التواصل الإنساني والخداع الحواري الإعلامي

يعرّف شارلز كولي التواصل بأنه: الميكانيزم الذي بواسطته توجد العلاقات الإنسانية وتتطور، وهو يتضمن كل رموز الذهن، مع وسائل تبليغها عبر المجال، وتعزيزها في الزمان. ويتضمن أيضا تعابير الوجه، وهيئات الجسم، والحركات ونبرة الصوت والكلمات، والكتابات والمطبوعات، والقطارات والتلغراف والتلفون، وكل ما يشمله آخر ما تم التوصل إليه في الاكتشافات في المكان والزمان.
والتواصل يتخذ طرائق عديدة، منها: التواصل اللفظي الفردي بين فرد وآخر؛ لمحاورته أو إقناعه أو إيصال فكرة أو معلومة له، ووسيلة ذلك هي الألفاظ.
وهناك التواصل اللفظي الجماعي، فالإنسان قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بقومه وجماعته من حوله، وهو ضعيفٌ إذا نظر لذاته فقط، لكنه قويٌ إذا كان وسط مجتمعه الصغير، أو الكبير، فلا وجود لإنسان بلا جماعة بشرية معه تأخذ بيده، يتواصل معها ويتواصلون معه، ويتحقق العيش المشترك بينهم. كما يمكن أن يكون التواصل كتابيا، فرديا أو جماعيا.
ولكي تتضح الصورة أكثر، فإن علم الاتصال ينظر إلى التواصل على أنه متعدد متنوع، فيمكن الحديث عن أنواع عدة من التواصل الإنساني والآلي والسيميائي (علم العلامات) ويخرج منها: التواصل البيولوجي، والتواصل الإعلامي، والتواصل الآلي، والتواصل السيكولوجي، والتواصل الاجتماعي، والتواصل السيميوطيقي، والتواصل الفلسفي، والتواصل البيداغوجي، والتواصل الاقتصادي، والتواصل الثقافي، ودون الغوص في تفاصيل هذه الأنواع، وماهيتها، نلاحظ أنها جميعا يمكن ترابطها في عملية اتصال واحدة، ويمكن أن يستفيد منها الحوار بأشكال مختلفة، بل سيكون الحوار تطبيقا مباشرا لها، فمثلا التواصل الإنساني والآلي والسيميائي، مصطلحات ليست متضادة، أو متنائية عن بعضها بعضاً، فيمكن أن يتم التواصل بها، عبر حوار مفتوح في قناة فضائية أو على أحد مواقع الإنترنت المخصصة للنقاشات الحرة المفتوحة، وبالطبع فإن الحوار سيكون منظّما ومرتبا، وفي نقاط، وهناك من يقود الحوار ويوجهه، وهناك بيئة مادية توفّر سياقات وإشارات وعلامات للمشاركين في الحوار، وكل هذا يتم، وقد لا ينتبه المتحاورون له، وكذلك من يشاهد الحوار عبر أجهزة التلفزيون أو من خلال البث المباشر أو المسجل.
الشاهد هنا، أن هذه البيئة الحوارية/ التواصلية، سترسخ أمورا نفسية بعينها لدى كل الحضور والمتابعين، فإذا كنا مثلا نتحاور حول قضية فلسطين، وكان الحوار في محطة أمريكية، منحازة ضد الحق الفلسطيني، سنجد أن من يقود الحوار سيتظاهر بالموضوعية التامة، ويعطي الأطراف المتحاورة والمتضادة الفترة الزمنية بشكل عادل، لكنه سيقدم أسئلة ونقاطا تؤيد وجهة نظره المسبقة، بما يقود الحديث نحو التعاطف مع اليهود، الذين عادوا أخيرا إلى وطنهم بعد شتات دام أكثر من أربعة آلاف سنة، وجمعت أرض فلسطين، أرض آبائهم، بقايا من نجوا من مذابح هتلر، وأفران الغاز التي ألقي فيها باليهود أحياء: رجالا ونساء وأطفالا، وسيتم ذكر هذه المعلومات في سياق تقرير أولي، مع وضع خريطة في الاستوديو، مثبتة فيها إسرائيل كدولة لها حدود معترف بها، مع إشارة بسيطة إلى قطاع غزة والضفة الغربية، بوصفهما أماكن تجمع للفلسطينيين، وهذا يكفيهم.
يمكن أيضا التأثير أكثر، من خلال اختيار الشخصيات المتحاورة، فيأتي بشخصيات يهودية أو متعاطفة مع اليهود، ذات أصوات وتعبيرات وجوه مؤثرة، ولديها كاريزما في النقاش، وثراء في المعلومات. وفي الوقت نفسه، يأتي بشخصيات أقل في المعلومات، وتفتقد لنبرة الصوت ولغة الجسد، لتتحدث عن حق الفلسطينيين، وسنلاحظ أن الحوار ينتهي بالتعاطف الإنساني الأكبر مع اليهود المضطهدين، الناجين من الهولوكست، والذين استطاعوا إنشاء دولة ديمقراطية، في محيط عربي لا يعرف ماهية الديمقراطية ولا يطبقها. أما الحق الفلسطيني، فلن يخرج عن كونه قضية إنسانية، يمكن حلها من خلال تعاون المحيط العربي مع إسرائيل، باستيعاب جزء من اللاجئين وتوطينهم في الأراضي الصحراوية الواسعة في الدول العربية، أو بمشاركة دول العالم التي استضافت الفلسطينيين، ومنحتهم اللجوء السياسي والإقامة الدائمة والجنسية.

أما علاقة التواصل بالحوار، فإن التواصل أعم من الحوار، إلا أن الحوار أساس فيه، وإن اندرج تحته، فمن المعلوم أن التواصل يهدف إلى وظيفتين: الأولى: معرفية: تتمثل في نقل الرموز الذهنية، وتبليغها في الزمان والمكان، بوسائل لغوية وغير لغوية، والثانية تأثيرية وجدانية: تقوم على تمتين العلاقات الإنسانية، وتفعيلها على مستوى اللفظي وغير اللفظي.

إذا طبقنا على المثال السابق، مفاهيم نظرية التواصل في علاقتها مع علم الاتصال؛ سنرصد أنها قد طُبقت حرفيا، وبشكل احترافي، من خلال تواصل حي حول قضية فلسطين وإسرائيل، وعبر عملية حوارية مباشرة بين مؤيدي الجانبين، لكن هناك عشرات الرسائل غير المباشرة التي ترسخت في وجدان المشاهد، منها تعزيز صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية حديثة، وكواحة للحريات، وأنها أمل اليهود المتحقق بعد الشتات في الأرض، ثم حصر القضية الفلسطينية في كونها مشكلة إنسانية، على العرب المساهمة في حلها، ولا مانع لدى إسرائيل من التعايش مع الفلسطينيين، لكن المشكلة في الأعمال العدائية/ الإرهابية التي يقوم بها الفلسطينيون، وطبعا تم التطرق إلى حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، إزاء الإرهاب الفلسطيني، المغطى بطابع ديني.
أما علاقة التواصل بالحوار، فإن التواصل أعم من الحوار، إلا أن الحوار أساس فيه، وإن اندرج تحته، فمن المعلوم أن التواصل يهدف إلى وظيفتين: الأولى: معرفية: تتمثل في نقل الرموز الذهنية، وتبليغها في الزمان والمكان، بوسائل لغوية وغير لغوية، والثانية تأثيرية وجدانية: تقوم على تمتين العلاقات الإنسانية، وتفعيلها على مستوى اللفظي وغير اللفظي.
كلتا الوظيفتين تهدفان إلى تقوية العلاقة بين الأطراف المتواصلة، وإذا دمجنا بين الوظيفتين في منظور الحوار، سنجد أنهما تسعيان لنقل الرموز الذهنية، وهو مصطلح عام، يشمل الفكر اللفظي وغير اللفظي، وتترتب عليهما، آثار نفسية عديدة. وهو جزء من استراتيجيات الحوار وعلاماته، بمعنى أن الحوار لا يقتصر على نقل أفكار بعينها، وترسيخ قناعات مستهدفة، وإنما الأمر يتجاوز ذلك، إلى إحداث تأثير في وجدان المتحاورين، من خلال تقديم بيئة مادية مدعومة بتقنيات صوتية أو مرئية، أو مرسومة أو مطبوعة؛ من أجل تحبيب المتحاورين في الموضوع المطروح، حتى لو لم يحدث اقتناع من قبل الحاضرين، فإن التأثير غير المباشر سيأتي أكله ولو بعد حين.
ويعدّ الحوار الوسيلة الأولى في دعم التواصل، وأن ميادين التواصل الحقيقية تشمل قضايا الفكر والثقافة والاجتماع، عبر سائر الأنشطة والفعاليات.
والحوار حاضر في كلا النمطين من التواصل: اللفظي/ الشفاهي، والمدون/ المكتوب، وكما تحقق قديما في المجتمعات الإنسانية بالتحاور والنقاش والخطابة والمناظرات والرسائل المكتوبة المتبادل، وأيضا في الكتب المسطورة؛ فإنه يتحقق أيضا في العصر الحديث بالوسائل السابقة، مع الوسائط الحديثة، التي تتيحها مختلف عناصر الاتصال المرئية والمسموعة والمنشورة، فالحاضر مبني على المنجز في الماضي ويضيف عليه.
وهي أمور لا غنى عنها في الحوار، بوصفه وجها معبرا عن التواصل من جهة، ووسيلة أساسية له من جهة ثانية، مثل حركات الجسم، وأمارات الوجه، ونبرات الصوت، بجانب التأثيرات الطباعية في التواصل الكتابي، أو التواصل عبر التقنيات الحاسوبية وعالم الإنترنت، وكلها طرق موازية للحوار والتواصل في آن، بل أضحت ضرورة في ما يسمى البيئة المادية اللازمة لأي حوار أو تواصل.

أكاديمي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية