الجذور العميقة لروافد التجربة الخاصة بالرسام عادة ما تمضي تفاعلاتها بعيدا في ذاته، لتكشف عبر نتاجه الفني،عن طبيعة العلاقة القائمة بين الذات والموضوع، والتي تتأرجح تجاذباتها بين تواصل وقطيعة في آن. والتواصل يكمن في استعارة واستعادة المفرادت بخصوصيتها المحلية بمحمولاتها التاريخية والحضارية، أما القطيعة فقائمة على الكف عن إعادة إنتاج المحتوى ذاته، والأخذ به إلى تركيبة استعارية ينبثق عنها شيء جديد.
الرسام العراقي حسن حداد المقيم في مدينة لايبزج الألمانية منذ النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، تمكَّن من إيجاد صلة تواصل مع حركة التجديد المتواصلة في الفن الأوروبي المعاصر، وعمل في هذا الإطار على ان يطور أدواته التقنية، بالشكل الذي استحالت أعماله إلى بنية شعرية ذات كثافة عالية في إيحاءات دلالاتها.
إن أي متابع لفن الرسم، سيكتشف انتماء حداد إلى المشهد الأوروبي، بما يعبر عن نزعة متمردة تميل دائما إلى التجديد والمغامرة والتجريب، إذ يستقطب في إنشاء لوحته حالة من التنافر القائمة بين مفرادتها، وينسحب ذلك على الموضوعات التي يستعيد فيها ذاته العراقية الجريحة، مع رغبة قوية لا تخطئها عين المتلقي، تدفعه إلى ان يتماهى في رؤيته مع أفق الوجود الفني للرسم الذي تنتجه الذات الأوروبية.
بقدر ما ابتعد حداد مكانيا عن بلده الأول العراق، إلاَّ انه لم يستنفد تلك الوشائج التي شكلت وجوده الإنساني في بعدها القيمي، وما يزال متبصرا في نتاجه، سعيا منه إلى ادراك الافتراق الذي نال من وجود الأشياء في ذلك الحيز الجغرافي الذي ترك بصمته في روحه ووجدانه، ومن هنا كانت لديه استجابة دائمة في العودة إلى المنبع الأول، ولكن ليس باعتباره تاريخا منفصلا عن حركة الواقع والحياة، أو مكانا يكتسب حضورا جماليا شكليا في اطارٍ من التوظيف السياحي أو انخراطا في مسار يهدف إلى إعادة إنتاجه بصبغة فلكلورية، انما كان توظيفا دلاليا، استثمر فيه قدرة التخييل على الأخذ بالمادة الواقعية إلى منطقة تنزاح فيها الدلالة من وظيفتها المتداولة في الذاكرة الجمعية، إلى ناحية ان تكون فيها معبأة بشحنة قوية من الكثافة الشعرية وبنية سردية.
هذه الوظيفة الجمالية في بنية اللوحة تطرح قنوات اتصال إشارية مع مشكلات الإنسان المعاصر وغربته في المدينة، من بعد ان اضمحلت قيمها الإنسانية أمام قسوة السلطة بمعناها المطلق، وتشكل سلطة الماضي في هذا المنحى الحدود القصوى التي تحيل الأشياء إلى زمن يسوده الصمت والتشابه والفراغ والخَرَس.
الزمن والقطيعة
رغم التحولات من حيث الأسلوب التي صاحبت خطابه، إلا ان المكان يشكل واحدة من المفرادات الأساسية التي يتوقف عندها حسن حداد في سياق تجربته المميزة، وقد نضجت واتضحت ملامحها في المغترب الأوروبي، وبتقديري فإن موضوعة المكان ترتبط هنا بقدر كبير في مسألة الإحساس الداخلي العميق الذي يشعر به الإنسان المغترب إزاء الصلة التي تجمعه مع المحيط الجديد الذي وجد نفسه فيه، وهي صلة لن تتمكن ان تأكل من جرف تاريخه الوجداني بكل موروثاته الاجتماعية والحضارية والثقافية، لأن العلاقة مع المكان الثاني، رغم انشدادها إلى حائط من الأمان، لكنها ستبقى تحتفظ بقدر من الارتباك، وقد تصيبها الهزات بين فترة وأخرى، لانها تفتقد إلى تاريخٍ وجدانيٍّ مهما تجذرت علاقات الفنان الإنسانية مع الآفاق الجديدة التي تفاعل معها في مقامه البديل.
تبدو صورة المكان معبأة بسردية الحياة المعاصرة بما يحمل معجمها من متاهات وغموض، في مساربها وطبقاتها وبنيتها المعمارية، وهناك ما يشير إلى انها لن تفضي إلاَّ إلى متاهة في طُرُقِها الصاعدة نحو المستقبل، بينما تشير جسورها وأقبيتها وأنفاقها وسلالمها الكهربائية بكل حداثتها، إلى الضياع والتشتت بين الإنسان وأخيه داخل الزمكان الواحد، لكن المتلقي يستطيع ان يلمح تأكيد حسن حداد على سعي الإنسان إلى ان يبقي الطريق مفتوحة، للتواصل والتفاعل مهما كان الزمن يرسخ القطيعة.
يستحيل المكان في تحولاته إلى أنماط مختلفة من العلاقات القائمة بينه وبين الفرد، ويتجلى في سياق هذا التنوع إيجاد علاقة قائمة على التماثل والتشابه والتشاكل، يصعب فك الارتباط بينهما، وكأنَّ ذلك يعكس الحقيقة الملتبسة التي أصبحت عليها رابطة الإنسان مع المكان في بعدها الاغترابي، وهنا يمكن تبرير العلاقة التي تدفع الفرد إلى احتواء كائنات أخرى غير الإنسان، لتكون حلا نفسيا من جانبه، للخروج من حالات الاحساس بالوحدة وبفراغ المكان من محيطه الاجتماعي.
انقطاعات الزمن
الأسئلة المتعلقة بالذاكرة تكاد ان تفرض سطوتها في سياق تجربة حداد بحضورها التشكيلي سيما وانه يضع الأشياء أمام سلطة الزمن بما هو كائن وما سيكون عليه حال الفرد برمزيته الكوزموبوليتية، وفي إطار من العلاقة الجدلية القائمة ما بينه وبين المستقبل، بناء على انحرافها وميلانها الحاد نحو تَشيءُّ الذات. كما ان الصراع القائم بين الماضي بكل حمولته الثقيلة، والحاضر الذي تتآكله الفجوات الايديولوجية، يبدو في الإحالات التي يرسلها خطاب لوحاته إلى المتلقي، ذاهبا باتجاه ترسيخ الاحساس بالفواصل والانقطاعات في سياق الزمن.
وإلى جانب المكان باعتباره مركزا محوريا في خصوصية تجربته، يقف الإنسان/الفرد ليشكل علامة فارقة في تطلعه إلى مساءلة هذا العالم المدجج بالعنف والموت والاغتراب والوحدة، في دائرة من الجدل الثلاثي الأبعاد، الماضي والحاضر والمستقبل، وما أفرزه من صورٍ تعيد الإنسان إلى حيرته الأولى وخوفه الدائم من المجهول، وكأن الزمن لم يتغير، ولم يبتعد عن عتبته الأولى، وما يزال رهينة للغموض.
هناك فراغ شاسع يستولي على مساحة واسعة من فضاء اللوحة، يتيح للرسام حداد ان يمارس حريته في إحداث مجاز من القلق يتبعه تساؤلات مستمرة لدى المتلقي، وحين يوشك الإمساك بإجابة يجد نفسه أمام سؤال آخر، وهكذا تستمر عملية التلقي في دورة من التأويل، من غير ان تصل الإجابات إلى تفسير ما هو مستغلق في دلالات المفردات التي تتناثر في فضاء اللوحة، ويكاد ان يكون هذا الفراغ، إلى جانب مفردتي المكان والإنسان، نقطة ارتكاز تشكيلية، اعتاد ان يستند إليها حداد في إيصال حالة الاحتدام المتوقعة في صياغة تجربته الذاتية.
تكمن أهمية وخصوصية تجربة حسن حداد في انه منفتح على العالم المعاصر، بكل ما خلفته مؤسساته الفوقية من ذاكرة مؤثثة بالفوادح،عززتها صور الوجود اليومي للحياة الإنسانية، بما تشير إليه من عذابات في سياق تاريخ دموي تتحمل الحروب والسياسات الحمقاء مسؤوليته، وبلاد الرافدين كانت إحدى تجليات هذه القصدية الفنية، لكنه تعامل مع هذه الارتجاجات والتصدعات التي خلخلت القيم وحطمت المجتمع الإنساني، بمقاربات تقنية يتقدم فيها الشكل الفني بحضور لافت، يحطم التوقع في التعامل مع إشارات الواقع، ويحمل في ثنايا أسلوبه بمستوياته البنائية، لغة قائمة على استفزاز ذائقة المتلقي.
تأتي قوة إحالاته للموضوعات الواقعية، إلى ناحية التخييل الذي يفرضه على ذاكرة المتلقي، في إطار سعيه إلى ان يدفعه للوقوف، وهو في حالة تأمل لدرامية ما يطرحه من علاقات بين الأشياء، وهذا الخيار في تحديد طبيعة الحوار مع المتلقي، يعكس رؤية الفنان العارف لحقيقة وجوهر الصراع، وما ينتج عنه من التباس في الوعي لدى أغلبية البشر، وعليه يمكن القول إن اللوحة لدى حسن حداد قد استحالت إلى عوالم منعزلة ومنقسمة على بعضها، ولم يخف في رؤيته هذه، نبرته النقدية الساخرة إزاء الواقع.
في إطار ما أنجزه حسن حداد في ألمانيا من تجارب خلال العشرين سنة الماضية، يصعب موضعتها نقديا في سياق الفن التشكيلي العراقي، بل هي تنتمي في المحصلة النهائية إلى تجليات الرسم في ألمانيا، لأنه لم يبدأ في الإنتاج إلا بعد ان استقر في المغترب الأوروبي واطلع على تجارب الفنانين هناك، وبات على تواصل معهم، فكان من الطبيعي ان يكون لهذه المثاقفة أثرها الواضح على أسلوبه.