لندن-»القدس العربي»: ارتفع سقف طموح جماهير مانشستر يونايتد أكثر من أي وقت مضى، بعد حفاظ النادي على عهده مع المدرب النرويجي أولي غونار سولشاير، بالاستمرار في تقديم كل أنواع الدعم المادي والمعنوي، أملا في تحقيق الهدف المنشود، أو بالأحرى فك عقدته المشتركة مع الشياطين، بإنهاء أعوام الجفاف والابتعاد عن مناص التتويج، منذ مشهد الاحتفال بالعكاكيز في قلب ملعب «فريندز آرينا» في السويد، بعد تخطي أياكس أمستردام بهدفين نظيفين في المباراة النهائية لليوربا ليغ نسخة 2017، ذاك الموسم 2016-2017 الذي خرج منه المدرب السابق جوزيه مورينيو بثنائية «كاراباو والدوري الأوروبي».
عجائب ذو الوجه الطفولي
عاد تلميذ الأسطورة سير أليكس فيرغسون إلى بيته القديم، بثوب المدرب المؤهل لدخول فئة «الصفوة» في المستقبل القريب، بعدما تجاوز تجربة كارديف سيتي الصعبة في البريميرليغ، بعودة موفقة لناديه الأصلي مولدي النرويجي عام 2015، انتهت باستدعاء عاجل لخلافة «سبيشال وان» في «مسرح الأحلام» مع بداية الاستعداد لصخب عيد الميلاد 2018، ورغم التحسن الكبير في نتائج اليونايتد في مستهل مشوار سولشاير مقارنة بالنتائج والصورة الباهتة التي كان عليها في أواخر حقبة المو، إلا أنه مع مرور الوقت، تبين أنها كانت مجرد صحوة أو ما تُعرف في الوسط الكروي «فترة شهر العسل» بين المدرب الاسكندينافي الجديد والنجوم المسيطرة على كل مفاصل غرفة خلع الملابس، على رأسهم بول بوغبا، ماركوس راشفورد، لوك شاو وباقي الكبار الذين تنفسوا الصعداء بعد إقالة مورينيو، والدليل على ذلك، التفاوت الكبير بين نتائج وأداء الفريق في أسابيع سولشاير الأولى وبين الصورة البائسة التي ختم بها الموسم، مثل تجنب الخسارة في 11 مباراة على التوالي في الدوري الإنكليزي الممتاز (بواقع 9 انتصارات وتعادلين)، في المقابل اكتفى بتعادلين و3 هزائم في آخر 5 جولات للحملة، وذلك في الوقت الذي كان يتأخر فيه بأربع وخمس نقاط فقط عن توتنهام صاحب المركز الرابع. وشملت عجائب أولي في موسمه الأولى المتقلب، نجاحه في إقصاء باريس سان جيرمان من دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، بريمونتادا ستبقى عالقة في الأذهان، بقلب هزيمة «أولد ترافورد» بهدفين نظيفين، إلى انتصار تاريخي بثلاثة أهداف مقابل هدف في إياب «حديقة الأمراء»، ليكسب ثقة إد وودوارد والمسؤولين في مجلس الإدارة، بمنحه عقدا دائما بدلا من عقده المؤقت، ومعها عاد الفريق خطوات مرعبة إلى الوراء، تجسدت في حسرة الخروج من كأس الاتحاد الإنكليزي على يد ولفرهامبتون، وذلك في نفس أسبوع الخروج المؤسف من ذات الأذنين، بالتجرع من مرارة الهزيمة ذهابا وعودة أمام برشلونة في دور الثمانية بنتيجة 1-0 في عاصمة الشمال الإنكليزي وبثلاثية كانت قابلة للضعف في كاتالونيا، ما تسبب بشكل أو بآخر بوضعه في إطار المدرب المتوسط، حتى عشاق النادي ما زالوا يشككون في تصنيفه كمدرب عالمي أو بالمصطلح الدارج «من النخبة».
أول الغيث
لخص موسم 2019-2020 وضع وشكل اليونايتد في عهد سولشاير، كفريق لا يمكن التنبؤ أو حتى توقع نتائجه وأحداث سير مبارياته سواء على ملعبه أو خارجه، لتذبذب الأداء الجماعي والمستوى الفردي للاعبين، ليس فقط من فترة لأخرى، بل أحيانا من مباراة لأخرى، ما أعطى وسائل الإعلام البريطانية فرصة على طبق من فضة لرسم مستقبل المدرب مع اليونايتد وكأنه «على المحك»، لولا أن خالف كل التوقعات، بتجاوز البداية الكارثية والموجة الأولى لجائحة كورونا، التي تسببت في تجميد النشاط الكروي قرابة الـ100 يوما، وفعلها بسلسلة من العروض والانتصارات المقنعة بعد استئناف موسم 2019-2020 في النصف الثاني من يونيو / حزيران، أسفرت في الأخير عن ريمونتادا مذهلة، باحتلال المركز الثالث المؤهل لدوري الأبطال، بعد أن كان الفريق خارج دائرة المنافسة على المراكز الأربعة الأولى، فيما اعتبرها النقاد وأغلب النقاد إشارة إلى اقتراب سولشاير من وضع اللمسات الأخيرة في مشروعه مع النادي، وهو ما كان سيتحقق على أرض الواقع في الموسم المنقضي.
لكن عدم التخلص نهائيا من لعنة الفصول الباردة، التي تجلت في الخروج المبكر من دوري مجموعات أبطال أوروبا، إلى جانب التفريط بغرابة في المنافسة على لقب البريميرليغ، بعد تضييق الخناق على البطل مانشستر سيتي في أسابيع عدة، لكن في نهاية المطاف، أظهر تحسنا ملموسا من حيث جودة اللعب داخل المستطيل الأخضر وكذلك مستوى طموحات الجماهير، وذلك بإنهاء حملة الدوري الإنكليزي الممتاز في المركز الثاني برصيد 74 نقطة، معادلا ما يصفه جوزيه مورينيو دوما بـ «أفضل إنجاز في مشواره»، بالحصول على مركز وصافة البريميرليغ نسخة 2017-2018 برصيد 81 نقطة وخلف نفس البطل السماوي بـ19 نقطة، والأهم بالنسبة للمشجعين أن المدرب كسر النصف الأول من عقدته، بالترشح إلى المباراة النهائية لليوربا ليغ، كأول مرة يتأهل إلى نهائي في مشواره التدريبي مع الفريق، والإشارة إلى موقعة «بي جي إي أرينا»، التي خسرها عملاق البريميرليغ أمام فياريال الإسباني بركلات الجزاء الترجيحية بعد انتهاء الوقت الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، ما ساعده على ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول بغلق باب الشائعات حول إمكانية طرده، والثاني تحصل عليه مؤخرا، بتمديد عقده مع الكيان لثلاث سنوات قادمة، رغم مرارة الابتعاد عن الألقاب.
بصمات إيجابية
بصرف النظر عن تمنع الألقاب عليه وتبدل الأوضاع بهبوط وصعود سواء في المستوى أو النتائج، لكن هذا لا يقلل من عمل الرجل الاسكندينافي مع الشياطين الحمر، دعك من ارتفاع نسق اللعب والحضور القوي داخل المستطيل عندما يكون اللاعبين في أفضل حالاتهم، مقارنة بنسخة الألواح الخشبية التي كان عليها الفريق في أواخر عهد مورينيو، لكن بصماته واختياراته وما ترتب عليها يثبت وبشكل عملي أنه يمضى قدما نحو الطريق الصحيح ولو بشكل بطيء، منها على سبيل المثال لا الحصر، الانقلاب الإيجابي على كبار السن وأنصاف النجوم، الذين كانوا يكبدون الخزينة رواتب ضخمة، وفي نفس الوقت يشكلون عائقا أمام مشروع الإحلال والتبديل والنزول بمعدل أعمار اللاعبين، من نوعية كريس سمولينغ، أشلي يونغ وأليكسيس سانشيز، في المقابل جاء بصفقات أقل ما يُقال عنها «جيدة جدا» في المجمل، بل البعض منهم أحدث نقلة في المشروع، والحديث عن الساحر البرتغالي برونو فيرنانديز، الذي أعطى إضافة فاقت كل التوقعات، بمرونته وذكائه الحاد في تصرفه بالكرة في الثلث الأخير من الملعب، وإلا لما ختم الموسم وفي سجله 28 هدفا في مختلف المسابقات.
وبدرجة أقل العقرب الأوروغوياني إدينسون كافاني، الذي أعاد الكثير من الهيبة والحدة، التي افتقدها اليونايتد منذ لحظة إصابة زلاتان إبراهيموفيتش بقطع في الرباط الصليبي، في أوج لحظاته بالقميص الأحمر أبريل / نيسيان 2017، وقد لخص ذلك بهز شباك المنافسين 17 مرة من مشاركته في 34 مباراة، ونفس الأمر ينطبق على هاري ماغواير وآرون بيساكا على مستوى خط الدفاع، خصوصا القادم من ليستر سيتي، لتأثيره الكبير في الدفاع، والذي وصل لحد وضع اليونايتد على قدم المساواة مع المنافسين الأقوياء دفاعيا، أو بالأحرى الذين يتفاخرون بامتلاك قوة ضاربة من الطراز العالمي في الخط الخلفي، وهذا الأمر انعكس بشكل إيجابي على مستوى فيكتور ليندلوف وإريك بايلي، باختلاف جوهري في مستوى وتحركات كل مدافع في وجود القائد الجديد، مقارنة بالانطباع والمستوى المعروف عنهما قبل وصول ماغواير.
بالتبعية يؤدي بيساكا بشكل لا خلاف عليه في مركز الظهير الأيمن، خاصة في الأدوار الدفاعية لمؤهلاته التي تساعده على شغل مركز قلب الدفاع بكل أريحية، فقط سقط منه الهولندي دوني فان دي بيك، بتهميشه على مقاعد البدلاء، والاكتفاء بإعطائه دقائق قليلة، حفاظا على ماء وجه النادي، بعد دفع 40 مليون يورو لنقله من أياكس، ومثله الظهير الأيسر أليكس تيليس، ولو أن ضم البرازيلي صاحب الـ28 عاما، كان سببا في عودة لوك شاو إلى الحياة، بالصورة السينمائية التي كان عليها طوال الموسم سواء مع الفريق أو المنتخب الإنكليزي في حملة اليورو، وهذا يفسر ظاهرة مهرجان الأهداف والتحسن الكبير في أرقام الدفاع والهجوم، كالفوز الساحق على ساوثامبتون بالتسعة وعلى ليدز بالتسعة، وبوجه عام، ختم حملة البريميرليغ كثاني أقوى خط هجوم بعد البطل، وخامس الفرق من حيث استقبال الأهداف، لكن النقطة السوداء في تجربته، كانت وما زالت تكمن في فشله في السير على خطى سلفه مورينيو، الذي لم يستغرق نفس الوقت ولا حتى كان محظوظا بنفس الصبر والدعم المادي، ليظفر بأولى ألقابه مع النادي، وقبله المدرب الأسبق لويس فان خال، الذي فاز بكأس الاتحاد الإنكليزي في موسمه الثاني والأخير 2016-2017.
الفرصة الأخيرة
يعرف سولشاير جيدا، أن الإدارة وأغلب المشجعين يقدرون عمله وما أنجزه على مدار أكثر من عامين، لكن في الوقت ذاته، يُدرك جيدا أن الموسم الذي سينطلق منتصف أغسطس / آب الجاري، سيكون بمثابة الفرصة الأخيرة، إما بتنصيب نفسه ملكا وخليفة لأستاذه أليكس فيرغسون لسنوات قادمة، وإما أن يخسر كل شيء، لصعوبة تحمله أكثر من ثلاث سنوات بلا بطولة، إلى جانب عدم الصبر على الابتعاد عن الكؤوس والبطولات لمدة 5 سنوات على التوالي، وقبل هذا وذاك، سيكون قد خسر ما تبقى له من رصيد، بعد كم الإنفاق الهائل على مشروعه، والذي يلامس الآن النصف مليار يورو، بدأت بضخ نصفهم في النصف الأول لعام 2019، بواقع 63 مليون يورو ذهبت لخزينة سبورتنيغ لضم برونو فيرنانديز في يناير / كانون الثاني، ثم 85 مليون لإطلاق سراح أغلى مدافع في العالم من ليستر سيتي و55 لنقل بيساكا من كريستال بالاس في النافذة الصيفية، فيما أنفق نصف المليار الآخر في آخر نافذتين، منهم 135 مليون لتعزيز القوة الضاربة للمشروع بالثنائي جادون سانشو ورافاييل فاران، كآخر وأهم القطع النادرة المفقودة في «التوليفة السحرية» التي يبحث عنها سولشاير ويعمل على بنائها منذ توليه القيادة الفنية، ليحقق ما وعد به وينتظره كل عشاق النادي، بعودة مانشستر يونايتد إلى المنافسة بشكل حقيقي على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز، الغائب عن خزينة البطولات الحمراء منذ تقاعد شيخ المدربين، تزامنا مع اللقب الـ20 الذي حققه الفريق موسم 2012-2013.
وبإلقاء نظرة سريعة على أحدث صفقات اليونايتد، سنجد أنها على الورق «شبه مثالية» بالنسبة للمدرب، لحاجته الماسة للاعب بنفس جودة المراهق البريطاني في مركز الجناح الأيمن المهاجم، بدلا من قتل موهبة راشفورد التهديفية في نفس المركز، استغلالا لسرعته وفارق الجودة بينه وبين دانيل جيمس. وفي وجود ممرر عبقري مثل فيرنانديز، سيكون من السهل استغلال قدرات وطاقة سانشو الهائلة في الرواق الأيمن، على أن يقوم المدرب بتعديل مركز راشفورد كمهاجم متحرك على مسافة قريبة من رأس الحربة الصريح كافاني، وأحيانا يسرق المدافعين بذكاء تحركاته في جهته اليسرى المفضلة، وذلك بربط وتعاون مع مفتاح وملك اليسار لوك شاو، ما سيغير من شكل وأسلوب الهجوم، على الأقل ستتضاعف فرص التسجيل في وجود كافاني وراشفورد بالقرب من مربع العمليات، بدلا من المتخاذل أنطوني مارسيال، الذي بالكاد استنفذ كل رصيده لدى المدرب ومجلس الإدارة، لإصراره على الوقوف في المربع صفر، بمستوى شبه ثابت منذ ضمه من موناكو مقابل 50 مليون يورو في بداية عصر تضخم أسعار وأجور اللاعبين، وهذا يظهر في تكرار الفرص التي يتفنن في إهدارها بسهولة وسذاجة أمام مرمى المنافسين، والجديد مبالغته في الاعتماد على الحل الفردي –الأناني-، وهذا سر الشائعات التي تشكك في استمراره لموسم آخر.
وتمثل صفقة فاران نفس أهمية سانشو، لكن على المستوى الدفاعي، لقيمة الكبيرة كواحد من المصنفين ضمن الأفضل عالميا في مركزه، بخلاف خبراته التي لا تقدر بثمن، بصفته الشريك الرئيسي لسيرخيو راموس في فترة الهيمنة على دوري أبطال أوروبا في الفترة بين عامي 2014 و2008، ما يعني أن اليونايتد لم يوقع مع مجرد قلب دفاع من الطراز العالمي، بل مع قائد وكاريزما في الدفاع، ليتخلص سولشاير من صداع فارق الجودة والخبرة بين ماغواير وباقي المدافعين، فيما ستكون المرة الأولى التي يمتلك فيها مانشستر يونايتد ثنائي دفاع من طينة العظماء، منذ حقبة ريو فرديناند ونيمانيا فيديتش، التي شهدت أهم إنجازات فيرغسون في عقده الأخير مع النادي، فهل تكون إشارة إلى عودة اليونايتد إلى مكانته وصورته المرعبة العالقة في أذهان خصومه قبل مؤيديه؟ هذا ما سيجيب عنه سولشاير بعد سخاء الإدارة معه بتوفير الإمكانات اللازمة لحل عقدة الوصول إلى مناص التتويج، فقط يتبقى حل معضلة مستقبل بول بوغبا، إما بإقناعه بالتجديد، وإما الموافقة على بيعه بأعلى عائد مادي، لشراء بديل على نفس المستوى قبل أن يحق له الهروب بدون مقابل عند انتصاف العام الجديد، أما غير ذلك، فلن تكون هنالك حاجة ملحة لإضافة المزيد من الدماء الجديدة، إلا إذا حدثت أشياء وظروف خارجة عن الإرادة قبل غلق الميركاتو.