لا تزال القطاعات السياحية في غزة بما فيها قطاع الفنادق وغيره، تعاني من انهيار حاد بالرغم من تقديم الجهات الحكومية العديد من التسهيلات الخاصة بهذا النشاط، من حيث السماح بإقامة مشاريع سياحية، وفك الحظر المترتب على إجراءات فيروس كورونا، ولكن استمرار الحصار الإسرائيلي على غزة، وتقييد حركة تنقل السياح الوافدين عبر المعابر الحدودية، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية داخلياً، شكل تراجعاً في عمل هذه القطاعات.
وتلعب القطاعات السياحية دوراً هاماً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعتبر من أهم الروافد الاقتصادية لأي دولة، لأن القطاعات السياحية بكافة أنواعها، تعد من المصادر المهمة للدخل الوطني، كما أنها توفر فرص عمل لشريحة واسعة من العاملين، فعلى صعيد قطاع غزة هناك ما يقارب من 200 معلم سياحي وأثري، ولكن هذه المعالم تعاني من ضعف إقبال الزائرين عليها.
ولم تتوقف معاناة أصحاب تلك القطاعات على الحصار وتداعيات أزمة كورونا، التي كبدت المنشآت السياحية خسائر فادحة نتيجة الإغلاقات المتكررة، فخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، كان للقطاعات السياحية المختلفة نصيباً من الدمار، فالعديد من المناطق السياحية والأثرية وشركات السياحة، تعرضت للتدمير من قبل طائرات الاحتلال، حيث بلغت نسبة الخسائر في هذا القطاع نحو 25 مليون دولار.
ووفق الهيئة الفلسطينية للسياحة والفنادق، فإن القطاع السياحي في غزة يضم نحو 80 منشأة يعمل فيها 5 آلاف عامل، ويقدر حجم الاستثمار في هذا القطاع بمليار دولار، في حين تكبد القطاع خسائر كبيرة من جراء الحرب الأخيرة التي استمرت 11 يوماً، إذ تضررت 50 منشأة بشكل كلي وجزئي جراء القصف الإسرائيلي.
وإلى جانب تراجع السياح الوافدين من الخارج للمعالم الأثرية في غزة، فهناك تراجع حاد في السياحة الداخلية أيضاً، فالغزيون يجدون صعوبة في زيارة القطاعات السياحية المختلفة نتيجة الظروف المادية الصعبة، فبعض النشاطات السياحية الداخلية تقتصر فقط على العائلات المقتدرة وذات الدخل المادي المرتفع، إلى جانب الرحلات الترفيهية التي تنظمها المؤسسات الدولية في غزة.
بدورها تعمل وزارة السياحة والآثار في غزة على تنظيم حملات توعية ودعاية، إلى جانب إطلاق مبادرات ورحلات مجانية، من أجل إقناع السكان بزيارة مناطق الجذب السياحي وتعريفهم بالمناطق الأثرية، من أجل الترويج للسياحة الداخلية، في خطوة من قبل الوزارة لتحريك حالة الركود التي أصابت القطاعات السياحية.
وانتشرت خلال الخمسة أعوام الماضية في قطاع غزة ظاهرة المنتجعات السياحية الخاصة، والتي جاءت كبديل عن توجه المواطنين لشاطئ البحر الملوث بمياه الصرف الصحي، بعد ضخ البلديات مياه الصرف غير المكرر لشاطئ البحر، وشهدت هذه المنتجعات في بداية عملها اقبالا واسعا من قبل المواطنين والعائلات لزيارتها، حيث المساحات الخضراء وبرك السباحة وغيرها من وسائل الترفيه، ولكن منذ العام الماضي وحتى صيف هذا العام، شهد الإقبال على هذه المنتجعات عزوفا من قبل المواطنين، نتيجة ارتفاع أسعار الحجوزات مقارنة بأوضاع المواطنين المادية.
ويقول أنس أبو حسين صاحب منتجع سياحي في منطقة السودانية شمال قطاع غزة، إن الإقبال هذا العام على المنتجع الخاص به ضعيف جداً وكذلك المنتجعات المجاورة له، ويعود ذلك للأوضاع المادية الصعبة للمواطنين، خاصة بعد الحرب الأخيرة على غزة والتي ضاعفت من معاناتهم اقتصادياً، بسبب فرض إسرائيل مزيداً من القيود على الاقتصاد.
وقال أبو حسين لـ«القدس العربي»: «إن أصحاب الشاليهات سيتعرضون لخسائر كبيرة في نهاية هذا الموسم، مع ارتفاع فاتورة النفقات الشهرية لتشغيلها، فالعديد من التجار ورجال الأعمال استثمروا في السنوات الماضية في إنشاء الشاليهات، ولكن جاء الموسم الحالي مخيبا جداً للجميع، لعدم مقدرة المواطنين على التوجه والاستجمام بها».
وأوضح أن الحروب الإسرائيلية المتتالية على غزة، زادت من تراجع الاقتصاد بشكل عام في القطاع، فالعديد من الوفود الأجنبية كانت سابقاً تصل إلى القطاع عبر معبر إيرز الإسرائيلي مع غزة، وتنعش هذه الوفود الفنادق والمنتجعات والمرافق السياحية الأخرى، ولكن الأوضاع الأمنية إلى جانب تعرض عدد كبير من الشاليهات السياحية لقصف طائرات الاحتلال، أدى إلى تراجع الإقبال عليها.
المواطن وليد الرفاعي يقول لـ«القدس العربي»: أتمنى أن تتحسن ظروفي المعيشية، كي أقضي ولو يوم واحد في رحلة ترفيهية برفقة عائلتي في إحدى منتجعات غزة حيث الراحة النفسية والاستجمام، لكن تكلفة حجز المنتجع لبضع ساعات تصل تقريبا إلى 150 دولاراً أمريكيا، وهذا المبلغ يجعلني غير قادر على التفكير بالذهاب لهذه الأماكن، فالمواطن يتخذ وأسرته من شاطئ البحر متنفسا له، فيجلس من دون أي مقابل مادي وهكذا حال آلاف العائلات في غزة».
من جانبه قال مدير الهيئة الفلسطينية للمطاعم والخدمات السياحية صلاح أبو حصيرة إن القطاعات السياحية والفندقية في غزة، تعد من الأكثر تضرراً جراء الحصار والحروب والإجراءات المترتبة على تفشي فيروس كورونا، في حين تكبد قطاع السياحة والترفيه خسائر منذ بداية العام الحالي وصلت إلى 35 مليون دولار أمريكي.
وبين أبو حصيرة لـ«القدس العربي»: أن غالبية الخسائر التي تكبدتها هذه القطاعات إلى جانب ضعف إقبال المواطنين، جاءت بعد إتلاف العديد من المرافق السياحية المواد الغذائية المخزنة والتي تقدر قيمتها بحوالي 6 مليون دولار، بالإضافة إلى إلغاء الفنادق مئات التعاقدات المبرمة، ونتيجة هذه الظروف لجأ غالبية أصحاب المرافق السياحية، إلى تقليص عدد العاملين أو تقليل ساعات العمل لتخفيض أجورهم، في حين لجأ جزء آخر إلى إغلاق المنشأة كلياً تجنباً للخسائر.
وأوضح أن فصل الصيف يعتبر من أكثر فصول السنة إنتعاشاً للمرافق السياحية المختلفة حيث الأجواء المعتدلة، ولكن للعام الثاني على التوالي يأتي الصيف وسط تراجع إقبال المواطنين على المنتجعات والأماكن السياحية الأخرى، لافتاً إلى أن توتر الوضع الأمني هو السبب الرئيسي لضعف نشاط حركة الزوار على المناطق السياحية والأثرية إلى جانب تدهور الوضع الاقتصادي.
وأكد أبو حصيرة على أن القطاع السياحي يعتبر منكوبا، مطالباً الجهات المسؤولة في غزة والضفة الغربية والمجتمع الدولي، تحمل مسؤولياتها لإنقاذ هذا القطاع من الإفلاس والدمار، وذلك من خلال العمل على تقديم التسهيلات الاقتصادية والإعفاء من الضرائب، وإعفاء المنشآت السياحية من الرسوم والمتأخرات.
يذكر أن القطاع السياحي هو الأكبر في الأراضي الفلسطينية، وتتجاوز استثماراته مليار دولار، كما أنه ساهم في إنعاش الاقتصاد الفلسطيني لسنوات طويلة، وعمل على خلق فرص عمل للآلاف من العاطلين عن العمل.