لندن – القدس العربي: تحول السوبر ستار هاري كين إلى مادة إعلامية دسمة، بعد انقلابه المفاجئ على ناديه توتنهام، رافعا راية التمرد والعصيان في وجه الرئيس دانيال ليفي، بتجاهل إخطار العودة إلى قاعدة تدريب السبيرس في الموعد المحدد بعد انتهاء عطلته الصيفية منتصف الأسبوع الماضي، متحديا ناديه اللندني بقرار أحادي، بمد فترة الإجازة حتى إشعار آخر، برحلة جديدة من جزر الباهاما إلى فلوريدا، كرسالة واضحة ومعبرة عما يدور في ذهنه، بعد إحباط عملية هروبه من الجزء الأبيض لشمال عاصمة الضباب.
أسباب التمرد
أرجعت أغلب المصادر الصحافية البريطانية، سبب تمرد قائد منتخب الأسود الثلاثة على الديوك، لإظهار ما بداخله من غضب تجاه الرئيس ليفي ومجلسه المعاون، بعد التراجع عن الوعد القديم، أو كما تصفه التقارير «الاتفاق الجنتلمان» بين اللاعب ومسؤولي النادي، الذي بموجبه يحق للأمير هاري طلب «الخروج الآمن»، طالما لم يحقق الفريق أبسط الطموحات والأهداف المتفق عليها، مثل إنهاء عقدة الألقاب، المستعصية على توتنهام منذ الفوز على الغريم الغربي تشيلسي بهدفين لهدف في المباراة النهائية لكأس الرابطة نسخة 2008، فيما كانت وما زالت البطولة الوحيدة التي توج بها النادي في القرن الجديد، إلى جانب ضمان اللعب في دوري أبطال أوروبا كل موسم، وهي المعادلة الصعبة التي عجز كل من تناوب على تدريب الفريق على حلها، خاصة بعد هبوط منحنى المشروع برمته في أعقاب الهزيمة المؤلمة أمام ليفربول بهدفين نظيفين في أول مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا في تاريخ النادي، وتجلى ذلك في الابتعاد عن دائرة المنافسة على المراكز المؤهلة للكأس ذات الأذنين، فكانت النتيجة الاكتفاء بالمشاركة في اليوربا ليغ الموسم الماضي، ومواصلة الغياب عن أعرق بطولات القارة العجوز للموسم الثاني على التوالي.
حتى عندما اقترب الكيان من تذوق طعم البطولات في النصف الثاني من الموسم الأخير، أو بالأحرى حين أوشك صائد البطولات جوزيه مورينيو على إنجاز المهمة التي جاء من أجلها خلفا لماوريسيو بوتشيتينو أواخر 2019، قام الرئيس بطرده وتعيين صاحب الـ30 عاما ريان ماسون في القيادة الفنية، وذلك قبل أيام قليلة من مواجهة مانشستر سيتي في نهائي كأس كاراباو، ليدفع ضريبة باهظة الثمن، بدأت بخسارة المباراة النهائية بهدف نظيف -لا يعبر عن واقع الـ90 دقيقة كانت من طرف واحد-، ثم بإنهاء حملة البريميرليغ في المركز السابع غير المؤهل لأي بطولة أوروبية في موسم 2021-2022، وذلك في الوقت الذي تحول فيه هاري كين إلى وحش كاسر بأتم معنى الكلمة، كواحد من القلائل الذين ينافسون الثنائي الفضائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي في هوس الأرقام والإحصائيات أمام الشباك، بفضل موهبته وغريزته التهديفية «النادرة»، التي جعلته يرسم لنفسه صورة المهاجم العالمي، الذي تبحث عنه الأندية الكبرى المتمرسة على الألقاب المحلية والقاري، ومع تقدمه في السن دون أن يشبع رغبته وطموحه المشروع بالفوز بالبطولات الجماعية والمنافسة بشكل حقيقي على الجوائز الفردية المرموقة، أصبح يشعر أن اسمه ونجوميته كقائد للمنتخب الإنكليزي -وصيف اليورو-، فاقت حدود اللعب لتوتنهام، على غرار ما حدث من قبل مع لوكا مودريتش وغاريث بيل وكريستيان إريكسن، في الأخير اضطر ليفي لبيعهم، نزولا إلى رغبتهم في الذهاب لمكان آخر يعرف طريق مناص التتويج.
الرابح الأكبر
بالنظر إلى الرابح الأكبر من تمرد كين على توتنهام، سنجد أنه المدرب الكاتالوني بيب غوارديولا، الذي توجه إليه أصابع الاتهام -ولو بشكل غير مباشر- في تحرض النجم الإنكليزي على ناديه، وذلك لحاجة الفيلسوف الماسة لمهاجم بنفس مواصفات وقيمة هاري، دعك عزيزي القارئ من ضرورة البحث عن بديل للهداف التاريخي سيرخيو أغويرو، لكن هناك أبعاد أخرى ينظر لها بيب، وهو الحاجة إلى الوصول لمرحلة الكمال أو المثالية في كرة القدم، بعدما فرض أسلوبه وسياسته على منظومة الكرة في النادي، بتحويله إلى مؤسسة تلامس النموذجية في التخطيط والاستثمار في اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم، والدليل على ذلك، المحتوى الذي يقدمه الفريق السماوي على أرض الملعب ومحصلته في نهاية كل موسم، ولعلنا نتذكر النسخة المرعبة التي بدا عليها السيتيزينز في الموسم الأخير، كفريق غير قابل للهزيمة لا على المستوى المحلي ولا القاري، باستثناء مباريات بالكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، كانت سببا في حرمانه من إنهاء الموسم بطريقة غير مسبوقة في تاريخ أندية البريميرليغ، وربما كل أندية العالم، باحتكار الثلاثية المحلية (الدوري الإنكليزي الممتاز، كأس الرابطة، كأس الاتحاد الإنكليزي) إلى جانب معانقة كأس دوري أبطال أوروبا، وحدث ذلك لعدم امتلاكه لكائن فضائي مثل كريستيانو رونالدو في سنوات انفجاره مع كارلو أنشيلوتي وزين الدين زيدان مع ريال مدريد، ولا البرغوث ليونيل ميسي في سنواتهما الخوالي في «كامب نو»، ولعل أبرز وأشهر هذه المباريات، تلك التي كان ينتظر فيها هدية السماء من ساحر قادر على صناعة الفارق أمام طلاسم توماس توخيل وفريقه تشيلسي في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، والأخرى الأهم بينهما في نهائي دوري أبطال أوروبا، التي انتهت بهدف كاي هافرتز الوحيد، وهي المواجهات التي لا يديرها بالشكل المثالي المعروف عنه طوال الموسم، ويحتاج خلالها مهاجم مُلهم بإمكانه التسجيل من أنصاف الفرص، ليجني ثمار مشروعه بقيادة مانشستر سيتي للفوز بدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، وأيضا المرة الأولى لبيب منذ انفصاله عن جيل برشلونة الذهبي.
فوق كل ما سبق، يحتاج غوارديولا لمواصلة بناء الفريق بالطريقة التي رسمها لنفسه، منها ليحافظ على فرصه في الهيمنة على لقب البريميرليغ للموسم الثاني على التوالي، بجانب القتال على باقي الكؤوس المحلية ودوري الأبطال، ومنها أيضا لمجاراة خصومه بعد ظهور نواياهم في دخول الموسم الجديد بشكل مغاير، والحديث عن عدو المدينة مانشستر يونايتد، الذي أنفق ما يزيد عن 100 مليون يورو حتى هذه اللحظة، لإنعاش هجومه بصفقة من العيار الثقيل، بشراء اليافع الإنكليزي جادون سانشو من بوروسيا دورتموند، لإنهاء إشكالية النقص العددي الحاد في مركز الجناح المهاجم المبدع، ومعه صمام أمان ريال مدريد في عصره الذهبي رافاييل فاران، ليكون شراكة من كوكب آخر جنبا إلى جنب مع أغلى مدافع في العالم هاري ماغواير، في محاولة جريئة من قبل إدارة الشياطين الحمر، بتوفير أهم القطع المفقودة في فريق المدرب أولي غونار سولشاير، لإعادة اليونايتد إلى وضعه ومكانته التي كان عليها في زمن الأسطورة سير أليكس فيرغسون، بمنافس حقيقي وفائز مفضل بلقب البريميرليغ، ونفس الأمر ينطبق على المنافس المباشر في المواسم الماضي ليفربول، هو الآخر في طريقه للعودة إلى نسخته المعروفة في وجود صخرة الدفاع فيرجيل فان دايك، بعد تعافيه من إصابته في الرباط الصليبي، ومعه العائد من الغياب الطويل جو غوميز والوافد الجديد إبراهيم كوناتي، وكذلك تشيلسي، لم يكتف بالربع مليار يورو التي أنفقها في الميركاتو الصيفي الماضي لتحقيق الكأس الأوروبية الثانية في نهاية الموسم، هو أيضا بصدد إرسال ما يزيد عن 120 مليون إلى حساب إنتر لاستعادة الابن الضال روميلو لوكاكو للمرة الثانية، بعد إعارته أكثر من مرة ثم بيعه نهائيا لإيفرتون عام 2014، ولنا أن نتخيل هجوم تشيلسي أو العناصر المتاحة بالنسبة لتوخيل في الثلث الأخير من الملعب في وجود الدبابة البلجيكية بجانب المحركات الطائرة في الأمام تيمو فيرنر، كاي هافرتز وحكيم زياش وباقي أبطال القارة، لهذا لن يكتفي المان سيتي بصفقة فنان أستون فيلا جاك غريليش، التي كبدت الخزينة حوالي 100 مليون بعملة المملكة المتحدة، وفي الغالب سيلحق به هاري كين في المشروع الطموح قبل أن يُسدل الستار على النافذة الصيفية، لضمان الحفاظ على نفس القوة والشخصية المخيفة التي كان عليها الفريق في الموسم الماضي، وتحديدا منذ صفعة ليستر سيتي في مباراة الإذلال الكبير بالخمسة، إلا إذا كان لدانيال ليفي رأي آخر.
رابحون وخاسرون
تشمل قائمة السعداء أو يمكن وصفهم بالرابحين من صفقة انتقال هاري كين المحتملة إلى ملعب «الاتحاد»، صانع الألعاب البلجيكي كيفن دي بروين، الذي سيتخلص من قيود اللعب في مركز المهاجم الوهمي، ذاك الدور الذي لعبه في الكثير من المباريات ومنها معارك مصيرية أثناء غياب الهداف السابق ألكون أغويرو بداعي الإصابة، بجانب عدم اقتناع أو ثقة في البديل غابرييل جيسوس، بينما في وجود قائد السبيرس، سيجد الأشقر البلجيكي فرصته لنثر إبداعه بطريقته المفضلة، وسيظهر ذلك من خلال القفزة المنتظرة في أرقامه وإحصاءاته على مستوى صناعة الأهداف والمساهمة بشكل مباشر في تسجيلها، وبالمثل سيكون في توتنهام من هم سعداء برحيل القائد، منهم ما أثار الجدل بشكل غير متوقع، وهو شريكه في الهجوم هيونغ مين سون، بعد تفاعله مع منشور متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يتحدث عن ضرورة التضامن مع النادي في معركته مع القائد المتمرد، فيما فتح الباب على مصراعيه للتشكيك في علاقة النجم الكوري بزميله البريطاني، حتى أن البعض يرى أن شمشون ينتظر مغادرة كين، ليحتل مكانه في قلوب المشجعين ويصبح القائد والرمز في حقبة المدرب الجديد نونو سانتو، ولا ننسى أيضا، أن البرازيلي لوكاس مورا سيضمن الحصول على دقائق لعب أكثر في غياب القائد، ومثله المهاجم الهولندي الشاب ستيفن بيرجوين، الذي قد يعيد اكتشاف نفسه بعد التخلص من ظل النجم والهداف الأوحد، أما الخاسرون من تمرد كين واقترابه من مانشستر سيتي بعد إعلان صفقة غريليش بشكل رسمي، فيأتي في مقدمتهم الدولي الإنكليزي رحيم سترلينغ، للصعوبة التي تنتظره لزيادة عدد دقائق مشاركته في وجود الأسلحة الجديدة الثقيلة، وذلك بعد موسم معقد، قضى أغلب أوقاته في مراحل الحسم في النصف الثاني على مقاعد البدلاء، كضحية لإبداع وتألق مواطنه اليافع فيل فودين، الذي أعطى إضافة هائلة للخط الأمامي، بسرعته الهائلة وحسن تصرفه بالكرة في الأمتار الأخيرة، عكس ابن أكاديمية ليفربول، الذي يعيبه التذبذب الكبير في مستواه من فترة لأخرى وأحيانا من مباراة لأخرى، فضلا عن إدمانه لما يعرف بالرعونة داخل منطقة الجزاء، ما كلفه خسارة مكانه في التشكيلة الأساسية لمصلحة فودين ومحرز، وأسوأ من ذلك تراجع في ترتيب الأجنحة المفضلة بالنسبة للمدرب بعد البديل بيرناردو سيلفا، ليصبح مستقبله مع السيتي محل شك، ليس فقط لاحتمال خروجه من حسابات بيب، بل أيضا لتعقد ملف تمديد عقده.
الضحية الأخرى لصفقة كين المحتملة للسيتي بعد غريليش، لن يخرج عن رياض محرز أو فيل فودين، وذلك بناء على الرسم التكتيكي للمدرب، باعتماده دوما على 4 في خط الدفاع هم كايل ووكر في الجهة اليمنى وروبن دياش وجون ستونز في محور قلب الدفاع وعلى اليسار إما جواو كانسيلو أو بنجامين ميندي، بينما في الوسط يعتمد على الثنائي رودري وإلكاي غوندوغان وأمامهما مفتاح اللعب كيفن دي بروين، لتبقى المفاضلة بين واحد محرز أو فودين أو سترلينغ بجانب السلاحين الجديدين، وهو ما قد يجدد الشائعات حول علاقة محارب الصحراء بمدربه الكاتالوني وإمكانية استمراره مع النادي، حال عادت دقائق لعبه إلى ما كانت عليه قبل أن يثبت أقدامه في التشكيلة الأساسية في النصف الثاني من حملة 2020-2021، وذلك عن جدارة واستحقاق، بمساهمته في 23 هدفا، بواقع 14 من إمضائه و9 تمريرات حاسمة، أو كما أشرنا أعلاه، قد يكون لدانيال ليفي رأي آخر، إما بإيجاد صيغة لحل الخلاف مع اللاعب بشكل ودي، وإما بتصعيد الأمر إلى المحكمة الرياضية الدولية، وفي كل الأحوال، سيكون الخاسر الأكبر، إذا أجبر المهاجم على البقاء رغما عنه، منها لن يضمن ظهور النجم بنفس نسخته الحالية، ومنها أيضا ستكون الخسائر مضاعفة، حيث ستنخفض القيمة السوقية للاعب، وبالتبعية لن يجد فرصة ذهبية كفرصته المتاحة الآن، لبيع المتمرد بأعلى عائد مادي، واستثماره في دماء جديدة لتقديم يد العون للمدرب الجديد، والسؤال الآن .. هل ستتم صفقة انتقال هاري كين إلى مانشستر سيتي وتنتهي هذه البروباجندا؟ أم سيصر رئيس توتنهام على تجاهل «الاتفاق الجنتلمان» مع كين؟ هذا ما سنعرفه فيما تبقى من أغسطس / آب.