القاهرة ـ «القدس العربي»: «الأدب نتاج واقع، نتاج مجتمع وحلم يتشكّل، كل هذه المعاني الحقيقية تصب في أهمية الشعر العربي … القصيدة تحمل رسالة بالطبع طالما يوجد المعنى والتغيير، وقد لا أضمن التغيير، لأن من الممكن أن يهدّه شخص حاكم لا شأن له بالأدب» (فؤاد حجاج)
في هدوء شديد كحياته، وبعد معاناة مع المرض استمرت عدة سنوات، رحل شاعر العامية والكاتب المصري فؤاد حجاج، الذي يعد من أكبر شعراء العامية المصريين، وإن كان لا يحظى بالمكانة اللائقة، التي يحتلها الكثير من أنصاف المواهب، نظراً لشللية الوسط الأدبي والإعلامي في مصر. ارتبط الرجل بالعمال وعالمهم، بل خرج من معطفهم كصوت يعبّر عن آمالهم، وحتى بعدما ذاع صيته من خلال الإذاعة والتلفزيون، لم يتخل عن موقعه بينهم. نشأ حجاج في مدينة شبرا الخيمة، وهي مدينة عُمالية بامتياز، فيها الكثير من مصانع النسيج التي كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت. كان هذا المحيط هو جمهوره الأوحد، وكانت محافل ومناسبات يوليو/تموز وعيد العمال، بمثابة لقاء دائم بين الرجل والجمهور، وقد أدرك هو تماماً وجهته منذ زمن، فالشعر ليس للصفوة ولا ينتظر آراء النقاد الجوفاء، من الناس وإليهم .. والأجر على الله.
الموت والحياة
من خلال عدة أحاديث صحافية أشار حجاج إلى البدايات، وكيف أصبح وحدد اختياراته، بمعنى.. مع مَن سيقف وسيكتب. لتبدو أن مفارقة الموت والميلاد هي المحرّض الأساس للكتابة، فيذكر قائلاً.. «بدأت الرحلة بمفارقة بين الحياة والموت، حيث كنا كشباب تلك الفترة نعانى من مرارة نكسة 1967 وإذا بي أعلم أن ابناً لأسرة مجاورة لنا في السكن كان مجنداً ووصل خبر استشهاده في اليوم نفسه الذي ولدت فيه زوجته مولوداً جديداً، ووجدتني أكتب عن لسان ذلك الوليد واستنطقه بمشاعر أوجاع الفراق». كانت تلك القصيدة التي كتبها باسم «صرخة جنين».
هذه اللحظة الفارقة هي نفسها التي ستخلد اسم الرجل في ما بعد، عندما تصادف وكتب كلمات تيترات مسلسل «حديث الصباح والمساء»، المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ بالاسم نفسه، وقد كتب السيناريو محسن زايد، ولحن الكلمات عمار الشريعي، وغنتها أنغام. فيقول.. «بحكم الصداقة التي نشأت بيني وبين محسن زايد، أخذ في إرسال حلقات المسلسل إليّ تباعاً لأبدي رأيي فيها أثناء الكتابة، هزتني الأحداث بشدة، فكتبت تتري البداية والنهاية، بدون أن يكلفني أحد بكتابة شيء، كتبت فقط لأني لم أستطع أن أتمالك نفسي أمام جمال السيناريو، عرضت ما كتبت على محسن زايد، ولم أكن أتوقع الكثير، إلا أنه أعجب بالكلمات بشدة، واعتبرها تلخيصاً وافياً لكل أحداث المسلسل في أسطر قليلة، وأذكر أنه نقل لي لاحقاً ثناء الأستاذ نجيب محفوظ وإعجابه الشديد بما كتبت».
الناس
لم يكن يشغل الرجل سوى الناس، ومحاولة التأثير والتأثر فيهم بالطبع، فابتعد عن مهاترات وسخافات الوسط الأدبي، واكتفى بالكتابة فقط، بدون انتظار لأحد أو لتكريم يليق به، ومن خلال ترأسه لجريدة «العمال» ـ صوت الاتحاد العام لنقابات عُمال مصر ـ ساعد الكثيرين ممن يتحسسون خطواتهم في عالم الكتابة، بل إن منزله الذي لم يتركه طيله عمره ـ والتابع لإحدى شركات النسيج ـ كان مزاراً لكثيرين ممن يتوهمون الكتابة، وكان الرجل مبتسماً يستمع في صبر لترهات وكلمات طفولية عديمة التجربة ـ كنت أنا أحدهم بواقع الجيرة ـ يُثني ويوجه في هدوء، ويوصي دوماً بالقراءة. فكرة التواصل هذه لم يتوقف عنها، حتى بعدما طال جسده المرض، فكان يطوف المدن المصرية، مقدماً عروضاً حيّة، تجمع الشعر والغناء ـ ما يُشبه السامر الشعبي ـ مع المطرب (فايد عبد العزيز)، الذي شاركه رحلة العجائب هذه، وتم تقديمها تحت اسم «حبّة عَشَم في المحروسة».
بعيداً عن الساسة وزعماء كتب التاريخ
لفؤاد حجاج عمل درامي مهم ذاع وانتشر وقتها، كنا ننتظر مشاهدته في طفولتنا، كان بعنوان «أبو الهول يقول»، كانت أغنية المقدمة لسمير الإسكندراني، وتقول.. «محروسة مصر اللي حارسها رب العباد معاه ناسها/ والحب فينا مونسها وأنا وابن عمي على الجاني». حيث كان أبو الهول هنا شاهداً على التاريخ، كانت حلقات المسلسل تتناول سيرة كفاح المصريين ضد الحملة الفرنسية، ودور البسطاء فيها وليس الزعماء.
والآن
في أحاديث حجاج الأخيرة نجده في حالة من التشاؤم، رغم الأمل الذي يوصي به الآخرين، خاصة الشباب. فالعالم الذي نشأ خلاله وناضل على طريقته اختفى شيئاً فشيئاً، فيقول .. «مصر مليئة بالخير وهناك أموال تصرف ببذخ لأشياء عابرة واعتبارات تافهة، والقضية الأم تكمن في توزيع الحقوق، إذا تم توزيعها بالعدل فنحن نسير في الاتجاة الصحيح، وإذا لم يحدث هذا سيظل الميزان مؤرجحاً. فكما أنا مؤمن ببلدي وبريادتها في كل المجالات، فلا بد عليّ أن استغل العقول الجبارة بها، واعتمدنا عليهم بدون وسائط، بدون محاباة سنسير بالطبع في ركب التقدم، وسيخترع المصري الذي لم يخترعه الأوروبي، فجدك بنى لك الهرم وأنت بنيت السد. عبد الناصر أنشأ السد في ظروف سيئة جداً جداً ليتحدى به العالم، ولم نتبرع لبناء السد العالي أبداً، فهو تم بناؤة بدون أن يمس جيب المواطن المصري، فلم نعش هذا الغلاء حتى أيام حرب أكتوبر/تشرين الأول. القضية تكمن في الإدارة، وعلى رأي ما يقولون في أمثالنا الشعبية.. «أنا جَمَل زين ولكن عِلّتي الجَمّال».
وفي الأخير ستظل سيرة الرجل هي الأبقى، كما قال هو نفسه في تيتر نهاية حديث الصباح والمساء..
«ياللىّ انت عايش حياة بص لها تلقاها
سِبحة هنا وتنفرط بالعمر مانشوفهاش
ولا شيء يعطّر حياتنا يمد في مداها
غير سيرة عاشت هنا أكتر صاحبها ما عاش».
بيبلوغرافيا
بدأ فؤاد حجاج مشواه الأدبي في آواخر الستينيات، وأصدر ديوانه الأول عام 1971 بعنوان «وادي الخوف» عن ذكرياته في حرب الاستنزاف، التي شارك فيها. ثم توالت دوواينه الشعرية، منها.. «في المحكمة» 1973 «غنوة المطر» 1987 «نور النار» 1989 «فتافيت الجمر» 2004. وقصائد درامية طويلة، مثل.. «يوميات عبد العال» 1984 و«محاكمة شخصيات نجيب محفوظ» 1988، إضافة إلى مسرحيات غنائية للأطفال.. «قطار الحواديت» 2007 وتم تقديمها على مسرح الدولة، وكذلك مسرحية «والله زمان يا فاطمة»، و«سلامات يا ست روز» 2009. بجانب الدراسات النقدية، مثل.. «المسرح والعمال» 1989 «بيتهوفن معزوفة التحدي» 1995 مسرح الثقافة الجماهيرية 1997 و«طه .. قنديل من الوطن». كذلك العديد من البرامج والمسلسلات الإذاعية، والتلفزيونية، التي كانت تستعرض معاناة وكفاح الإنسان والشعب المصري، ربما أشهرها مسلسل «أبو الهول يقول».