الرئيس السيسي فشل في تحقق الضربة الجوية وإيقاف ملء سد النهضة

عمار عوض
حجم الخط
0

تمرد بني شنغول وخروج إقليم تيغراي عن السيطرة

الخرطوم-»القدس العربي»: راهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كثيرا على التغيير الذي جرى في السودان في الآونة الأخيرة بعد أن عمل في فترته الأولى على احتوائه وتقليل تأثيره غير المباشر على مصر التي شهدت قبلا تغيرا مشابها أفضى بعد عامين إلى ما هو عليه الحال في قصر الاتحادية الآن.

وياتي ملف سد النهضة وتأمين سيناء من الإرهابيين والوضع في ليبيا، على رأس اهتمامات مصر ودوافعها لهذا الاحتواء المبكر، حيث كان موقف النظام الحاكم في الخرطوم برئاسة البشير في ما يخص ملف سد النهضة متأرجحا ما بين الوسيط بين القاهرة وأديس أبابا، والانحياز الكلي لإثيوبيا في بعض الأحيان. وكان هذا الوضع غير مريح للسلطات العليا في مصر لحظة اندلاع الثورة في كانون الأول/ديسمبر 2018- نيسان/ابريل 2019 حيث كان موعد الملء الأول لسد النهضة تموز/يوليو 2020 على بعد عام واحد فقط، وهو أمر كان يقلقها كثيرا لارتباطه بالأمن المائي لشعبها الذي يبلغ 100 مليون نسمة. وكان واقع نظام البشير هو القناعة التامة بفوائد سد النهضة لدرجة الترويج للمشروع من دون إيلاء أي اهتمام بمضاره وضرورة الوصول لاتفاق قانوني حوله.
لذا فور سقوط البشير سارع الرئيس عبد الفتاح السيسي لمد جسور التواصل على الأرض مع قادة النظام الجديد من العسكريين الذين وضع كل البيض في سلتهم وصار منظر هبوط طائرة البرهان في القاهرة واللواء عباس كامل في مطار الخرطوم أمرا مألوفا ولا يتصدر نشرات الأخبار حتى وبعد تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك الذي زار القاهرة عامي 2020 و2021 وافترع السيسي طريقا آخر للتواصل مع المدنيين الجدد ما قاد لتوالي وصول الوفود الوزارية بقيادة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي الذي وصل الخرطوم على رأس وفد وزاري كبير كان هو الأول والأخير من دول الإقليم والعالم على السواء. وتوج السيسي هذه العلاقة الخاصة بزيارته للخرطوم هذا العام بعد ان تيقن من ان أقدامه صارت راسخة في مقرن النيلين نتيجة للعلاقة المضطردة مع قادة الجيش السوداني الذين دخلوا في علاقة شراكة وثيقة مع الجيش المصري كانت أبرز ملامحها مشاركة الخرطوم في المناورات العسكرية المصرية الضخمة في العلمين (قاعدة مرسى مطروح) ومناورات حماة النيل الأولى في العام 2020 في قاعدة مروي العسكرية شمال السودان والتي تكررت العام 2021 بشكل أضخم من الأولى بكثير لمشاركة كل أفرع القوات المسلحة في البلدين (بجرية وجوية وبرية ودفاع جوي).
وأتت المناورات الحربية الثانية تتويجا للبرتكول العسكري الذي وقعه رئيس أركان الجيش المصري شهر ايار/مايو الماضي وعلى وقع طبول الملء الثاني الذي كانت تصر عليه إثيوبيا في قاعة المفاوضات التي أصبحت فيها وحيدة في مواجهة مصر والسودان الذي اصطف إلى جانب الوفد المصري بشكل كامل لدرجة تصل إلى التنسيق في كل صغيرة وكبيرة مع القاهرة والتحرك المشترك لمنع إثيوبيا من القيام بالملء الثاني.

المناورات العسكرية

كان كثير من المراقبين يرون ان المناورات العسكرية بين الخرطوم والقاهرة والتي ظهرت بشكل واسع النطاق شهر ايار/مايو الماضي المقصود بها توجيه ضربة جوية قاصمة لظهر جسم سد النهضة على الحدود بين السودان وإثيوبيا، خاصة في ظل الدعاية الكبيرة والدعوات المتكررة من الإعلام المصري اللصيق بجهاز المخابرات لتوجيه هذه الضربة وازاحة هذا الكابوس المسمى سد النهضة من رأس الشعب المصري، لكن في ظل ذلك كله كان قادة الحكم الجدد في السودان رغم اصطفافهم الواضح مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وقادة جيشه، كانوا يرفضون بشكل قاطع أي مواجهة عسكرية مباشرة بشأن سد النهضة ويكررون ان مصالح السودانيين الاستراتيجية والجوار والعلاقات المتميزة مع إثيوبيا تمنعهم من الموافقة على مثل هذه الضربة، وهو ما جعل حديث القادة الإثيوبيين عن وجود (طرف ثالث) يدفع السودان للحرب مفهوم المقصد والمعنى.
لكن في غضون ذلك كله مع إعلان إثيوبيا انتهاء عملية الملء الأول لسد النهضة بشكل أحادي ودون اتفاق شهر تموز/يوليو من العام الماضي ونجاحها في تخزين 3.5 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة بدون اتفاق مع السودان ومصر، بدأت بعض التوترات الأولية داخل الطبقة السياسية والقبلية في إثيوبيا تمثلت في مظاهرات إقليم ارومو ليتطور بعدها الوضع في تزامن غريب بإعلان حكومة إقليم تيغراي دعوتها لانتخابات خاصة بالإقليم شهر ايلول/سبتمبر بعد رفض ابي أحمد عقد الانتخابات العامة التي كانت مقررة في نفس شهر اب/اغسطس، متعللا بانتشار فيروس كورونا في البلاد وإعلانه الإغلاق التام أسوة ببقية العالم. ومع ظهور نتيجة الانتخابات وتجديد الثقة في حكومة إقليم تيغراي صارت لغة العداوة بين القادة في العاصمة أديس أبابا والقادة من جبهة تحرير تيغراي في عاصمة الإقليم ميكلي تصل درجة عالية من الخشونة والحدة ما دفع ابي أحمد لمهاجمة إقليم تيغراي واكتساحه بشكل كامل في شهر تشرين الثاني/نوفمبر- كانون الأول/ديسمبر لتدخل بعدها إثيوبيا في أتون الحرب الأهلية المستمرة إلى اليوم. وبالمقابل استعاد السودان بشكل مفاجئ كل أراضيه المغتصبة من قبل إثيوبيا في منطقة الفشقة عالية الخصوبة والإنتاجية الزراعية التي كانت تستغلها جماعات الامهرا التي صعدت إلى سدة القرار السياسي بعد إقصاء قومية التيغراي بفعل الحرب ما جعل السودان في مواجهة مباشرة مع هذه القومية الحاكمة الجديدة في أديس أبابا.
وفي تزامن أغرب من التزامن الأول تغيرت موازين القوى في إثيوبيا آخر شهر حزيران/يونيو باستعادة جبهة تحرير تيغراي لعاصمتها ميكلي من قبضة الجيش الإثيوبي الفدرالي قبيل قيام إثيوبيا بالملء الثاني لسد النهضة الذي كانت كل أنظار المراقبين موجهة له بعد قيام السودان ومصر بمناورات عسكرية ضخمة مطلع شهر حزيران/يونيو باعتبار انه سيكون تحت مرمى نيران الطيران المصري الذي حط رحاله في الخرطوم، لكن بدلا عن رؤية هذه الضربة رأى العالم جنود الجيش الفدرالي منهارين وأسرى يجوب بهم قادة وجنود التيغراي شوارع العاصمة ميكلي. ومع انتهاء إثيوبيا ورئيسها ابي أحمد من إعلان الانتهاء من عملية الملء الثاني الأسبوع الماضي، كان الصراع يشتد بشكل غريب حيث أعلنت جبهة تحرير بني شنغول التي يقام على أراضيها سد النهضة التمرد بشكل واضح على سلطة ابي أحمد وبدء عملياتها العسكرية ضد السلطة المركزية في أديس أبابا، وبالتوازي سيطرت جبهة تحرير تيغراي على الطريق الدولي القادم من جيبوتي نسبة لتمركز غالب قوات الجيش الفدرالي على الحدود مع السودان.
ومن غير المعروف ما سيكون عليه الوضع في الشهور التالية داخل إثيوبيا على مستوى الحروب الأهلية بعد الانتهاء من عملية الملء الثاني بعد دخول جبهة بني شنغول الانفصالية في دائرة الصراع، في وقت كان الإعلام يسخر من فشل كل خطط الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في ايقاف إثيوبيا عن الملء الثاني لبحيرة السد وفشل جهوده مع حلفائه في السودان في إصدار قرار من مجلس الأمن، وعدم قدرته على توجيه الضربة الجوية التي كان يتوعد بها الإعلام المصري، والتي تعتبر غاية الفشل.
ولكن بالمقابل نجد ان الملء الأول تزامن بعده خروج إقليم تيغراي عن سيطرة الدولة الإثيوبية واستعادة السودان لأراضي الفشقة الخصبة ومع اكتمال الملء الثاني لبحيرة السد بدأ إقليم بني شنغول الحرب على الدولة المركزية بينما تسيطر جبهة تحرير تيغراي على غالب الإقليم ووضعت أقدامها على الطريق القاري الذي تدخل منه حاجيات إثيوبيا الأساسية عبر ميناء جيبوتي ومن بينها مواد البناء للمتبقي من جسد السد بعد إيقاف ادخالها عبر ميناء بورسودان نتيجة للتوترات الماثلة في الحدود السودانية الإثيوبية. كل ذلك في ظل تململ كبير في إقليم اروومو من قبل قادة الجبهة الذين توافقوا مع ابي أحمد على السلام وعادوا من معسكراتهم في ارتريا كما عاد قادة الجبهة من الولايات المتحدة ومن غير المعروف إلى أين ستكون وجهتهم في هذا الصراع المحتدم.
إذن النتيجة الواضحة هي فشل كامل للرئيس عبدالفتاح السيسي في منع إثيوبيا من الملء الثاني الذي حول سد النهضة إلى واقع ولم يشف غليل الشعب المصري المطالب بضربة جوية على السد، لكن على الضفة الاخرى نجد ان الأرض تميد تحت اقدام ابي أحمد بفعل قادة تحرير تيغراي ودخول إقليم بني شنغول دائرة التمرد وإعلان جبهة تحرير ارومو ان الحل في تغيير السلطة المركزية في أديس أبابا. ويظل السؤال من الذي سيضحك أخيرا عند مواعيد الملء الثالث تموز/يوليو المقبل هل هو الرئيس ابي أحمد وهو يدير مفاتيح التوربينات لتوليد الكهرباء أم هو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حال ما نفذ التيغراي وبني شنغول وعيدهم وأحكموا الحصار على أديس أبابا وتوقف أعمال البناء في جسد السد نتيجة لتمرد بني شنغول؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية