تسعى إسرائيل بكافة الأساليب، للقضاء على المنظومة الاقتصادية في فلسطين بقطاعاتها الصناعية والزراعية، في خطوة لتعزيز التبعية الفلسطينية لإسرائيل وعدم اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم في عملية الإنتاج، حيث عبر مزارعون فلسطينيون عن بالغ استيائهم، من استمرار ممارسات الاحتلال الإسرائيلي سياساته القمعية بضرب المواسم الزراعية، فلم تكتف إسرائيل بتجريف أراضي المواطنين وحرق ورش المحاصيل، بل أن الحال وصل إلى اتباع سياسة استباق الموسم، لتكبيد المزارعين الفلسطينيين خسائر مالية كبيرة.
ويعتبر محصول العنب واحداً من أشهر المحاصيل الزراعية التي يتعمد الاحتلال الإسرائيلي على إلحاق الضرر الكبير بمزارعيه في كل موسم، حيث تضم فلسطين 67 مليون متر مزرعة عنب، ويعمل فيها نحو 10 آلاف مزارع فلسطيني وتصل إنتاجيتها بحسب جمعية مزارعي العنب والفواكه الفلسطينية إلى قرابة 50 مليون كيلو من العنب سنوياً.
موسم العنب الأكثر شهرة في فلسطين بات على الأبواب، والمزارعون متشوقون لقطفه وكسب المال الوفير، لكن تسريب المنتج من المستوطنات الإسرائيلية والتي أغرقت الأسواق الفلسطينية بآلاف الأطنان من العنب الإسرائيلي، يحرم على المزارع الفلسطيني الاستفادة من الموسم، وهي محاولة إسرائيلية لضرب المنتج الزراعي الفلسطيني من العنب، لإجبار المزارعين الفلسطينيين على ترك أرضهم.
وأظهرت دراسة دولية حديثة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» أن احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية قد أدى إلى تشويه الاقتصاد الفلسطيني، وأن تأثير التدابير الإسرائيلية قد أحدث حالة عجز هائل في الموارد الفلسطينية. وتشير الدراسة إلى وجود عدد من القيود التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على القطاعات الاقتصادية والتي عرقلت تقدمها، فيما أكدت الدراسة على دور السلطة الفلسطينية بالعمل على زيادة استخدام الموارد المتاحة إلى أقصى حد، سعياً لتحقيق أهداف التنمية الوطنية وبناء اقتصاد قوي، تقوم عليه في المستقبل الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
وفرضت السلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية قراراً بمنع استيراد العنب من المستوطنات وجرمت كل من يتعامل مع بضائعها، إضافة إلى أنها أصدرت قرارات إدارية لمنع العنب الآتي من إسرائيل لحماية المنتج الفلسطيني، مع ذلك السوق الفلسطينية غارقة بشكل كبير بمنتجات إسرائيلية محظورة من المستوطنات، بل تحمل تلك البضائع العلامات التجارية الإسرائيلية أمام عيون المراقبين والمفتشين والمستهلكين، من دون أي اكتراث من الجهات المختصة.
وتعتبر فلسطين من الدول البارزة في تصدير منتجاتها الزراعية سواء للدول العربية أو أوروبا، حيث تبلغ قيمة التصدير الزراعي الفلسطيني إلى إسرائيل سنوياً وفق الأرقام الرسمية نحو 300 مليون دولار، إذ يصدر الفلسطينيون في الضفة الغربية إلى إسرائيل يومياً ما يقارب من 280 ألف كيلو من منتجات زراعية، فيما يصل الاستيراد الزراعي من إسرائيل إلى مليار و200 مليون دولار.
وحسب جمعية حماية المستهلك الفلسطيني، يعود غياب الرقابة الفاعلة في السوق الفلسطينية على المنتجات الإسرائيلية المنتشرة في الأسواق، إلى تشابكها مع السوق الإسرائيلية حيث تخضع المناطق المصنفة ج لإسرائيل، ما يتيح للعديد من التجار القيام بعمليات تهريب واسعة لسلع ومنتجات إسرائيلية سيئة النوعية وبيعها في السوق الفلسطينية بشكل غير قانوني، حتى أصبحت السوق مكب نفايات للسلع الإسرائيلية الرديئة التي يفشل تصديرها إلى الخارج، إضافة إلى ذلك هناك نقص في الكوادر البشرية في الفرق الرقابية التي تحمل صفة الضابطة القضائية.
ويشتكي المزارع فؤاد الصالحي ( 67عاماً) من ضياع موسم العنب لهذا العام، بسبب إغراق السوق المحلي بكميات كبيرة من العنب الإسرائيلي وبأسعار زهيدة، حيث يمتلك الصالحي خمسة كروم من العنب، ويتخوف من فساد كميات كبيرة من محصوله مع وجود كميات وفيرة من المنتج الإسرائيلي في الأسواق.
يقول الصالحي لـ«القدس العربي»: «الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استباق كل المواسم الزراعية خاصة العنب والزيتون بالعمل على إغراق الأسواق الفلسطينية بهذه المنتجات، حيث تعتبر هذه المنتجات بالنسبة للمزارعين الفلسطينيين مواسم مدرة للمال وينتظرونها بفارغ الصبر، والاحتلال يتعمد التنغيص عليهم».
ويشير إلى أن القطاع الزراعي بالأخص يواجه تحديات كبيرة من قبل الاحتلال، فإسرائيل تسعى إلى طرد المزارعين الفلسطينيين من أراضيهم والضغط عليهم لترك هذه المهنة التي يتوارثونها جيلاً بعد الآخر، من خلال ضرب المواسم الزراعية بالإضافة إلى ممارسة سياسة التهجير وإقامة البؤر الاستيطانية على أراضي المزارعين.
ويوضح أن المواطن الفلسطيني عندما يتجول في الأسواق، يشاهد الخضار والفواكه الإسرائيلية وبكميات كبيرة إلى جانب المنتجات الزراعية الفلسطينية وبأسعار تنافس المنتج المحلي، بل في بعض الأحيان تزيد أسعار المنتج المحلي عن نظيره الإسرائيلي حتى لو كان متدنيا يلجأ المواطن لشرائه.
وعلى الرغم من كافة القوانين والتشريعات الدولية والفلسطينية التي تدعو إلى حق الإنسان الفلسطيني بأن يحظى بالغذاء السليم، بالإضافة إلى القوانين الداعية إلى ضبط الأسواق وحماية المنتج الوطني الفلسطيني من البضائع التي تنافس منتجاته لكي توفر للسكان المعيشة الاقتصادية الجيدة، إلا أن ما نلمسه على أرض الواقع مغاير لذلك تماماً، فقد يكون التصنيف الإداري وفق اتفاقية أوسلو، وسيطرة الاحتلال على غالبية الأراضي الفلسطينية واتفاقية باريس الاقتصادية عوامل رئيسية في ذلك.
ويقول الخبير الاقتصادي سمير حمتو، إن عدم قدرة الجهات الفلسطينية على ضبط الأسواق، أدى إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني وارتفاع تكاليف إنتاج السلع الزراعية، وهذه عوامل رئيسية ساهمت في رداءة المنتجات الزراعية في الأسواق الفلسطينية، وتفوق الإسرائيلية ذات الأسعار المتدنية.
وبين حمتو لـ«القدس العربي»: إن تحكم إسرائيل بالمعابر ووجود المستوطنات بين القرى والبلدات الفلسطينية التي تعمل على تسهيل عملية التهريب، حالا من قدرة السلطة الفلسطينية والجهات المختصة على ضبط السوق الفلسطيني، في حين إن محاولات التهريب المستمرة للمنتجات الإسرائيلية تضاعف من الخسائر المالية للقطاع الزراعي الفلسطيني.
وأضاف على الرغم من أن الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، تضمن تدفق المنتجات الزراعية بسهولة في الاتجاهين، إلا أن جيش الاحتلال لا يلتزم بذلك على الأرض، وعليه فإن الفواكه والخضروات الإسرائيلية وغيرها تغرق أسواق الضفة، في الوقت ذاته يحرم المزارع الفلسطيني من إدخال منتجاته إلى إسرائيل، وإن حصل ذلك نادراً فإنه يتم بشروط تعجيزية وبكميات قليلة.
وأشار إلى أن إسرائيل تستقبل القليل من المنتجات الفلسطينية بناء على احتياجات أسواقها، حيث أن ذلك يتم بعد اشتراط مواصفات معقدة كأخذ العينات وفحص المختبر وغيره، إضافة إلى منعهم من تنقل المنتجات الزراعية بين المدن الفلسطينية، مما يؤثر سلباً على التسويق، وبالتالي يحصل الكساد وتقل الأسعار وينهار المزارع الفلسطيني.
ومع مقاومة المزارعين الفلسطينيين مخططات الاحتلال المتمثلة بالضم ومصادرة الأراضي من خلال استمرارهم في زراعة أراضيهم، إلا ان إغراق السوق المحلية ببضائع المستوطنات وغياب الرقابة الرسمية سيقلصان فرص بقاء المزارعين في أراضيهم تجنباً للخسائر المالية.