توجسات الجزائر تبررها الأوضاع الأمنية المتوترة على كل حدودها، من ليبيا إلى حدودها الجنوبية مع الساحل خاصة في مالي والنيجر، إلى جانب الصحراء الغربية وتدهور العلاقات مع المغرب.
الجزائر-»القدس العربي»: شكلت الأحداث الأخيرة التي عرفتها تونس مصدر قلق كبير لدى الجزائر، بسبب ما يمكن ان ينجر عن التحاق تونس بركب الدول غير المستقرة في المنطقة من ارتدادات عليها في ظل التكلفة الكبيرة التي تدفعها سنويا جراء الأوضاع في ليبيا وباقي دول الساحل المحيطة.
ولم تصدر الجزائر أي بيان صحافي بخصوص موقفها من القرارات التي اتخذها الرئيس تونسي قيس سعيد بإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه وتعليق عمل البرلمان لمدة شهر، وهي القرارات التي خلفت جدلا واسعا في الشارع وصلت إلى حد مواجهات محدودة بين أنصار ومعارضي الرئيس، ومخاوف من تفجر الأوضاع.
وبحكم إدراك قيس سعيد حساسية الجزائر من أي انفلات للوضع في تونس، اتصل بنظيره الجزائري عبد المجيد تبون، في أول اتصال خارجي له بعد قراراته يوم 25 تموز/يوليو، وجاء في بيان لرئاسة الجمهورية الجزائرية أن الرئيس تبون، تلقى «مكالمة هاتفية من أخيه قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية، تبادلا فيها مستجدات الأوضاع في الشقيقة تونس» كما تطرق الرئيسان، حسب البيان «إلى آفاق العلاقات الجزائرية التونسية وسبل تعزيزها».
وبعد يوم من الاتصال وصل وزير الخارجية الجزائري إلى تونس في إطار زيارة كانت مبرمجة مسبقا، حمل خلالها رسالة إلى الرئيس التونسي من نظيره الجزائري، كما التقى وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي، وقال لعمامرة بعد لقائه بالرئيس التونسي بانه «تبادل المعلومات مع سيادة الرئيس حول عدد من القضايا الإقليمية والقارية التي تهمنا، كما استعرضنا عددا من التحديات على مختلف المستويات» وأضاف بأن «تونس الشقيقة كانت دائما حليفة للجزائر، التي ترغب في بناء علاقات مثالية مع تونس».
في المقابل نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول سياسي تونسي قوله إن «الجزائر حثت سعيد ومعارضيه على الامتناع عن أي مواجهات للحيلولة دون المزيد من زعزعة الاستقرار أو تدخل قوى خارجية».
وتكشف تصريحات السياسي التونسي حجم التوجس الجزائري من انفراط الوضع في تونس، ومحاولتها الدفع بطرفي الأزمة إلى التوصل إلى حلول في أقرب وقت لتجنب أي تطورات سلبية للوضع السياسي التونسي.
ورأى ملاحظون في الجزائر وتونس، ان قيس سعيد وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة قد تراجعت حدة خطاباتهما ومواقفهما مقارنة باليوم الأول من الأزمة، وأرجعوا ذلك إلى اتصالات خارجية ومن بينها الجزائر ساهمت في هذا التراجع.
توجسات الجزائر تبررها، حسب متابعين، الأوضاع الأمنية المتوترة على كل حدودها، على غرار الوضع في ليبيا الذي استنزف من الجزائر جهدا وانفاقا عسكريا كبيرا لتأمين حدودها التي تناهز 1000 كيلومتر على مدار سنوات الحرب، ونفس الأمر على حدودها الجنوبية مع الساحل خاصة في مالي والنيجر في ظل الانهيار الأمني وخطورة الجماعات الإرهابية النشطة في هذه المنطقة والآثار الأمنية الكبيرة على الجزائر، إلى جانب الوضع في الصحراء الغربية وعلاقات الجزائر مع المغرب التي وصلت إلى مستويات دنيا خلال المدة الأخيرة ولحد استدعاء سفير الجزائر بالمغرب.
هذا الوضع يدفع الجزائر للرمي بكل ثقلها من أجل منع أي تدهور للوضع في تونس، من خلال تقريب وجهات النظر ودفع الطرفين للتحاور، وتستغل في ذلك علاقاتها المتميزة مع تونس.
وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي والإعلامي محمد سيدمو ان الجزائر تميزت في تعاطيها «مع الأزمة التونسية منذ ثورة الياسمين، بالتزام مقاربة متزنة تقوم على الحفاظ على الدولة التونسية وتقويتها عبر المساعدات المادية والتعاون الأمني لمكافحة الإرهاب الذي طرأ على البلاد التونسية في السنوات الأخيرة، وذلك دون أي مقايضة للجانب التونسي أو التدخل في شؤونه الداخلية أو تغليب أي طرف سياسي على الآخر».
واعتبر سيدمو في تصريح لـ»القدس العربي» أن هذه الاعتبارات أكسبت «الجزائر احتراما كبيرا في تونس فكانت علاقتها جيدة مع حركة النهضة التي زار رئيسها راشد الغنوشي الجزائر عدة مرات أو مع باقي الأطراف السياسية المحسوبة على التيار البورقيبي».
وفي رأي المتحدث فإن الجزائر قد تكون أحسن «وسيط خارجي مأمون في هذه الفترة إذا تطورت الأزمة وفشلت الأطراف الداخلية في فك خيوطها، ذلك أن الجميع يدرك في تونس ان الجزائر بعيدة عن لعبة المحاور الكبرى المتربصة بتونس سواء من قوى خليجية أو من تركيا أو من القوى الاستعمارية التقليدية».
ويرى الإعلامي ورئيس موقع «قدس برس» محمد رابح أن «الجزائر تملك علاقات قوية مع تونس بحكم الجوار أولا ولوجود علاقات اقتصادية ومصالح متبادلة لعل أهمها استفادة تونس من الطاقة والغاز الجزائري، وتحتفظ أيضا بعلاقات طيبة جدا مع كل الأطراف السياسية في تونس وعلى رأسهم رئيس تونس قيس سعيد».
ويقول محمد رابح لـ»القدس العربي» إن كل هذه العوامل تجعل «من الطبيعي أن تكون الجزائر على اطلاع ما يجري في تونس ويجعل القيادة التونسية دوما حريصة على التشاور وأخذ آراء الجزائر، وقد برز ذلك في الاتصال الذي أجراه قيس سعيد بعد قراراته الأخيرة مع الرئيس الجزائري وهو الاتصال الوحيد مع رئيس آخر إلى حد اليوم والزيارة التي قام بها وزير الخارجية رمطان لعمامرة إلى تونس بعد ذلك تشير إلى رغبة جزائرية في تقديم العون.»
وقال المتحدث في إجابته عن انعكاسات الأزمة التونسية على الجزائر بأن «تونس تمثل خاصرة للجزائر والسلطات في الجزائر حريصة على الاستقرار في تونس». وحسبه فإن «أي تردي للوضع الأمني في تونس ينعكس على الجزائر ويشكل عاملا ضاغطا في ظل تدهور الأوضاع في ليبيا» مشيرا في هذا السياق إلى أن «التعاون الأمني بين البلدين هو على أعلى مستوى خصوصا في السنوات الأخيرة لمكافحة الإرهاب الذي برز كظاهرة في تونس منذ سنوات».
وفيما يتعلق بمخاوف الجزائر من فتح الأزمة السياسية في تونس باب التدخلات الأجنبية في المنطقة، فقال مدير موقع «سبق برس» بأن «التأزم في تونس يخدم وجود قوى إقليمية ضاغطة وهو ما يدفع الجزائر لدعم الجهود المبذولة للاستقرار لتفادي تحول تونس لحلبة صراع جديدة بين قوى إقليمية لديها حلفاء على الأرض في تونس».