في المراحل التي شهد خلالها قطاع الإنتاج في التلفزيون المصري زخماً فنياً ودرامياً مُكثفاً، كان التحول إلى مُسلسلات الجاسوسية والبطولات الأرشيفية لجهاز المخابرات المصرية لافتاً إلى حد كبير، فالكاتب صالح مرسي الذي تخصص في هذا اللون من الأعمال الإبداعية، كان هو الوحيد تقريباً الذي ركز على هذا الجانب الغامض والمجهول لدى المشاهد المصري والعربي، فجعل يطرق أبواباً ظلت مُغلقة لفترات طويلة، واستطاع أن يستخرج من الملفات الرسمية لجهاز المخابرات المصري ما يثير انتباه وإعجاب القاعدة العريضة من مشاهدي الدراما التلفزيونية ويضمن نجاح اللون الإبداعي الفارق والمهم.
وقد اعتمد صالح مرسي بشكل أساسي على ما ورد من تفاصيل داخل الملفات التاريخية السرية إلى حد بعيد، فعمل على بلورة الأحداث وتحديد الشخصيات الرئيسية والفرعية، وبالقطع أضاف إلى القصص من بنات أفكاره، ما يدعم الرؤية الفنية ويربط المشاهد بالنقاط المحورية في العمل الإبداعي، وعلى سبيل المثال كانت حلقات المسلسل الشهير «دموع في عيون وقحة» للنجم عادل إمام ومعالي زايد وصلاح قابيل ومصطفى فهمي ومحمود الجندي، مرآة عاكسة للحالة الوطنية المُتضمنة داخل السياقات الكثيرة للمواقف والأحداث والبطولات والشخصيات، فضلاً عن الخلفيات الاجتماعية والسياسية، التي حرص مرسي من خلال صياغته الفنية المُحكمة أن تكون حاضرة بقوة في كل مشهد.
وتُعتبر قصة حياة عميل المخابرات المصرية أحمد الهوان، التي جسدها عادل إمام تحت اسم جمعة الشوان هي باكورة التميز الدرامي في هذا الصدد، رغم التحفظات الكثيرة للهوان الذي رأى في كتابة صالح مرسي نوعا من الخفة، كونه أحاط الشخصية الرئيسية بتفاصيل كوميدية غير حقيقية، على حد وصفه، ما دعاه إلى اللجوء للقضاء طلباً للإنصاف ورد الاعتبار، الأمر الذي استنكره صالح مرسي، ورآه اجتراءً على الحقيقة، لأنه لم يقصد الإساءة للبطل، وإنما أراد تسجيل وتوثيق البطولات غير المرئية لعناصر المخابرات المصرية من الضباط والأفراد.

رأفت الهجان
وبناءً على ما تقدم من دلائل تثبت حُسن النية، وبراءة القصد لم تأخذ المحكمة بأسباب التقاضي، وجاءت التجربة الثانية مُتمثلة في مُسلسل «رأفت الهجان» الذي ذهب به كاتبه صالح مرسي في بادئ الأمر لعادل إمام، وبسبب خلافات بسيطة في وجهات النظر حول تشعب الأحداث والخطوط الدرامية، تم إسناد البطولة لمحمود عبد العزيز، بعد التشاور مع المخرج يحيى العلمي، والحصول على موافقته، وكان المسلسل بمثابة الفتح المبين لكل العاملين فيه، محمود عبد العزيز ويوسف شعبان ونبيل الحلفاوي ومحمد وفيق ويسرا وعفاف شعيب وإيمان الطوخي وفايزه كمال وحسن مصطفى وأحمد ماهر ونبيل نور الدين وأسامة عباس، وآخرين كثيرين ممن أسعدهم الحظ بالعمل في المسلسل، والمساهمة فيه ولو بمشهد واحد، أو مشهدين، حيث حظي كل ممثل من هؤلاء بتقدير جماهيري خاص، وفُتحت له منافذ المشاركة في العديد من المسلسلات والأفلام، بعد النجاح المدوي لملحمة رأفت الهجان، التي لم يكن عادل إمام يظن أن النجاح سيحالفها ويحالف أبطالها بهذا الشكل المُثير.
وعلى الرغم من إسهامات السينما المصرية في هذا الإطار، بعدد لا بأس به من الأفلام الناجحة كـ«الصعود للهاوية» و«إعدام ميت» و«بئر الخيانة» إلا أنه على المستوى الدرامي، لم تأت أعمال مماثلة في القوة للمسلسلين المذكورين، فما جاء بعد ذلك كان أقل بكثير من حيث الجماهيرية والشعبية والتفاعل السريع، فعلى سبيل المثال مسلسل «التعلب» لنور الشريف حقق نجاحاً متواضعاً مقارنة بالنجاحات السابقة، ربما لأنه اعتمد على فكرة تحليلية لدور المخابرات، واعتنى أكثر بتفاصيل الكواليس الإدارية، ولم يركز على المغامرة، كعنصر تشويق وإثارة يحتم التناول وجودها كرابط مهم في علاقة الجمهور بالعمل الفني.
وكذلك لم يترك مسلسل «الحفار» أثراً يُذكر في ذاكرة الجمهور ومرت حلقاته وأحداثه مرور الكرام، علماً بأنه نال قسطاً وفيراً من الدعاية لزوم الترويج والتسويق، لكن التفاعل الجماهيري الضعيف معه كان كفيلاً بالحكم علية.. وفي محاولة للاستفادة آنذاك من البطولات المُسجلة والمحفوظة في أرشيف جهاز المخابرات المصري، جرت عمليات التنقيب والتفتيش عن المُثير والمهم، فبرزت البطولة النسائية لحكمة فهمي، لكنها لم تلق الترحيب المرجو أيضاً، وأسدل الستار على التفاصيل في هدوء شديد.
الخبرة الدارمية
وفي محاولة مختلفة من حيث الشكل والمضمون وطريقة العرض، قدّم الثنائي سعيد صالح وإسعاد يونس مسلسل «السقوط في بئر سبع» ولم يتم التركيز كالعادة على الحالة البطولية والفدائية والمعنى الوطني، وإنما ناقش المسلسل أزمة الخيانة كجريمة تستوجب عقوبتها الإعدام في حالة ثبوتها على من ارتكبها، وقد حمل العمل الفني المُختلف الكثير من أوجه التعريض بالخونة، والتحذير من مغبة الوصول إلى الطريق المسدود المؤدي للموت، وهو ما جعل المسلسل أقرب إلى الدرس التلقيني منه إلى العمل الدرامي، فمعظم ما ورد فيه من معان كان دالاً على ذلك، فحالة الخوف والهلع تطارد البطلين الخائنين، طوال الوقت وكل الخطوات والمواقف محفوفة بالخطر، وهي نقاط ضعف جلية وواضحة في الرؤية الدرامية، التي كان يجب أن تكون مُقنعة أكثر من ذلك بكثير.
ولعل آخر الأعمال المُنتمية للنوع والصنف نفسيهما، كان مسلسل «هجمة مرتدة» الذي عُرض في شهر رمضان الماضي واستطاع أن يُنافس بقوة عددا من المسلسلات ذات الإنتاج الضخم، وفي هذا المسلسل قدمت هند صبري وأحمد عز دورين متميزين للغاية، مع نجوم كبار كهشام سليم وكمال أبو رية وآخرين، تقمصوا أدوارهم ببراعة ونجحوا في الوصول إلى المستوى المقنع من الأداء، على خلفية الحالة الوطنية المُستهدفة وتكريس الفكرة النضالية للأجهزة المعنية، المختصة بجمع المعلومات وتحليلها واستخدامها الاستخدام الأمثل ضد أجهزة التخابر المناوئة.
لكن ثمة شيء يدل بقوة على افتقاد هذه النوعية الدرامية لما يميزها شعبياً وجماهيرياً، بعد وفاة الكاتب المتخصص صالح مرسي، ربما لأن من يتصدرون للكتابة ليسوا على المستوى الاحترافي المطلوب، أو أن خبرات المخرج الكبير الراحل يحيى العلمي ليست متوافرة بالقدر الكافي في من يقومون بإخراج المُسلسلات النوعية والخاصة جداً، التي تحتاج بجانب الخبرة والتمرس، وعيا ثقافيا وتراكما معرفيا، وإلماما كاملا بطبيعة الملفات التي يتم استقاء المعلومات منها، ويتم بموجبها بلورة الصور الدرامية والأحداث قبل الشروع في تحويلها إلى رؤى فنية، ورسائل موثقة يُفترض فيها أن تكون مواد مهمة للاطلاع والتثقيف والتأريخ، وليس مجرد حلقات للإثارة والإبهار والفرجة.
كاتب مصري