لكل توجّه منهما مسلكه الخاص وأفقه الحيوي: قراءة النص الأدبي بين النصية والنظرية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

لا أريد أن أفرق تفريقا واضحا بين نوعين من النقاد أو نوعين من المقاربة النقدية: الأول يعتمد في قراءة النص الأدبي على منطلقات النظرية وتطبيقها بحذافيرها أو في البحث في النص عما يتساوق مع أسس اشتغالها ومحدداتها في أطرها العامة، مما يجعل المقاربة شبه ثابتة، والآخر منفتح على النصوص، مشدود إلى العمل الأدبي على تنوعه، وانفتاحه على السابق واللاحق.
أريد -فقط- تأمل هذين التوجهين، وطبيعة المنطلقات أو العكاكيز التي يستند إليها أقطاب كل نوع أو توجه، ومدى تأثير هذه المنطلقات في قراءة النص الأدبي، مما يجعلنا نوقن أننا أمام توجهين في القراءة، لكل توجه منهما مسلكه الخاص، وأفقه الحيوي، وحيزه الذي يتشكل في إطاره. الفارق بينهما ليس -بالضرورة- فارقا بين نقاد أو منظرين يقومون بالدرس الأدبي والنقدي، وإنما في بعض الأحيان قد يكون فارقا بين مرحلتين أو شكلين مختلفين للممارسة، حيث يمكننا أن نجد ناقدا في مرحلة من مراحل اشتغاله وممارسته قابضا على النظرية متدثرا بها، ونراه- الناقد ذاته- في مرحلة أخرى يتعاظم على حدودها وأطرها، مما يجعل الأمر أقرب إلى تحولات الممارسة النقدية شدا وجذبا لطبيعة ظهور القيود والإجراءات الحاكمة للنظرية الأدبية التي تصبح في بعض الأحيان- في مراحل البدايات على الأقل- حاجزا يؤثر على معاينة النص.
الفارق إذن ليس فارقا بين الاشتغال على النظرية ومحدداتها بشكل نظري أو ترجمتها في مقابل الاشتغال على النصوص في إطار المقاربة الأدبية والنقدية، ولكنه فارق في درجة الهيمنة والظهور. ففي التوجه الأول الخاص بالاحتفاء والتدثر بالنظرية نشعر بوجودها حتى لو كانت الدراسة تطبيقية تتعلق بالدرس الأدبي وليس بالتنظير. فالنظرية تمتلك قدرة على التواجد والظهور، ليس فقط في الكتب المخصصة للتنظير، وإنما في المقاربات النقدية النصية قد تتجلى بشكل ما.
فوجود النظرية في التوجه الثاني وجود متوار، لا يشعر به المتلقي بشكل مباشر، ولكنه يشعر بدبيبه وفاعليته. يمكن الإشارة في ذلك السياق للتدليل على الفكرة إلى كتاب «المقاومة بالكتابة» لجابر عصفور، ففي هذا الكتاب يمكن للقارئ أن يدرك الكيفية التي يمكن للناقد من خلالها – الناقد الذي يمتكك إدراكا معرفيا ذا خصوصية لافتة – أن يفعّل ويخصّب النظرية من خلال التحويل والتحوير دون أن تطلّ بوجهها بشكل مباشر. ما قام به جابر عصفور في هذا الكتاب يمثل – خاصة إذا ستحضرنا أن له إسهاما مهما سابقا عن هذا الكتاب في المجال ذاته، من خلال بحث جهير الصوت في محتواه العلمي والمعرفي، اسمه بلاغة المقموعين – نمطا مهما من أنماط وأشكال الإفادة من النظرية، في إطار الابتعاد عن أسسها الجاهزة، حيث تتجلى المقاربة في انفلات دائم من محددات النظرية، وتسمو على التطبيق الحرفي لحدودها، من خلال نقلها من سياق إلى سياق.

2021-07-24_00-33-06_888982

المقولات والأحكام والتوصيف السكوني

تأمل التوجه الأول يكشف عن أن أقطابه مشدودون إلى فاعلية النظرية التي تتشكل وتتغير على الدوام، وإن كان الانتقال من نظرية إلى أخرى يتم ببطء، ومن خلال صلة وثيقة بالفلسفات السائدة. ففي العقود الأخيرة نجد العديد من النظريات المتشابكة والمتداخلة، خاصة نظريات ما بعد الحداثة مثل التفكيك والنظرية الثقافية النسوية، هذه النظريات التي تكوّنت لعلاج الخلل أو لتفكيك الانغلاق الذي أوجدته النظرية البنيوية من خلال المركز المشدود إلى ذاته دون وجود أي اتصال أو كوى تفتح النص على السياقات الخارجية
يكشف تأمل التوجه الثاني عن وجود تعاظم على فكرة (السكون) و (الانفصال البنيوي) في تلقي النص، فهناك فضاءات سابقة تتوالد بالتدريج، فضاءات نصية لمعاينة الشبيه والمغاير، ليست ثابتة عند حدود التشكل الآني للنص، وإنما تنطلق منه، ومن بنيته، وأفكاره المعرفية لمقاربة جدل التشابه والاختلاف. فتأمل البنية – بالنسبة لأقطاب هذا النوع – لا يؤدي إلى درس تشريحي سكوني، ولكن يؤدي إلى انفتاحها على تشكلات سابقة ومعاينتها، لقياس حجم الإضافة، أو لقياس طبيعة التحول أو التولد في المناحي الفكرية الآنية المرتبطة بالنص موضع الاهتمام.
الفارق بين التوجهين ليس فارقا متعلقا بالمنهجية، ولكنه فارق يتشكل في إطار ثقافة الناقد، ودائرة اهتمامه وتوزعه بين اهتمام حاد بالنظرية وحدودها، واهتمام يتعاظم على هذه الحدود، ويتحرك حركة لاهثة بين لحظات زمنية إبداعية مغايرة، ويعاين الشبيه والنظير، محافظا على خصوصية مقاربته. ولا يتأسس الفارق – أيضا- في إطار الانطباعية والمنهجية، لأن كليهما يتداخلان في أي مقاربة نقدية بنسب متفاوتة، فلا التوجه الأول الذي يتدثر بالنظرية بشكل ظاهر ومباشر يخلو من انطباعية، ولا التوجه الأخير الذي يتعاظم على حدودها، ويغيبها بالرغم من اختزانها معرفة داخلية يخلو من أسس نظرية تكفل له الحركة بخطوات محسوبة.
لعل القيمة الأساسية التي أضافها جدل النظريات في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين تتمثل في تحريك وظيفة الناقد الأدبي من دور الوسيط بين النص والقارئ إلى دور يتعاظم على حدود تلك المكانة التفسيرية محاولا بناء إطار معرفي يتجاور مع أفق النص، أو يتجاوزه محاولا أن يكون سابقا عليه وليس تاليا له، وكأن الناقد لا يسلم بدوره التابع، فهو يشارك المبدع في تأسيس المنحى الفكري لحظة التنبه والاشتغال عليه.
هذا الدور الكاشف عن الاستعلاء يمكن أن نجد صدى له لدى أصحاب النظريات في إطارها العالمي، بداية من فوكو وإدوارد سعيد ودريدا وبول دي مان وإيهاب حسن، وذلك في ظل سياق يجمع بين الفلسفة والنظريات الأدبية. يتحوّل النص – موضوع المقاربة – نتيجة لذلك إلى (أداة) وليس إلى غاية، أداة تبرهن على مشروعية وقيمة النظرية، وتبرهن أيضا على تحرّك وتغيير الموقعية، فهؤلاء لم يعودوا تابعين للنص، وإنما أصبحوا- ربما لتوحد النص بالعالم أو ربما بسبب النظر إلى النص على أنه عالم كامل أو صورة مصغرة منه- مشاركين وربما سابقين للنص من خلال محاولة استشراف الآفاق القادمة. ذلك الاستشراف الذي لم يظهر بشكل كامل، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الأنواع الأدبية، وطبيعة تجليها وتشكلها مستقبلا.
فظهور النمط المتعالي في مقاربة النص الناتج عن توحد (الناقد) بإشعاع صورة (المنظر) يمثل خلخلة وإزاحة لمشروع الرواد بداية من طه حسين الذي كان يحرّك النظرية ويعدّل فيها وفقا لفكرته ونسقه الفكري وثقافته دون شعور بالاستلاب، ومرورا ببعض النقاد الذين ظل لهم ذلك السمت التفسيري للنصوص، ولهم الوهج في الحضور، نتيجة لإصرارهم على إصدار الأحكام وتخصيب المقولات النقدية التي تشيع وتنتشر بشكل لافت، مثل رجاء النقاش في كتابه عن محمود درويش.
ربما كان تأمل هذا المنحى لدى النقاد المعاصرين في طبيعة المقاربة والتناول مع النصوص كاشفا عن مسارب وتوجهات مختلفة لدى كل واحد منهم، خاصة إذا تمّ الوقوف عند منجزهم وتفاوته في البعد أو الاقتراب من النظرية بحدودها من مرحلة إلى أخرى. فقد تعددت التوجهات في إسدال هذا المنحى المتعالي في الارتباط بالنظرية وحدودها، ففي التوجه الأول تتجلى كتابات صلاح فضل الأولى، وعبد الله الغذامي، سواء من خلال نقل ملامح النظريات الأدبية الغربية أو من خلال الاشتغال على تطبيقها في إطار أكاديمي على نحو ما يمكن أن نجد في كتاب الغذامي عن شعر حمزة شحاتة، أو ما قام به صلاح فضل في التأسيس للبنيوية في كتابه «نظرية البنائية»، أو في كتابه «علم الأسلوب».
أما التوجه الثاني فنراه ماثلا بشكل جلي في إسهامات شكري عياد، خاصة في كتابيه «دائرة الإبداع» و(مدخل إلى علم الأسلوب»، حيث ينطلق إسهامه النقدي من قناعة خاصة تتعلق بالثقافة، فهو يرى أن الثقافة – ربما تأثرا بمقالة ترجمها لإليوت – محددة بأطرها وسياقاتها، ولا يمكن الانتقال بهذه الثقافة من حال إلى أخرى إلا من خلال التأمل المستمر لها، والارتداد لمعاينة سياقات إنتاجها بتجلياتها المختلفة. ولهذا نجده- بالرغم من منجزه التطبيقي لنصوص أدبية آنية- يعود للوراء لتأمل هذه السياقات الموغلة في القدم، والمؤثرة في منجز هذا الإنسان العربي وحركته بامتداد العصور.
أما مصطفى ناصف الذي يمكن أن يلاحظ القارئ أن هناك تعددا – وربما تناقضا وتباينا – لمجموعة النظريات التي يستند إليها في قراءته للنصوص الأدبية أو النقدية، فيمكن أن نشير إلى أن منجزه النقدي يعتبر بحق أهم المنجزات النقدية في النقد العربي المعاصر كما وكيفا، فمن خلال وعيه اللافت بحدود النظريات الغربية والاشتغال عليها في إعادة قراءة التراث العربي، وانتقاله من نظرية إلى أخرى في كل منجزه الكتابي، دون إشارة مباشرة على توجهه النظري أو المنهجي، استطاع من خلال استناده إلى مادة موضوع بحثه، واستنطاقها في إطار منحاه الفكري، وفي إطار خصوصية الثقافة وعصرها، أن يعيد قراءة الشعر العربي قراءة مغايرة، قراءة لا تستند إلى السائد أو الجاهز، كما تجلى في كتابه «قراءة ثانية لشعرنا القديم»).
وإذا كنا في ذلك السياق أمام توجهين لا يرتبطان بأفراد وإنما بمراحل لنوعية المقاربة والتوجه، توجه يحدد موقعه في إطار الارتباط بالنظرية الغربية بشكل مباشر، ويتجذر منجزه في حدودها الثابتة، وتوجه آخر يعي ويتمثل حدود النظرية، ولكنه يفعّلها ويمارس تحويرا وتحويلا مستمرين لها دون استلاب، في إطار إعادة التناول والمقاربة منطلقا من محددات الثقافة وسياقاتها فإن هناك استلابا موجودا لدى كل توجه. يتشكل الاستلاب لدى التوجه الأول في التطبيق الحرفي لحدود وأطر النظرية، هذا التطبيق الحرفي الذي يغيّب الإضافة والحرية التي تولد الخصوصية للصوت النقدي. ويتشكل الاستلاب بالنسبة لبعض نقاد التوجه الأخير في ارتباطه بالماضي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية