أسوأ ما في خطاب الرئيس التونسي الانقلابي المتلفز عبارته: «ومن يطلق رصاصة واحدة ستجابهه قواتنا المسلحة العسكرية والأمنية بوابل من الرصاص الذي لا يحدّه إحصاء».
سيئة، أولاً لأنها تصدر عن حقوقي، عن رجل درس القانون ووصل إلى الرئاسة باسمه. إنه حتى يتجاوز القاعدة الحقوقية الأبعد في التاريخ: «العين بالعين والسنّ بالسنّ». لا يكتفي بإطلاق رصاصة مقابل رصاصة، فهو يهدد بوابل من الرصاص. لو فكّر قليلاً لتوعّد مطلق الرصاصة بالعدالة وحسب، شيء من قبيل: «من يطلق رصاصة ستطاله يد العدالة». غير أن الرجل أراد أن يسابق الطغاة الزملاء، الماثلة تجاربهم أمام عينيه، فقرر استخدام البراميل العشوائية المتفجرة قبل أن يتعشى به الخصوم. ولم يفتْه استخدام خطاب «المندسّين»، عندما حذّر من «توزيع الأموال في بعض الأحياء للحرق والنهب». إنه يتهم التوانسة، مطلقي شرارة الربيع العربي، بالارتزاق حتى قبل أن ينهي خطابه ويستكشف ما ردود الفعل عليه.
أسوأ ما في خطاب الرئيس التونسي الانقلابي المتلفز عبارته: «ومن يطلق رصاصة واحدة ستجابهه قواتنا المسلحة العسكرية والأمنية بوابل من الرصاص الذي لا يحدّه إحصاء».
وثانياً، فإن العبارة سيئة لغوياً. كان يمكن للرئيس قيس سعيد أن يكتفي بوابل من الرصاص، من دون الاضطرار إلى عبارة «لا يحدّه إحصاء»، فبإمكان «وابل» واحد أن يتكفّل بارتكاب أفظع مجزرة. لكنه الرئيس المولع بالاستطرادات اللغوية المضجرة، ولعله مشغول بها أكثر من انشغاله بحقوق الإنسان.
لا داعي للبحث على «غوغل» للتأكد من صحة «جداريات مبهرة من اللاذقية السورية»، كما نقلها فيديو لقناة «العالم» الإيرانية، فحتى لو صحّت فعلاً فإنها منسوخة ومقلِّدة حرفياً لأعمال عالمية مشهورة، ولا أدلّ على ذلك من الوجوه الأفريقية المرسومة، والتي أول ما تثير لديك التساؤل عن معنى رسوم جدران مستعارة لا تعكس المكان ومشاغله، كما يحدث في كل مكان، حيث الغرافيتي هو الأصدق في التعبير عمّا يدور في صدور الناس، من أحلام ورغبات مكبوتة وصور وشعارات وشتائم ووجوه وإشارات تتبّع ونعوات.
الغرافيتي هو الأصدق في التعبير عمّا يدور في صدور الناس، من أحلام ورغبات مكبوتة وصور وشعارات وشتائم ووجوه وإشارات تتبّع ونعوات.
مع بداية الثورة السورية شكّلت جدران المدن والقرى السورية واحدة من المعارك الكبرى في البلاد، وهي كانت محتلة على مدى عقود بصور عائلة الأسد، وشعاراتها. بل إن الثورة بدأت من الحيطان عندما كتب فتى درعاوي: «إجاك الدور يا دكتور»، ثم ازدحمت الجدران بصور شهداء وأعلام خضراء وشعارات الحرية، نشأت ظواهر مثل الرجل البخاخ وكفرنبل قبل أن تمحوها البراميل والطائرات.
فيديو قناة «العالم» هو جزء من معركة الحيطان السورية، كلّ يريد أن يثبت روايته، يزوّر أو يلفّق ويخترع رواية ما، لأن ما حدث قبل عشر سنوات لا ينبغي أن يتكرر بنظرهم، لا يجب أن تترك الحيطان للناس ولا لشعاراتهم.
يصعب وصف الإحساس الذي ينتاب المرء عند مشاهدة احتفال للقوات الروسية في سوريا، تحديداً كيف يُظهِر إعلام النظام السوري هذا الاحتفال.
إنه تقريباً استقواء للنظام على شعبه وتذكيرهم بأنه في حماية هذا البلطجي العالمي الذي بقي واستمر «بفضله»، ومرشح للبقاء والاستمرار بقوته.
إعلام النظام يحتفي بعرض القوة الروسية بمناسبة عيد الأسطول البحري لروسيا، فيبدو كمن يتحالى بأشياء جارته.
إن أردت أن تفهم غرور بشار الأسد أثناء خطاب القسم، ومن ثم غرور مستشارته الخاصة وهي تشرح وتضع النقاط على حروف الخطاب، عليك الاستعانة بفيديوهات مماثلة لهذا الذي تضعه «سانا» على صفحات موقعها. هذا في وقت يتهم فيه المعارضون بانصياعهم للأجنبي، عمالتهم وارتهانهم وخيانتهم، إلى آخر ما عهدنا من تسميات وأوصاف تقود إلى المقصلة.
مسموح للسوريين فقط أن يكونوا عملاء إيران، روسيا، الصين، حزب الله، الإمارات، الباقون جزء من المؤامرة الكونية، إلى أن يسمح التكتيك بتحالف جديد.
مقابلة لونا الشبل، المستشارة الخاصة لبشار الأسد، وهي تشرح خطاب رئيسها على شاشته، تثير الغثيان في كل عبارة وتفصيل، إلى حدّ أنها دفعت عتاة الموالين لتصريح خطير: «كنا نخاف على الرئيس، بتنا نخاف منه».
كُتب الكثير عن المقابلة، ما يلفت بالإضافة إلى ذكر، جوابها على عتب «أحزاب المعارضة المرخّصة»، الذين جرى تجاهل دعوتهم لحضور خطاب القسم، فهي تقريباً مررتْ الأمر على أنه مجرد خلل في التنسيق! خلل سمح لكل من هبّ ودبّ بالحضور، من علي الديك إلى زهير عبدالكريم وفادي صبيح وسواهم من فنانين مرخّصين.
لا يمكن لحزب معارض أن يطلب ختم السماح من طاغية متوحش، ومن يتيح نفسه إلى هذا الحدّ سيجد من يستقوي عليها أكثر منه
«أحزاب معارضة مرخّصة»! لا نفهم هذه العبارة إلا كما يجب أن تفهم: لا يمكن لحزب معارض أن يطلب ختم السماح من طاغية متوحش، ومن يتيح نفسه إلى هذا الحدّ سيجد من يستقوي عليها أكثر منه. على نحو أدق؛ من يضع برقبته حبلاً سيجد مية حدا يجرّه، أو يربطه أينما يشاء.
«كيف تصبح طاغية»، عنوان سلسلة وثائقية ممتازة على منصة «نتفليكس»، تعالج في ست حلقات بعض القواعد التي اتبعها أعتى طغاة العالم المعاصر ليحكموا بلادهم بقبضة من حديد. تتناول السلسلة هتلر وستالين وماو تسي تونغ وكيم إيل سونغ وعيدي أمين وصدام حسين ومعمر القذافي. وتأتي على ذكر آخرين بشكل عابر مثل بول بوت.
ما يلفت أن لا ذكر لبشار الأسد وأبيه في كتاب الطغاة هذا، هما اللذان يشكلان ستين عاماً من التوحش والدم لم ينته حتى الساعة.
الطاغية السوري نفسه سيحزن لهذا النبأ.
هل هناك مؤامرة كونية محبوكة أكثر من هذه!
٭ كاتب فلسطيني سوري