اعتنت السينما المصرية في فترات ازدهارها وزهوها بُمشكلات الطفولة في المراحل المُختلفة وقدمت مُعالجات كوميدية كثيرة في هذا الإطار، فكان من بينها فيلم «عالم عيال – عيال» الذي قام ببطولته رشدي أباظة، وأيضاً فيلم «إمبراطورية ميم» لفاتن حمامة وفيلم «العفاريت» لعمرو دياب، و«بحب السيما» لمحمود حميدة وليلى علوي، و«الدادة دودي» لياسمين عبد العزيز وصلاح عبد الله. وقد اعتمدت غالبية الأفلام على التناول الكوميدي للأحداث باعتبار القضايا المُتصلة بعالم الأطفال خفيفة بطبيعتها وتسمح بالتضمين الفكاهي المُضحك، وهي مغالطة وقع فيها الكثير من كُتاب السيناريو الذين تعاملوا بسطحية مع مُشكلات الطفل المصري على اختلاف بيئاته وثقافاته. ومن بين حزمة الأفلام المذكورة لم ينج من عملية التسفيه والتسطيح سوى فيلم «بحب السيما» الذي قدم أزمة الطفل في مرحلة التكوين وحيرته إزاء الأفكار والظواهر التي تمثل جزءا كبيراً من العالم الذي يعيش فيه ويسعى لفهمه واستيعابه فيطرح العديد من الأسئلة الوجودية غير المتوقعة على الكبار فلا يتلقى منهم إجابة شافية، وهنا تزداد مشكلته وحيرته فيعاود طرح ذات الأسئلة عله يجد من الإجابات ما يرضيه.
فيلم «بحب السيما» عرض في جانب من أحداثه هذه الأزمة مع محاولة البحث عن حلول لما يشغل ذهن الطفل في فترات التأسيس الأولى، ولأن هناك إلحاحا من جانب معظم الأطفال على الآباء والأمهات للإحاطة بما لم يُدركونه فقد زادت المُشكلة وباتت تُشكل هماً حقيقياً على المستوى النفسي والتربوي والاجتماعي، وهذا ما تنبه له الكاتب الساخر الراحل أحمد رجب وصاغه بشكل أكثر نضجاً في القصة السينمائية «مُحاكمة علي بابا» التي كتب لها السيناريو والحوار السيناريست عاطف بشاي، وقدمها المخرج إبراهيم الشقنقيري في فيلم تلفزيوني مهم بنفس العنوان قبل ثلاثين عاماً على الأقل.
وترجع أهمية هذا الفيلم على وجه الخصوص، كونه يقدم ما يشبه الدراسة النفسية التربوية لأصول التعامل مع الطفل الصغير، بداية من سن الحضانة وحتى بلوغه مرحلة المراهقة، مع مراعاة عدم إهمال وعيه المتطور ورغبته في التحصيل والاكتشاف وإثارة الأسئلة الغريبة والمُدهشة.
وقد ركز السيناريست عاطف بشاي في صياغة الرؤية السينمائية على المرتكزات الأساسية للقصة التي كتبها أحمد رجب فجعل الأسئلة المفاجئة للطفل مُرتبطة بالذكاء، كما أنها مُرتبطة أيضاً بالخلل التعليمي والتربوي والمشاكل العائلية بين الأب والأم، حيث يلجأ الطفل عادة إلى طرح الأسئلة حين لا يجد من يرشده بشكل سليم ويوفر له المعلومة الصحيحة الخاصة بما يراه ويسمعه في محيط البيئة الدراسية والاجتماعية، خاصة إذا كانت اللغة المُستخدمة في الحوار معه أكبر من سنة وفوق مستوى إدراكه.
ولهذا اعتنى المخرج إبراهيم الشقنقيري برصد التفاصيل العائلية الخاصة للاقتراب من المُشكلة التي يعاني منها الأبناء فكشف التباعد المنهجي بين ثقافة الأم إسعاد يونس أستاذة علم النفس، وبين ثقافة الأب الموظف يحي الفخراني، وقد أشار المخرج عبر بلورة الأحداث وتكبير الصورة الدرامية إلى مبالغة الأم التربوية في استخدام الاصطلاحات العلمية النفسية ومحاولة تطبيقها حرفياً على الأب والأبناء بحكم وظيفتها من دون النظر إلى المساحة المراد توافرها للفصل بين النظريات العلمية والتطبيق الاجتماعي الواقعي، حيث يتسبب إصرار الزوجة المتخصصة في العلوم النفسية على تطبيق الأجندة التربوية بلا تصرف موضوعي في العديد من المُشكلات والأزمات فينعكس ذلك سلبياً على الأطفال.
وكذلك تتفاقم الأزمات والمُشكلات وتزداد القلاقل الأسرية نتيجة عدم اضطلاع الزوج والأب بمسؤولياته تجاه أبنائه، فهو قد فضل الهروب والانفصال عن الزوجة على البقاء بين أبناءه لحمايتهم ودعمهم، وهو الشق المفقود أيضاً في العملية التربوية. غير أن هناك بُعداً آخر يتصل بالنظام التعليمي وأثره على أفكار الطفل ووعيه وقناعاته الشخصية سواء في مرحلة الطفولة المُبكرة أو في مرحلة المراهقة ، حيث وجود أخطاء في طريقة التدريس والتلقين واكتشاف الطفل ذاته لأوجه العوار والخلل في المناهج التعليمية، وحُكمة المثالي على الشخصيات المهمة والمُبجلة في التاريخ الإنساني، والتي يراها أقل شأناً من الناحية الأخلاقية، لارتكابها جرائم افتراضية أو حقيقية، كالشعراء القدامى الذين كتبوا قصائد المديح والهجاء مقابل المكاسب الشخصية والعطايا والنفحات التي حصلوا عليها من الملوك والخلفاء أو حُرموا منها.
ومن قبيل السخرية أورد الكاتب أحمد رجب أسماء الشعراء الثلاثة، أبو تمام والبُحتري والمُتنبي، كنماذج وقامات شعرية كبيرة في تاريخ الأدب العربي لم يستطع الطفل في سنه الصغيرة استيعاب قصائدهم ولا ظروف كتابتها ولا قدر ولا حجم مواهبهم وملكاتهم الإبداعية، فهو لا يعرف إلا الصدق المُطلق والنقاء المُطلق، ومن ثم لا يرى في ما صاغوه وكتبوه من أشعار وقصائد إلا زيفاً وكذباً وممالأة.
وعلى جانب آخر يطرح فيلم «محاكمة علي بابا» زوايا عديدة لأوجه الخلل في طُرق التربية والتلقين، لا سيما في مرحلة ما قبل الدراسة الابتدائية. فالحواديت والقصص التي تُروى للأطفال في مثل هذه السن تكون بمثابة التأسيس المعرفي، فإذا قيل للطفل أن علي بابا فتح المغارة وأخذ ما بها من مجوهرات بغير استئذان من أصحاب المغارة فهو لص بحسب ما يعتقد ووفق ما تعلم، وإذا نجا علي بابا من العقاب فهو مُذنب هارب من العدالة لأن منطق الأشياء وقانون الحياة طبقاً للدروس التي تعلمها أيضاً تحتم أن تتم محاكمة عادلة لبطل القصة أو الحدوتة لتستقيم المفاهيم في عقل الطفل وذهنه فلا يحدث ذلك التناقض الذي يُربك حساباته البديهية البريئة.
لقد نجح الفيلم نجاحاً كبيراً في التعبير عن شخصية الطفل المصري من منظور واسع وعميق، ولم يقدم الحلول السهلة لمعالجة الأزمات النفسية والعاطفية بل أوغل في التفاصيل المؤدية إلى المُشكلات العارضة والغائرة بحرفية في الكتابة والإخراج والتمثيل تُحسب للمبدعين جميعهم، رجب وبشاي والشقنقيري، وكذلك الفخراني وإسعاد والطفلين شادي الفخراني ومؤمن حسن، فقد مثل كل منهم حلقة وثيقة في سلسلة الترابط الفني والإبداعي للأحداث والشخصيات والمفاهيم.