الديمقراطية الفتية في تونس: الجيش أمام تحدي دور وطني جديد

لطفي العبيدي
حجم الخط
0

مثلت النزاعات الدستورية المرتبطة بتأويل فصول دستور 2014 وتحديد الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية، أبرز ملامح الأزمة السياسية الخانقة في تونس، والدور الكبير للجيش في حماية الممتلكات العامة والخاصة والحفاظ على السلم والأمن الاجتماعيين، ومساعدة السلطات المدنية على أداء دورها، واستلامه مؤخرا مهمة محاربة كورونا ومجابهة الأزمة الصحية، مسألة لا يمكن إغفالها. فهو لم يتخل عن دوره في كل المنعرجات السياسية والأحداث الاجتماعية المفصلية التي شهدتها البلاد.

جيش جمهوري يعمل في إطار القانون

الأحداث التي مرت بها تونس في العقد الأخير سجلت موقفا مشرفا للمؤسسة العسكرية. ثلاثة مجالات أساسية تتعلق بدور الجيش التونسي في تنمية البلاد: مكافحة الإرهاب، وحماية الحدود، ورفع مستوى الاحترافية والاستعداد العسكري. وسيكون للجيش التونسي دور مهم يلعبه في حماية التطور الديمقراطي في تونس، بالرغم من أنّ الاستقطاب السياسي والتناحر الأيديولوجي أدّيا إلى توقف صياغة سياسة الدفاع، وأبرزها الحاجة إلى تحديد مهمة الجيش بوضوح، وضرورة وضع عقيدة مهنية، وتعزيز المصالح الوطنية الأشمل. القوات المسلحة العسكرية قوات جمهورية ترتكز مهامها على الدفاع عن الوطن، وحماية وحدته الترابية. كما أنها ملتزمة بالحياد، ومن واجبها معاضدة السلطات المدنية. ويعتقد البعض أنّه لابد للمؤسسة العسكرية أن تعلن عن موقفها من المستجدات الراهنة، رغم أنّ جنرالات متقاعدين وعددا من المراقبين أكّدوا أنّ الجيش التونسي حاليا ملتزم بتطبيق الفصل 18 من الدستور. والمؤسسة العسكرية تقوم في الوقت الراهن بالدور الموكول إليها دستوريا، وفي الإطار المتاح لها على غرار ما حصل في ثورة كانون الثاني/يناير 2011. فهي ملزمة بالانضباط، وبمساعدة السلطات المدنية دون الخروج عن دائرة الدستور، أي أن تنأى بنفسها عن التجاذبات السياسية. والجيش التونسي يعمل في إطار القانون وضمن ترتيبات الدولة المعمول بها، ولاءه للوطن وليس للأشخاص، ولا يمكن أن يتورط في الانحياز السياسي، بل هو يلتزم باحترام تطبيق القرارات الجمهورية وفق ما يمليه دستور وقانون البلاد.

بين الإرادة السياسية والتوازنات

لعب الجيش التونسي في سنوات الاستقرار دورا في التنمية، فضلا عن حماية البلاد وحدودها. وشارك في إنجاز مشاريع تنموية بالمناطق الصحراوية والجبلية الوعرة. وكان الجيش جزءا من البعثات الأممية في عمليات حفظ السلام دوليا، سواء تحت راية الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي. وهو في مستوى الرهانات الوطنية على الدوام. «نحن أقسمنا على حماية الوطن» بهذه الكلمات أجاب العسكري الذي يقوم بتأمين مدخل البرلمان التونسي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي ونائبته سميرة الشواشي فجر الـ26 من تموز/يوليو عندما حاولا دخول البرلمان إثر القرارات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد بتفعيله الفصل 80 من الدستور وتجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة ورفع الحصانة عن النواب. ففي غياب المحكمة الدستورية يمتلك الرئيس الحق الحصري في التأويل الدستوري. ومنذ إقرار دستور 2014 لم يتم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية إلى اليوم وذلك بسبب تجاذبات سياسية حادة بين الأحزاب. ويرى البعض أن الجيش اليوم في موقف محرج، إذ يقف بين سلطتين منتخبتين: البرلمان ورئيس الجمهورية. غير أن العميد المتقاعد في الجيش التونسي، محمد صالح الحيدري، يرفض هذا الرأي، ويقول إن الجيش يقوم بنفس الدور الذي قام به عام 2011 وهو الانتصار للثورة وحمايتها من الذين اغتصبوها، وكرسوا الفساد وتسببوا في الأزمة الاقتصادية في البلاد، والاعتماد على المؤسسة العسكرية لإنفاذ القرارات، وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وتركيز وحدات لحماية المنشآت، هو ما لم يتوقعه الكثيرون في رأي الكاتب الصحافي كمال بن يونس. وقد فسروه بالانقلاب حيث لا تتوفر صلاحيات قوية للرئيس لاتخاذ مثل هذه القرارات، لولا اعتماد هذا الفصل من الدستور في مناخ سياسي عام اختلطت فيه الأوراق وانقسم فيه المتابعون، وأوجد التفاعل مع هذه الإجراءات. ولكن بغض النظر عن الفصل 80 هناك فصول أخرى تدعو لحماية الدولة وضمان السلم الأهلي. والدستور وحدة متكاملة، والرئيس اتخذ قرارا مصيريّا يكتسي طابع المشروعية الشعبية، بعد أن تحوّلت تونس إلى دولة منهارة.

موقف محرج للجيش لكنه غير معلن

صحيح أنه من السابق لأوانه قراءة مجال تدخل المؤسسة العسكرية في المستجدات الراهنة خصوصا أنها لم تعلن حتى الساعة عن موقفها طالما أنها محكومة بمبادئ الجمهورية. لكن المؤكد أنّ الجيش التونسي يعتبر محل ثقة مطلقة في ذهن جل التونسيين. وقف في صف الشعب، وحمى المواطنين والممتلكات الخاصة والعامة. ومنذ ثورة يناير 2011 تعمل المؤسسة العسكرية في تونس على إرساء التوازنات في البلاد. ومن المبرر أن يتخوف البعض في تونس من المس بحيادية المؤسسة العسكرية، أو إقحامها في قلب المعارك السياسية، بعد أن نجحت لعقود في المحافظة على حيادها. والتقدير الأقرب إلى الواقع أنّ الجيش التونسي لن يتورط في مستنقع السياسة وصراعات الحكم، وسيظل محافظا على عقيدته الجمهورية، وليس له علاقة بتوصيف ما يحدث سواء كان «انقلابا أو تصحيحا لمسار الثورة». وقد أكد العميد المتقاعد من الجيش التونسي مختار بن نصر أن الجيش التونسي لا يأتمر إلا بأوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة، مبينا أن رئيس الجمهورية قام بدوره وهو دور شجاع. وليس هناك مجال للشك بأنّ الجيش سيطبق المبادئ العليا التي تضبط مهام القوات المسلحة، ألا وهي الدفاع عن الوطن وحرمة وحدته الترابية. وإن قدّر البعض بأنّ الوضع لا يقتضي الحديث عن مجال قانوني، أو أطر دستورية لصلاحيات الجيش، وإنما عن حالة تأهب للدفاع عن البلاد وحماية المنشآت العامة والممتلكات الخاصة. وطالما أن البلاد في حالة طوارئ، فإن الجيش لن يتخلى عن دوره الذي تأسس لأجله في ايار/مايو 1956.

الشعب مصدر السلطة والمشروعية

التغيّرات الحاصلة في بنيان المجتمع تقتضي تجاوب المنظومة السياسية مع مطالب الأفراد. فالثورة تعني القطع مع طرق التعامل القديمة لا مواصلة حشد الناس وتسييرهم وفق وعي قطيعي، في نوع من مكابدة العزلة السياسية. ومن فشل في تجربة الحكم، وأوصل الأمور إلى ماهي عليه من تدهور اقتصادي ومالي، وساهم في استفحال الفساد واندمج فيه، وكرّس البؤس الاجتماعي لدى فئات واسعة، لا يمكن أن يُرجى منه إصلاح ما أفسده. والتمسّك بالسلطة رغم حصيلة الخيبات، وسوء التدبير هي إضاعة للوقت، ومراكمة للأزمات، ونشر للإحباط. ولا مقايسة على الدولة الحديثة، ولا أخلاقية سياسية للحكم خارج إطار المشروعية التي يمنحها الشعب وبإمكانه سحبها. والدولة الوطنية الحديثة، دولة مكلّفة بحماية الوطن والدفاع عن مصالحه. والشعب فيها هو مصدر السلطة عمليا لا نظريا. وما قام به قيس سعيد هو خارج سياسة المحاور، وتموقع الأحزاب وأجنداتها المختلفة والمتصادمة. وقراراته هي استجابة لمطالب الشعب منذ فترة، وصدى للاحتجاجات الميدانية ضد منظومة حزبية دمرت البلد وأوصلته إلى حافة الهاوية على جميع المستويات. وهناك اتفاق مبدئي بين خبراء القانون الدستوري حول أحقية الرئيس في استخدام السلطة التقديرية التي يمنحها له الفصل 80 من الدستور لتقييم الظروف التي تستوجب اتخاذ التدابير الاستثنائية لتأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة.
المعركة الكبرى ستكون في ضرب مافيا الفساد وتغلغلها في الدولة والأحزاب. الرئيس قيس سعيد تحدث عن اللصوص، مشددا على أنه لا أحد فوق القانون، وأنه لا مجال لأية معاملة تقوم على التمييز بناء على الثروة أو التحالفات السياسية. ومن المرجح أن يعيّن سعيد رئيساً جديداً للوزراء ليتعامل مع الارتفاع الحاد في حالات الإصابة بكوفيد-19 والأزمة المالية القائمة. ويعيد على إثر ذلك صلاحيات البرلمان بعد انتهاء التعليق لثلاثين يوماً، ويسمح بممارسته أعماله الطبيعية. وهناك احتمال أن يتم تحويل النظام في البلاد إلى رئاسي بناء على استفتاء شعبي، وهو ما سيفضي إلى تضاؤل دور البرلمان. وقد يلي تلك التغييرات تعديل في الدستور وانتخابات جديدة.

المحافظة على الديمقراطية ومحاربة الفساد

جاءت قرارات سعيّد إثر احتجاجات في محافظات عديدة، طالبت بإسقاط المنظومة الحاكمة كلها، واتهمت المعارضة بالفشل، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية، وفشل المنظومات المتعاقبة على الحكم في تحقيق المقاصد والمطالب الاقتصادية والاجتماعية كالتّشغيل وتقليص البطالة وفتح الآفاق للشباب هي السبب في خروج عديد التونسيين للاحتفال بقرارات الرّئيس. فمنذ سنوات ينتظر معظم التونسيين فرصة للإطاحة بكامل المنظومة القديمة التي حكمت لخمسين عامًا أو أكثر، قبل ثورة 14 يناير 2011. والاشتغال على خطاب الأزمة بشكل مستمرّ كأداة لإدارة الحكم أوصل التّونسيين إلى الإحباط. وشعورهم بتبخّر آمالهم التي تقاسموها أثناء هبّتهم الشعبيّة التي أسقطت نظام الحزب الواحد، وانسداد الأفق وتفاقم الفقر والبطالة وضعف المقدرة الشرائيّة واستفحال الفساد، ينهض دليلا على خيبات الاقتصاد والسياسة وفشل الأحزاب، وعجزها عن تقديم بدائل حقيقية تزرع الأمل بالتغيير. ليست هناك اعتقالات، أو تعسّف واقصاء، والجميع محميّ بسلطة القانون، والمحاسبة لا يخشاها إلا من يدرك أن له قضايا فساد، وبالتالي الضجيج لا معنى له، فليست هناك انتهاك للحريات الشخصية والعامة. والجميع يمارس حياته بكل حرية، ويعبر عن آرائه في وسائل الإعلام، والقانون يكفل لكل فرد حرياته المدنية. لا مساس بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ورجل القانون يسهر على حماية الدولة التونسية، ولن ينتهك الحريات، أو يمس بمسار الحياة الديمقراطية الناشئة. وعلى الجميع الالتفاف حول المصلحة الوطنية وخدمة البلد وانقاذه من شوائب الفساد وانهيار المؤسسات، وإعادة الثقة للشعب الذي تملّكه الإحباط طيلة عقد من الزمن، لم ير فيه بادرة أمل أو استجابة لتطلعاته ومطالبه واستحقاقات ثورة أطاحت بنظام فاسد ودكتاتوري. ومن الجيد أن تكون هناك خريطة طريق ملموسة تتعلق بالقضايا المستعجلة، كمحاربة جائحة فيروس كورونا، ومراجعة القانون الانتخابي والنظام السياسي، ومكافحة الفساد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية