تستهل الناقدة والإعلامية الإماراتية عائشة سلطان كتابها «هوامش في المدن والسفر والرحيل» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة بمقولة للروائي التركي أورهان باموق يقول فيها: الكتابة عن المدن تُعد حفظًا للذاكرة، فالمكان يسجل نفسه في ذاكرتنا وفقًا لأحاسيسنا في اللحظة الراهنة، وحين ندمر تفاصيله.. البيوت، الأشجار، الأسوار والأسواق.. فإننا نفقد فهرس ذاكرتنا، لأن فقدان المكان هو فقدان للذاكرة!
في كتابها هذا الذي يصنف ضمن أدب الرحلات ترى أن هذه الأسفار والرحلات قد أثْرتها، شاكرة كل من شاركها الضحك والبهجة في القطارات والرحلات الطويلة، وعلى المقاهي وأرصفة المحطات، ولا تنسى بداية أن تشكر المغامرات والشقاوات.
الإنسان مثل الطير
حين كبرت الكاتبة عرفت أن الحكمة كالنار تسرق غوايات القلب لتمنحها للعقل، وأنه كلما كبرنا قلّ فرحنا وتضاءلت دهشتنا، لأننا صرنا أكثر حكمة وأكثر رصانة وأقل دهشة. هنا تحكي الكاتبة أنها كانت تسمع والدتها تقول في كل مرة يسافر فيها إخوتها، أو تودع أحدا من معارفها: الإنسان مثل الطير تماما، وحين كبرت الكاتبة وسافرت حتى ملّت السفر والترحال عرفت ما كانت تعنيه والدتها. وهي طفلة صغيرة كانت الكاتبة شغوفة بالإذاعة وبالكتب، وتعلقت بالراديو وكانت تستمع إلى حكايات أمها، وبعد أسفار الطفولة، سافرت عائشة لأول مرة بالطائرة إلى كراتشي، وبعدها سافرت إلى عدة مدن وبلدان، في رحلات كانت تنظمها جامعة الإمارات. سافرت عائشة سلطان إلى واشنطن وزارت البيت الأبيض ووقفت أمام تمثال إبراهام لنكولن، ووقفت طويلا أمام مسلة واشنطن الشهيرة. بعد ذلك ارتبطت الكاتبة بمدينة ميونخ الألمانية، ولسنوات طويلة كونت هذه المدينة داخل الكاتبة حمولة من الذكريات لا تمحى، أحبت ريفها، تاريخها، قصورها والكاتدرائيات والنزهات والأصحاب. عائشة تذكر هنا أن الشعب الألماني من أكثر الشعوب تقدما، وهو شعب كثير العمل قليل الضحك والابتسام. أما أغرب أسفار الكاتبة فهو السفر الذي قطعت فيه آلاف الأميال لحضور حفل غنائي للعظيمة فيروز في لبنان والبحرين.الكاتبة التي سافرت للمتعة والبهجة وتجمعات الأصدقاء، لا تزال تحن لتلك الشوارع والطرقات المرصوفة بالحجارة القديمة، والمبللة بأمطار الليل. لا تزال تحن إلى ساحة سان ماركو الرومانسية في فينيسيا، ولجولات الجندول، ولشرفة جوليت في مدينة فيرونا، ولمقاهي شارع الماكسيميلبان في ميونخ، وللفناء الرخامي المشع بأنوار البيت العتيق والمسجد الحرام في مكة المكرمة، ولساحة الكنيسة القديمة في المارين بلاتز، ولشوارع سنغافورة ومدينة بومبي الهندية وباريس ومطاعم بروكسل في أستراليا.
ذاكرة طازجة
هنا تكتب عائشة سلطان عن دبي وهي مدينتها التي ولدت فيها، وفيها تعلمت أبجدية البحر والصحراء والحب واللعب وشغف الأسفار. الكاتبة تقول إن دبي مدينة قد تثير الأعصاب بزحامها في كل الأوقات، ومع ذلك فهي مدينة شديدة الترتيب والتنظيم. عائشة سلطان ترى هنا أن المجتمعات العربية ستبقى ممتدة ونابضة بالحياة، طالما بقيت تحتفظ بذاكرتها طازجة محمية من العطب وعصية على الفقدان، ذاكرة المجتمع هي الذاكرة الجمعية لكل الأفراد، لعاداتهم وسلوكياتهم العامة، لموسيقاهم وأغنياتهم العلنية، لألعابهم وطقوس أعراسهم وأعيادهم وأحزانهم، وكل ما يشكل الهوية الجامعة للأفراد، التي تحرص الأمم على جمعها وحفظها حيثما وجدت. في سفرها ورحلاتها توصلت الكاتبة إلى أننا نحتاج لأن نرصد وجوه الناس وتفاصيلهم، الرجال والنساء، الكبار منهم على وجه التحديد، لنحتفظ قدر الإمكان بهوية المدينة وتاريخها.
هنا تتحدث الكاتبة عن سفرها إلى القاهرة، الإسكندرية، لبنان، الكويت، براغ، ياشيموف، إسطنبول، بانكوك، فلورنسا، بادن بادن، بروكسل، فيينا، دبروفنيك، برشلونة.في الجزء الذي عنونته الكاتبة بـ(مفكرة مسافر) تقول إن هناك دوما حلما مؤجلا لم نذهب للقائه علنا ولا حتى خفية عن عيون الحاسدين، وهناك أمنية في البال مخبوءة لشخص ما، وربما لعمر مقبل، خاصة بالنسبة إلى هؤلاء الذين ينسون لكثرة ما يؤجلون أحلامهم، فالعمر لا يُؤجل والأيام التي تذهب لا تعود. هنا وفي كتابها عن المدن والسفر والرحيل تنصح الكاتبة المسافر بألا يحزم أمتعته، وألا يتوجه إلى أي مكان وهو يحمل تصورات الآخرين عن المكان الذي ينوي الذهاب إليه، إذ أنه من الأفضل أن يذهب بلا تصورات، من أن يذهب محملًّا بنصائح وأفكار وانطباعات صادرة عن أشخاص آخرين. كما ترى أننا قد لا نتصالح مع كل المدن والأمكنة وقد ننفر من بعضها ونعشق بعضها الآخر دونما سبب ظاهر. هنا أيضا تؤكد عائشة سلطان أن السفر احتياج وثقافة، وعليه فليس شرطا أن تبهجنا مدينة قضى فيها أصدقاؤنا وقتا ممتعا. كما ترى أن السفر قد يغير الأشخاص. وبعد.. لقد سافرت عائشة سلطان إلى عدة مدن وبلدان، وحكت لنا عنها هنا وعن ذكرياتها فيها، وقد جعلت القارئ يسافر معها إلى حيث سافرت، لكن دون أن يغادر مقعده الجالس عليه بصحبة كتابها هذا.
كاتب مصري