من فيلم »الرجل الذي باع ظهره«
راهنت المخرجة التونسية كوثر بن هنية على حقيقة مهمّة، وهي أنّ «كل القصص المدهشة يزخر بها الواقع» فانطلقت من واقعة حقيقية، من تلك الوقائع التي لا يصدقها العقل، لتبني تفاصيل قصتها وفق المحنة السورية. الرّهان الثاني كان في قائمة الممثلين والنجوم الذين قدمتهم بشكل مغاير.
اعتمدت بن هنية على ممثل سوري غير معروف، يحيى مَهَايْني، الذي سرق وهج من شاركه الفيلم دون منازع. فلمع بأدائه بشكل كبير. في الفيلم أيضا ممثلة فرنسية ظننتها لبنانية إلى أن بحثت عن معلومات عنها، ديا ليان ممثلة مسرح، تؤدي دورها السينمائي الأول. يشارك في الفيلم كل من النجمة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، والنجم البلجيكي كوين دي باو والنجمة اللبنانية دارينا الجندي..
جمعت بن هنية أطراف قصتها بخيوط درامية جميلة أساسها ذلك التنوع الجميل عبر جنسيات الممثلين، واللغات المستعملة في الفيلم، هذا غير القصة التي عبّرت عن وجع السوريين والإنسان العربي المقهور عموما بطريقة مختلفة. كما عَبَرَت بتصوُّرها الفني الذكي الحواجز العنصرية الكثيرة التي ازدادت علوًّا وسماكة بين شعوب الأرض في السنوات الأخيرة، وضعت الأصبع على الجرح، موجهة للعالم أجمع مرآة عاكسة لبشاعة الصفقات التي تتاجر بالإنسان تحت مسميات مختلفة، مثل مسمّى «الرسالة الفنية» على سبيل المثال.
في مقالات نقدية كثيرة، نقرأ عن تأثر بن هنية بفكرة الفنان البلجيكي ويم ديلفوي، الذي ابتكر طرقا غريبة لعرض أعماله الفنية، من بينها رسم إحدى لوحاته على ظهر شاب اسمه تيم شتاينر كان يجلس لساعات عارضا ظهره للجمهور في المتاحف، مقابل ثلاثين في المئة من الأرباح، إلى أن بيعت اللوحة لجامع تحف ألماني تخوّله الحصول على جلد ظهره بعد موته. نذكر القصة المصدر، حتى لا يدخل القارئ العربي في تأويلات تهرس لب العمل السينمائي وتحوّله إلى ثرثرة سياسية لا معنى لها. نحن أمام تعبير درامي بليغ، نقل لنا صورة الإنسان المُشيّأ، حين يصبح مجرّد رقم، أو أداة، أو بضاعة. مع إبراز كامل لأهمية الحرية لاكتمال إنسانية هذا الكائن البشري.
لكن لماذا هذه المغامرة من طرف المخرجة التونسية؟ لماذا القفز مثل سمكة جرفها النهر إلى بحر هائج؟ لماذا لم تقدّم قصة تونسية؟ لماذا أعادت تركيب صورة السوري الهارب من القمع على شكل رجل باع ظهره؟ أعتقد أنها أرادت الخروج عن المألوف، وتقديم نموذج جديد للمأساة السورية يحاكي بالضبط ما تقدمه مَعَارض الفنون المعاصرة. صورة الإنسان الذي لم يعد حبيس الجغرافيا. ولا حبيس ثقافة معينة. إنه الإنسان المعاصر المتشظي في العالم لأسباب مختلفة. المنتمي لكل مكان وللامكان. المهاجر الذي يركض باحثا عن فضاء ثقافي يناسب مفاهيمه الثقافية الخاصة. تنتصر المخرجة لفكرة استعادة امتلاك الجسد. تطلق صرختها عبر شخصية سام، حين صفق الباب في وجه ممثل منظمة لحقوق الإنسان، رافضا أي وسيط بينه وبين جسده، وهو يقول له أن لديه كامل الحق ليبيع ظهره أو مؤخرته، فهو حرُّ في جسده!
تقترح علينا بن هنية صيغة من صيغ الفنون المعاصرة حتى تصدمنا بما هو غير مستهلك، منذ المشهد الأول الذي يرقص فيه سام مع حبيبته في الحافلة، بعد أن أعلن بصوت مرتفع عن حبه لها ورغبته في الزواج منها، إلى سجنه بسبب تلك الرقصة البسيطة، إلى رحلته العجيبة بين متاحف غربية بفيزا شنغن لأنه تحوّل، حسب مفهوم الفن إلى لوحة ولم يعد جسدا لمواطن سوري ينظر إليه بعيون الريبة.
سام اللاجئ السوري الذي باع ظهره غيّر قدره كاملا حين أدرك أن ذلك ممكنا. فعاد إلى بلده، بحقيبة من الأحلام والأمنيات.
تمضي رحلة سام من محطة إلى محطة كفاكهة تشهد نضوجها شيئا فشيئا، إلى أن أتت تلك اللحظة الرهيبة، لحظة القطاف، والاستهلاك النهائي لها بعد أن أصبحت جاهزة للأكل. وهي اللحظة التي بيعت فيها اللوحة المرسومة على ظهره فانتابه الخوف، وأدرك أنه لا يزال فاقدا لحريته، وأن رحلته التي بدأت بسخافات مراهقاتية في حافلة سورية، وانتهت به إلى فضاءات أوروبا الفسيحة بين قاعات العرض للفنون المعاصرة، لم تحقق له أمنيته الوحيدة، وهي أن يعيش حريته بكاملها، مع حبيبته. فصرخ صرخة ثانية، أقوى من الأولى، حتى أخاف جمهور القاعة، الذي تبعثر هاربا ظنا منه أن الرجل/اللوحة مقدم على تفجيرهم بحزام ناسف يخفيه تحت بنطلونه.
الفيلم قائم على رمزية قوية، ومع هذا كانت قراءته واضحة ومفهومة، لم يكن قاتما، بل طريفا، دون أي إسفاف، أو فقدان لعمقه، كما أنه درامي بعض الشيء، وكوميدي في بعضه، ونحن هنا نقف وقفة إعجاب أمام الممثل يحيى بهايني الذي جعلنا نضحك في مواقف كثيرة بعفوية غريبة، مثل تشارلي شابلن لديه قدرة على إيصال إحساسه بعينيه، لديه ملامح ناقلة لحزنه، وسخريته، وفرحه، وشوقه، وغضبه، وخوفه، دون حتى أن ينبس بكلمة. دون شك نحن أمام طاقة إبداعية كبيرة، تبلغ قمّتها في هذا الفيلم عند مواجهة «سام» لحالة والدته (دارينا الجندي، ممثلة عظيمة أخرى) في تلك اللحظة المتناهية في الصغر زمنيا، الضخمة في محمولاتها الإنسانية، يتلفّظ باعتذار متأخر، مشهد بليغ عصي عن الوصف.
لقد أرادت كوثر بن هنية الابتعاد عن «خطاب الضحية « الذي رافق شرح قضية اللاجئين عالميا، ابتعدت عن المخيمات، وعذاباتهم المتشابهة فيها، فقدّمته على شكل بطل معاصر خاض مغامرة مختلفة عن كل المغامرات التي حفظناها عن اللاجئين. حتى أنّها بشكل ما وصفت مغامرة بطله،ا بالشبيهة بمغامرتها الشخصية وهي تحاول الحصول على تأشيرة لدخول فرنسا. قد نفضّل قصّة أكثر مأساوية، يتعرّض فيها أبطال الفيلم لأقسى أنواع العذاب للحصول على تعاطف جماهيري من أجل قضية كهذه، لكن المخرجة التونسية أرادت أن تلعب على خط آخر، معتمدة قوة الفن وجمالياته السحرية لغة لإيصال فكرتها. لقد وصف أحد النقاد الفيلم قائلا: «إنّه ساحر وسامّ، ويستحضر بذكاء، ويلات شكل حديث من العبودية». برع صناع الفيلم في جعله ألبوما رائعا من الأضواء والألوان والزخارف والأعمال الفنية، في إشارة واضحة إلى العصر الحديث، الذي يبدو في الفضاءات الأوروبية عصرا حضاريا تجاوز قذارات الحروب والاقتتال من أجل السلطة، والثروات، وأشياء أخرى.
لكن حتى هذا العصر البرّاق، المزين بالتحف الثمينة، الذي لا يخلو من حروب صامتة تتطلب تضحيات لا تُطاق من أجل البقاء على قيد الحياة، والنجاة من القتل والترهيب والرعب والعوز ، يحتاج لعملية نقد حادة من أجل تصحيحه.
ليس سهلا أن يبيع رجل جلد جسده، أو ظهره أو أي عضو من أعضائه، لكنّها صفقة معاصرة جدا، من أجل شراء حياة تتوفّر فيها بعض الكماليات، مثل الإقامة في فندق خمسة نجوم، وتناول كافيار على العشاء، وارتداء روب دي شامبير من الحرير، والحصول على مبلغ مالي كبير بالعملة الصعبة…مجرّد أمثلة لسلسلة من الأشياء تهاوت أمام عينيْ سام، حين رأى والدته بالخطأ على سكايب مقطوعة الساقين.
لا أدري لماذا حضرني فيلم «جري الوحوش» لعلي عبد الخالق (إنتاج 1987) الذي عالج موضوعا مشابها بطريقة ناسبت آنذاك صعود التيار السياسي الإسلامي، فقُرِئ الفيلم كما لو أنّه دعوة لقبول النصيب، والعدول عن أي محاولة لتغيير الفرد لقدره. أعتقد لو شاهدت الفيلم حديثا سأخرج بقراءة مغايرة تماما لتلك التي كونتها آنذاك عنه.
سام اللاجئ السوري الذي باع ظهره غيّر قدره كاملا حين أدرك أن ذلك ممكنا. فعاد إلى بلده، بحقيبة من الأحلام والأمنيات. نهاية جميلة رومانسية، تناسب أحلامنا وطموحاتنا البسيطة، البعيدة عن التّرف والمقامرات الغريبة التي ينتهي فيها الإنسان مجرّد بضاعة للبيع. تحت غطاء قصّة حب مستحيلة، وأمل في إنقاذ ذلك الحب، استطاعت هذه المخرجة المتميزة أن تقدم لنا عملا سينمائيا بارعا، يستحق كل النجاحات التي حققها وأكثر.
شاعرة وإعلامية من البحرين