حساب ختامي لمعرض القاهرة للكتاب… شهادة وفاة الدورة 52!

جاء التعبير البليغ عن حصاد الدورة 52 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب على لسان أحد الناشرين، مُعبراً عن استيائه، حيث قال في وصفه للمعرض «كأنه لم يكن» ويقصد الناشر أن الدورة 52 هذا العام، والتي أقيمت في ظروف غير عادية، خيبت الآمال بعد أن كتب القائمون عليها شهادة وفاة الكتاب المصري في الدورة المُفلسة، التي هبطت بُمعدلات البيع والتوزيع إلى الحد الأدنى بشكل غير مسبوق على مدار 52 عاماً من تاريخ المعرض الدولي الثقافي الكبير.
فرغم الحديث عن الاشتراك المُكثف للدول العربية الشقيقة، ودور النشر الكبرى التي ساهمت بعدد كبير من الإصدارات الحديثة في مختلف التخصصات والمجالات، إلا أن المبيعات لم تغط ربع التكلفة الفعلية للطباعة والتوزيع والشحن وحجز الأماكن، ولم تُعوض نسبة المُرتجع من الكتب التي تضاعفت تكلفتها نتيجة الشحن للمرة الثانية، لعودتها إلى موطنها الأصلي بعد الفشل في بيعها بأسعار زهيدة، حتى أن مجموعة من الناشرين أقدموا على إهداء عدد كبير منها لتخفيف عبء التكلفة المالية والتخلص منها.
هذا الأمر أدى إلى وجود تذمر بين الناشرين، لم يخفف حدته غير إعفاء الحكومة المصرية دور النشر من نسبة كبيرة من رسوم الحجز والمشاركة والإيجارات، وصلت إلى نحو 40% تقريباً، بعد الإدراك الفعلي للأزمة التي أنكرها البعض في بداية انطلاق الدورة الثانية والخمسين التي انتهت رسمياً يوم الخميس الماضي، ولم تفلح إجراءات المد لعدة أيام أخرى في تدارك المشكلة وتعويض الخسارة المالية الكبرى للناشرين، بسبب اقتراب أيام عيد الأضحى وانشغال معظم الرواد في توفير مُتطلبات العيد والاستعداد لشراء الأضاحي، وهو الجانب الذي لم يأخذه المسؤولون في الاعتبار، رغم تأثيره الشديد في أزمة البيع والشراء وتداول الكتاب.
لقد أدت الأزمة هذا العام إلى التشكيك في ما أكدته بعض المصادر حول وصول عدد الرواد في معرض القاهرة الدولي للكتاب في النصف الأول من الأسبوع الثاني إلى مليون زائر، فلو أن هذه الإحصائية دقيقة لكان عدد الرواد قد وصل في نهاية فترة المعرض، وهي خمسة عشر يوماً إلى مليونين من الزوار، وهذا لم يحدث، والدليل هو التراجع المُزري في نسبة المبيعات وعدم وجود زيادة في نسبة التذاكر المحجوزة إلكترونياً، حسب ما ذكرته مصادر عليمة من داخل المنظومة الثقافية، التي كذّبت ما تم التصريح به حول نجاح الدورة واختلافها الجوهري بشكل إيجابي عن الأعوام السابقة. وقد دللت المصادر ذاتها على دقة كلامها مؤكدة، أن كل الأسباب المؤدية للفشل توافرت للدورة الفائتة من المعرض، ومن ثم جاءت النتائج منطقية، حيث أن انطلاق الدورة 52 واكب ظهور نتيجة الشهادة الإعدادية، وانشغال الطلاب بتقديم أوراقهم للمرحلة الثانوية واختيار المدارس المناسبة لمجموعهم، وهي الدورة الصعبة في مدارات التنسيق والقبول، والاعتماد، وخلافه، وكذلك تزامن توقيت بدء فعاليات معرض القاهرة للكتاب مع امتحانات الثانوية العامة، وهي المسؤولية الأكبر على الطلاب وأولياء الأمور، وقد مثلت نسبة طلاب الثانوية العامة عدداً وفيراً ومؤثراً، هذا بخلاف طلاب شهادات التعليم الثانوي الفني، الذين شكلوا أيضاً نسبة غير قليلة طُرحت بالضرورة من عدد رواد المعرض، ناهيك من المصايف والرحلات، والنسبة الكبيرة للمُصطافين والمُتنزهين خارج العاصمة، والمفقود بفضلها عدد لا بأس به من جمهور الثقافة المُتفاعل مع القراءة والكتاب والأنشطة التي غابت تماماً عن الدورة اليتيمة للكتاب المصري والعربي في أرض المعارض النائية بالتجمع الخامس.
كل هذه الأسباب شكلت مُعطيات الأزمة الكبرى في الدورة غير المدروسة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، التي سبقتها عناوين كثيرة للدعاية في محاولة لإنقاذها من الفشل بغير جدوى، إذ أن سوء التخطيط والتوقيت لم يتركا فرصة لأي نجاح مُحتمل، غير أن الإصرار على إقامة الفعاليات في غير موعدها، لم يحفظ للمعرض مكانته ولم يضمن استمراره، بل على العكس أدى إلى فقدان الثقة فيه، وضرب بكل الاستعدادات والترتيبات عرض الحائط، فلم تصلح عملية الدمج السياحي الثقافي ولا المُتاجرة بشعار الحضارة المصرية القديمة، ولا الاعتماد على وعي المواطن بقيمة الثقافة وأهمية القراءة، في خلق مجال للنجاح القسري لدورة فريدة في توقيتها وسماتها وظروفها عن دورات المعرض السابقة وربما اللاحقة، لو قُدر أن تستمر دوراته في الأعوام المُقبلة، فما جنى على الثقافة المصرية أحد، وإنما جنت على نفسها جراء الاهتمام بالشكل على حساب المضمون!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية