإنقسام الفلسطيني مجدداً، بعد أن أشعلت الخلافات بين حماس وفتح حول آلية إدارة ملف إعمار غزة، ونتيجة لذلك بات من الصعب جلب الأموال من الخارج وتوصيلها إلى المتضررين للتخفيف من معاناتهم.
وبين زيداني لـ«القدس العربي»: أن هناك تراجعاً ملحوظاً في الاهتمام الدولي حول ملف إعمار غزة، فبعد مرور أشهر على وقف العدوان لا يوجد شيء على أرض الواقع يوحي بوجود نوايا حقيقية وقريبة للبدء بإعادة إعمار غزة، وهذا زاد من امتعاض المواطنين وأصحاب المصانع الاقتصادية المدمرة والمتوقفة عن العمل.
وأشار إلى أن الأوضاع السياسية الداخلية في قطاع غزة، لا تزال أحد عوامل تراجع إحراز تقدم هذا الملف، فالاشتراطات التي حددتها السلطة بمرور أموال الإعمار عبرها، تعد أبرز الأسباب التي أدت لتعطيل وتأخير ملف الإعمار، وزادت من حدة التراشق والاتهامات بين حماس وفتح.
ولا يستبعد المحلل السياسي أن تواجه غزة معاناة أصعب من التي تعيشها، كون أن المعطيات الحالية ترجح بعودة قريبة للتصعيد مجدداً مع إسرائيل، في ظل عدم وجود رغبة من قبل إسرائيل للتخفيف من معاناة سكان غزة، والسماح بادخال أموال المساعدات المخصصة، في ظل تزايد معاناة الآلاف من الأسر التي دمرت منازلها في الحرب الأخيرة وتنتظر إعمار بيتوها.

مأوى آمن

وتزامناً مع استمرار وضع إسرائيل عقبات أمام أي حلول تخفف من معاناة سكان غزة، باتت تعيش عشرات الأسر من أصحاب المنازل المدمرة في ظروف مأساوية صعبة، فغالبية الأسر لم يحالفها الحظ في الحصول على مأوى آمن كغيرها من العائلات، التي مكنتها ظروفها المالية من استئجار منازل آمنة في ظل غياب أي حلول حول إعادة ترميم منازلهم المدمرة، والخوف يزداد من خطورة تعرض العديد من الأسر التي تسكن فوق ركام منازلها من تعرضها للخطر، نتيجة وجود بقايا من مخلفات الاحتلال لم تنفجر بعد.
ودمر الاحتلال بطائراته خلال العدوان الأخير خمسة أبراج سكنية بشكل كامل، بينما ألحق القصف العنيف أضراراً كبيرة بالعديد من الأبراج الأخرى، كما دمر الاحتلال عددا من البنايات السكنية والتي بلغت 156 بناية وتضم هذه البنايات ما يقرب من 1174 وحدة سكنية، وغالبية سكان هذه البنايات أصبحوا بلا مأوى وتحت أشعة الشمس الحارقة، بعد أن باتوا ضحية الخلافات السياسية القائمة والتي تعيق إيجاد أي حلول قريبة للبدء بإعادة بناء منازلهم، أو حتى تقديم الدعم المالي لهم للحصول على مأوى مؤقت.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في غزة إن الوضع في القطاع معقد للغاية بسبب النزاع السياسي القائم، في حين إن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة أدت إلى تشريد أكثر من 52 ألف فلسطيني، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من المواطنين نزحوا في الأيام الأولى من العدوان إلى 58 مدرسة تديرها الأمم المتحدة في قطاع غزة، ولكن بعد وقف العدوان أخليت هذه المدارس من النازحين، وغالبية كبيرة منهم يقطنون فوق ركام منازلهم المدمرة، لعدم تمكنهم من إيجاد مأوى بديل.

خيمة صغيرة

لا يكترث المواطنون كثيراً بإعادة بناء منازلهم المدمرة، بقدر ما هم بحاجة إلى مأوى يسكنون فيه مؤقتاً في ظل الحر الشديد وغياب أي حلول قريبة، فالأوضاع الاقتصادية الصعبة في غزة تحرم العديد من المتضررين من إمكانية استئجار منازل من جيوبهم الخاصة، نظراً لارتفاع تكلفة الإيجار الشهري مقارنة بمعدل دخل الأسر، فهذا الأمر يحتاج إلى مساندة من قبل مؤسسات إغاثية ودولية، ولكن المتضررين في أعقاب العدوان فقدوا الدعم الكافي.
المواطن حاتم الفيراني دمرت طائرات الاحتلال منزله المكون من طابقين، يحاول أن يجمع من ركام منزله بعض الحجارة الكبيرة، ليبني منها قاعدة يقيم عليها خيمة صغيرة يعيش فيها برفقة عائلته المكونة من 9 أفراد، فهذه الأسرة فقدت مأواها الوحيد ولم تجد مكاناً تسكنه، خاصة وأن العائلة تعيش أوضاعا مادية صعبة، ولا يجد رب الأسرة مصدر دخل ثابت يمكنه من استئجار منزل إلى حين البدء بإعمار منزله، حيث أن هذه الخطوة باتت الوحيدة أمام هذه العائلة، بعد أن فقدت الأمل في إعادة بناء منزلها بشكل سريع أو توفير مساعدات مالية كافية لها.
يقول الفيراني (47 عاماً) والذي أقام خيمة لا تكاد تحميه من حر الصيف بجانب منزله المدمر في حي الصبرة وسط مدينة غزة في حديثه لـ«القدس العربي» أن تدمير منزله شكل له كارثة إنسانية، فلا أحد سواء من الحكومة أو الجهات المختصة يقدم مساعدات مالية كافية تمكنه من الحصول على منزل مؤقت، فالأونروا هي الجهة الوحيدة التي قدمت له مبلغ1500 دولار ولمرة واحدة فقط، كما أن فقدان أمله بإعادة بناء منزله نتيجة تعثر ملف إعمار غزة، أجبره على البقاء بجانب بيته كحل وحيد أمامه، متخوفاً من قدوم فصل الشتاء وهو على هذا الحال في ظل صعوبة التوافق حول آلية معينة للبدء بالإعمار.
وحمل المواطن الفيراني الحكومة الفلسطينية في غزة، مسؤوليتها في التقاعس عن تقديم الدعم والتعويض المبدئي للمتضررين، سواء من خلال صرف مبالغ بدل إيجار شهري أو توفير شقق سكنية للذين فقدوا حقهم في الحصول على مأوى بسبب ظروفهم الصعبة، إلى حين إحراز تقدم في ملف الإعمار والمباشرة في إعادة بناء المنازل المهدمة.
وتزداد المعاناة أكثر لدى بعض المواطنين المشردين، الذين لديهم فتيات في عمر متقدم إلى جانب وجود حالات مرضية داخل بعض الأسر، ووجودهم داخل الخيام على قارعة الطرق أمام المارة يعد أمراً صعبا، خاصة وأن الفتيات والمرضى بحاجة إلى أجواء معيشية ذات خصوصية عالية، ولكن هذا الحال باتت تعانيه الكثير من العائلات، التي باتت مرغمة ومجبرة على هذا الحال بسبب غياب أي حلول أخرى أمامها.
فالمواطن عاطف ورش أغا (56 عاماً) يعاني وأسرته من ظروف إنسانية قاهرة، ويفتقد لكل أشكال الاستقرار والأمان بعد قصف منزله من قبل مدفعية الاحتلال في منطقة الندى شمال قطاع غزة، يقول لـ«القدس العربي»: «بعد تدمير منزلي في أول أيام العدوان توجهت للمكوث في مدرسة تابعة للأونروا، وعشت ظروفا سيئة داخل المدرسة لعدم تقديم أي دعم خاصة المستلزمات الأساسية من الأكل والشرب، وبعد انتهاء العدوان بأسبوع قامت إدارة الأنروا بإخلاء جميع النازحين من المدرسة، وأقدمت على بناء منزل صغير من الصفيح لا يصلح للعيش الآدمي، فباب البيت لم يغلق بإحكام كما أن القوارض والحشرات أصبحت تعيش معنا في ذات المكان، عدا عن درجة الحرارة العالية التي يعكسها الصفيح على الأسرة، ويحرمها من العيش في ظروف صحية سليمة وآمنة».
وكان وكيل وزارة الأشغال في غزة ناجي سرحان قد ذكر في تصريحات صحافية، أن الحكومة في غزة والجهات المختصة لم تصلها أي مبالغ مالية لإعادة الإعمار من المانحين، وكل ما في الأمر تبرعات من عدة دول عربية لا يكفي توزيعها على جميع المتضررين، لافتاً إلى أن هناك أملا بأن تدخل هذه الأموال قريباً حتى يشرعوا على الفور في إعادة الإعمار.
ووفق وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، فإن نحو 1800 منزل تم تدميره كان يعيش فيها نحو 63 ألف مواطن، والآن باتوا مشردين دون مأوى ولم يتم إعادة بنائها أو ترميمها بعد الحرب الإسرائيلية على القطاع، بينما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة بشكل جزئي 16800 وحدة سكنية، ونتيجة لهذا الخراب والدمار اضطر ما يقارب من 50 ألف مواطن للنزوح إلى مراكز الإيواء، وأكثر من 70 ألفا نزحوا إلى خارج هذه المراكز، والخوف يزداد لدى المواطنين من عدم تنفيذ عملية إعادة الإعمار وعرقلة كافة الجهود المبذولة، خاصة وأن الصراع على ملف الإعمار قد يؤدي إلى تأجيله عدة أشهر، وهذا سيزيد معاناة المواطنين في ظل اشتداد الحصار الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية