حكايات القطار

أول ما فعلته في زيارتي لمدينة بورتسودان الساحلية، منذ عدة أيام، هو أن ذهبت لرؤية محطة السكة الحديد العتيقة، التي نشأت بنشوء المدينة، وبنيت واجهتها بحجر صلد، هو حجر المعمار الإنكليزي الذي نشاهده في أي بلدة إنكليزية.
كنت أريد أن أرى تلك المحطة بعد أن عاد إليها القطار من جديد، وكان توقف لمدة ستة عشر عاما في العهد المظلم، الذي عودنا على إطفاء الشموع، وتدمير المنجز، وإحالة كل مشروع قومي كبير إلى ذمة التاريخ، وبهذا المنطق، ضاعت السكة الحديد، والخطوط البحرية، التي كنا نرى سفنها أسطولا ضخما وعظيما، يسد فضاء الميناء، وتمتد ظلاله إلى عرض البحر، وكذلك الخطوط الجوية السودانية، التي بركت تماما، بعد أن كانت من أفضل خطوط الطيران.
المحطة لم تتغير معماريا، بالواجهة نفسها، وكتابة اسم المدينة باللغتين العربية والإنكليزية، بخط ليس جميلا، لكنه خط حماسي مقروء، كنا نقرأه دائما ونعيد قراءة الاسم مرات كلما مررنا من هناك.
قطار الركاب، الذي كان مخصصا له يومان في الإسبوع، لم يكن مجرد ناقل للمسافرين من بورتسودان إلى الخرطوم، والعكس، لكنه مجتمع سلمي متكامل حافل بقصص الود والمشاغبة والحب والتعارف، الذي قد ينتهي نهايات سعيدة، كان الناس يذهبون للمحطة في يوم القطار، يذهبون كجزء من الترفيه الذي يحتاجونه، هناك سيلتقي الشخص غالبا بأشخاص يفتقدهم، سيلتقي بفتيات جميلات، وأهل وأحباب، قد يجد من يودعه في يوم سفر القطار، أو من يستقبله في يوم عودته من الخرطوم، لكن دائما ثمة سبب وجيه أو غير وجيه يذهب بالناس للمحطة.
أذكر في أيام الدراسة الثانوية، أن كان لي صديق شاعر مرهف جدا، يكتب للعيون قصائد تضحك لها العيون، ويصف الجمال بأوصاف لا يعرفها الجمال نفسه، كنت شخصيا متيما بقصائده، أحفظ بعضها وأرددها أمامه فينشرح. الشاعر أخبرني مرة أنه سيريني الفتاة التي يستوحي منها كل تلك القصائد، كانت فرحة كبرى، لأنني كنت شخصيا أكتب الشعر العامي تلك الأيام، ولا أعرف من أين أستوحيه، فلم يكن لديّ من أستوحي منها، كان مكان اللقاء، هو محطة السكة الحديد، حيث تسافر المحبوبة، ويودعها الشاعر وداعا صامتا من بعيد، وهكذا ذهبت ومعي صديق آخر معه، لنرى كيف تلك المحبوبة. وبالفعل أشار لفتاة قادمة برفقة أهلها، قال هي، وكانت تماما مثلما ورد وصفها في قصائده، كان نوعا من العشق الصوفي البعيد عن الآلام، كما أتخيل، عشقا ليس فيه آهة أو دمعة، عشقا يحتفي بالجمال فقط، وقد استوحيت تلك اللحظة في إحدى رواياتي في ما بعد، لكني فقدت أثر ذلك الشاعر الذي لا أعرف إن كان موجودا، وقادرا على وصف الجمال بتلك المفردات القديمة، أم اكتهل، وضاعت قصائده؟

إنها حكايات القطار، حكايات السفر، التي أنعشتها تلك العودة الميمونة للقطار، أحد أعظم المشاريع التي يجب الاحتفاء بها في كل وقت.

كنا نسافر أيضا بالقطار، ونصطاد الحكايات أو تصطادنا، لا فرق، يأتي من يودعنا ومن يستقبلنا، نتعرف إليه في ذلك المجتمع الشيق، وتمتد المعرفة بعد ذلك أو تنقطع لأي سبب من الأسباب، وقد ذكرت كثيرا من قصص القطار، أو مواقفه التي صادفتها وفيها شيء من السخرية، وشيء من الألم المضحك أيضا، وربما قليل من الغضب لكن مجرد غضب سطحي لا يتناسل في الصدر أبدا، ذلك حين يكون لديك حجز في إحدى غرف النوم، وتضع إدارة السكة الحديد اسمك على باب الغرفة في ملصق صغير، ثم يأتي من ينتزع ذلك الملصق، ويدخل نساء من عائلته إلى الغرفة، وأنت جالس فيها، ثم يخاطبك بأعلى صوته: عيب أن تكون جالسا وسط النساء.
بالطبع هذا استيلاء على حقوق شخص آخر، ودائما ما يحدث في أيام الزحام، والسفر المكثف، حين يشتد حر الصيف في المدينة الساحلية، ويبدأ السكان القادرون هجرة مؤقتة إلى الخرطوم ذات الجو الخريفي، وقد ذكرت في كتابي، «قلم زينب» قصة الجزار الذي أدخل عائلته في غرفتي، وقام بطردي بتلك المقولة التي تدعي النخوة، المقولة المحتالة التي لا يمكن تجاوزها، وقد خرجت بالفعل من الغرفة، وظللت عالقا بالممر الضيق يومين، حتى وصل القطار مدينة بورتسودان.
من القصص الساخرة التي صادفتني أيضا أنني كنت مسافرا في غرفة فيها سريران، وكان رفيقي الذي تعرفت إليه، رجلا في حوالي الأربعين، له شارب مرتب، وعينان كبيرتان، وكان يحفظ شيئا من الشعر الشعبي، ظل يردده على مسامعي طوال الرحلة. وقبل أن يتحرك القطار من مدينة بورتسودان، جاء ضابط من الشرطة برتبة نقيب، حشر زوجته العروس في غرفتنا، وردد تلك المقولة التي تدعي النخوة: كيف تجلسان في وجود امرأة؟، أنا نهضت لأخرج، لكن زميلي أمسكني من يدي، وأعادني، مدّ يده إلى حقيبته الموضوعة في سلة أعلى سريره، أنزلها، وفتحها وأخرج منها زيا عسكريا مكويا، وتلمع على أكتاف القميص رتبة العميد. النقيب ارتبك، في الواقع ارتبك جدا، سحب عروسه من وسطنا وغادر بعد أن أدى التحية العسكرية، لرفيقي ولزيه المرتب الموضوع في واجهة الحقيبة، وعاد رفيقي لترديد شعره الشعبي من دون أن يعلق على أي شيء.
وأظنني ذكرت في كتابي «سيرة الوجع» قصة العم سراج الذي أراد تزويجي لابنته ونحن في غرفة مكتظة بالمسافرين، حين عرف بأنني طبيب حديث التخرج، أيضا ذكرت قصة المدرس الذي عثر عليّ في الدرجة الرابعة، حين كنت طالبا في الثانوي، وظهرت في برنامج تلفزيوني عن المواهب الطلابية، وصرخ وسط الناس، بأن لا خير في أمة لا تبجل شاعرا، وتتركه مكدسا هكذا في مكان غير لائق، ثم أخذني إلى غرفة في الدرجة الأولى، قال إنها غرفته، واتضح بعد ذلك أنه فخ استولى به على كل نقودي.
إنها حكايات القطار، حكايات السفر، التي أنعشتها تلك العودة الميمونة للقطار، أحد أعظم المشاريع التي يجب الاحتفاء بها في كل وقت.

كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية