يستعمل مجاوري في المقهى لفظا شدّ انتباهي، ولست أدري أكان مفتخرا أم معتدّا بنفسه على عادة الجالسين في أماسي الصيف الحالمة تحت شجر الصفصاف، يقول بعاميّة أترجمها لأمر في نفسي: لم أكن طيلة حياتي إلاّ فاعلا.
أن تكون نحويّا وتستمع إلى هذه الجملة، فلن تستمع إليها بحياد. تشعر وأنت تسمعها وكأنّك واقع في عالم جزؤه في العالم العادي، وجزءه الثاني في العالم العالِم. الفاعل الذي استحضرته في ذهني وقتها لم يكن هو الذي كان في ذهنه، ومع ذلك شيء ما دفعني إلى أن أتذكّر المفعول مثلما تذكره هو ولم يسمّه، وذهب ذهني إلى طرف ثالث لا هو بالفاعل ولا بالمفعول هو نائب الفاعل.
حياتنا لنا يوميّات، إن كتبناها نكون فيها فاعلين. ولنا حين تخوننا الدنيا يوميّات نكون فيها مفعولين بالمعنى الذي قصده الغريب في مقهى هذا المساء المسروق من الحجر الصحي. وقد تخون الدنيا بعضنا أكثر وأكثر حين تلبسه لُبُسَ نائب الفاعل: يكون مفعولا مُتَسَرْبلاً بسرابيل الفاعل، والكلّ يعلم من يكون ربّما ينسى هو أنّه مفعول زحزحه قضاء الإعراب وقدره ليصبح فاعلا، لكنّ اللغة لا تنسى ذلك.
معلوم أن لفظ نائب الفاعل من ألفاظ النّحاة، يُعينون به ما أُسْند إليه فعلٌ مبنيّ إلى المجهُول، ولذلك سمّاه النّحاة القدامى لدهر طويل «مفعول ما لمْ يُسمَّ فاعله». عمّرت هذه التسمية طويلا، لاعتقاد علميّ راسخ عند النحاة، أن ما أسند إليه فعل مجهول هو مفعول تشبّه لفظا بالفاعل، لأنّه حين غاب الفاعل الحقيقي، أو قل إنّه غيّب زُحْلِقَ المفعول الذي كان يشغل محلّ النصب كي يملأ محلا ضروريّا شاغرا، دونه لا يمكن للكلام أن يقوم. عندها لبس المفعول ثيابا ليست له ورُفع ،هو الفضلة المنصوبُ في الأصل، وأُجلس في منصّة التشريف: منصّة المسند إليه، ووضع يده في يد الفعل، فلا الفعل راض عنه، وقد بُني إلى المجهول، ولا هو عارف هل هو أهل لهذا المحلّ الذي يسمّيه النّحاة محلّ العمدة، أم تراه سيندم لأنّه ترك موضعه الأصليّ حتى إن كان موضع فضلة؟
لنعد إلى أصل الحكاية فكلكم تعلمون أنّه لمّا أسند أفعل (أكلَ) في جملة (أكلَ زيدٌ لحما) إلى المجهول صار محلّ الفاعل شاغرا، عندها لم يبق إلاّ اللحم وهو محلّ نصب، فلم يكن من قدرٍ لبقاء الجملة ولبقاء الكلام مفيدا، إلاّ أن يصبح اللحم في محلّ الفاعل مسندا إليه فعل مجهول فتصبح الجملة بعد هذا التوضيب الإسنادي (ُكِلَ اللَّحمُ) . السبب في هذا أن الفعل أسند إلى مجهول لأسباب لا يعلمها إلاّ الله ومن أسند الفعل إلى المجهول. يقال إن الأمر قد يكون فيه تستّر على زيد حتى لا يعاقبه من له باللحم صلة ومصلحة، ويقال إنّما حذف للجهل به فعلا لا نصبا، وفي هذه الحالة يكتشف المرء أن اللحم أُكل ولا يعرف أنّه زيد وقد يكون التستّر على أسباب حذف الفاعل للخوف منه عندئذ يكون المتكلم عارفا أن زيدا هو من أكل اللحم، لكنّه يخشى منه لذلك يُسند فعل الأكل إلى مجهول، وفي هذه الحالات جميعا كان اللحمُ في الجملة ذات الفعل المعلوم مأكولا فبات هو المفعول المأكول يلبس ثياب الآكل، ولم يأكل لا حقيقة ولا مجازا لحما، إذ كيف يأكل اللحم نفسه.
في عالم النحو لا تستطيع أن تعيش حياتك بأسرها فاعلا، فيمكن أن تختفيَ أنت وفاعليّتك لعلّة لا يعرفها إلاّ المتكلم، إذ ليس أبسط لديه من أن يحوّل فعلا مسندا إلى المعلوم إلى مسند إلى المجهول بحركات بسيطة هي: ضمُّ الفاء وكسر العين في الفعل الماضي.
يجري النحاة المعاني الإعرابية في مراتب أعلاها ما كان مرفوعا لأنّه لا كلام ولا إسناد من دون المرفوعات، فهي عمدة الكلام، أقلّ من ذلك ما كان منصوبا وهو المفاعيل، فالكلام يمكن أن يكون من دون منصوبات ولا يكون من دون مرفوعات. هذه حالة المفاعيل التي تحوّلت إلى نائب فاعل ونعرف قصّتها وكيف تحوّلت ويمكن أن نفكّ أسر الفاعل، ونرجع المفعول إلى أصله بأن نقول (أُكل اللّحم) فإن سئلنا سؤال محقّق مصمّم على معرفة الحقيقة قلنا: (أكل زيد اللحمَ) أو (أكل القطّ اللحمَ) إن كنّا نريد أن نتستر على الفاعل الحقيقي. ليس مهمّا كثيرا عند النحاة من أكل اللحم، النحاة منصفون بإسناد علامات الإعراب لمن احتلّ موضع المسند إليه بين إسناد إلى المجهول وإسناد إلى المعلوم تسير المفاعيل إلى نياباتها كارهة أو راغبة، وتعود إلى محلاتها الأصليّة عودة غريب نأى به الإعراب وأعاده إلى مضاربه.
هناك حالات قد لا يعود المفعول فيها إلى محلّه لأنّه قد يحكم عليه حكما أبديّا بملازمة محل نائب الفاعل، بل إن معرفة الفاعل الحقيقي المغيّب يكون من أمر قصّة طويلة تتخفى وراء القول. ما دمنا في فعل الأكل لنضرب مثلا قول العرب (أُكلت يومَ أُكلَ الثورُ الأبيضُ). لا يمكن أن تعيد الجملة إلى أصل إسنادها لأنّ المثل من العبارات التي ليس لك حقّ في التصرف فيها، هي قول مسيّج أو قول مسكوك لا يمكن التصرف فيه، وحتّى لو أردت تعنّتا فلن تستطيع لأنّك لا تعرف الآكل في الفعلين، فعل المتكلم وفعل الثور.
في قصّة المثل أن الأسد الذي أكل ثورا أبيض ثمّ أكل الأسود والأحمر هو الأسد الورديّ بحيلة يطول شرحها لا يفيد الآن. البناء إلى المجهول في المثل إذن مرتبط بالطيّ، أو الاختصار والبناء إلى المعلوم مرتبط في الحكاية بالنشر وهي من شأن قصة المثل. جاوزنا في هذا السياق مقاصد النحاة في طي ذكر الفاعل إلى مقاصد المتكلمين صانعي الأمثال، والمفسرين شارحي تلكم الأمثال بالسرد، وإلى مقاصد مفككي الرمز التي في الأمثال، فهؤلاء وهم يفكّكون يرجعون الإسناد إلى أصله المعلوم، ويرجعون المأكول إلى مرتبة المفعول. يقول المفسّرون ومفككو الرمز لنائب الفاعل، انتهت أيّام نيابتك بانتهاء الجهل بالفاعل.
الحالة الثانية التي يظلّ فيها نائب الفاعل محافظا على نيابته في الأفعال التي لا تسند إلى المعلوم من مثل (حُمَّ القضَاءُ) أي نزل وليس لنزوله مردّ يقول أبو فراس الحمداني في رائيّته الشهيرة التي طالعها (أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر): «لكنْ إذا حُمَّ القضاءُ على أمرئٍ .. فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ ولا بحرُ» الجهل بمصدر القضاء هو كالعلم به، فسواء أعرفت أن القضاء سلطة متسلطة، أو ربّ مقتدر فإنّك لن تستطيع إلى ردّه سبيلا، بل لا فائدة أصلا في نسبة حمّ إلى فاعل معلوم. لو وُجِدَ (حَمَّ) لكان على صيغ الأفعال الممكنة مثل (وَلَدَ) التي لها في المجهول مقابل (وُلَدَ) ويستعمل المعلوم في نسبة الولادة إلى فاعلها البيولوجي كأن تقول (خرج كيوم ولَدته أمّه) أو وَلدت له صالحا وهندا. بينما يستعمل الأوّل في معنى الحدث الذي يعرف مصدره ولا فائدة من ذكره بل من عادة اللغة أن تسكت عليه. لا يردّ المفعول إلى صورته الأصليّة في فعل (حُمَّ) لأنّه من القدريّة التركيبية أن يلازم هذا النائب محلّه الإسناديّ. قدريّة الإعراب هي في بعض الأحيان كقدريّة الدلالة التي تبنيها.
في عالم النحو لا تستطيع أن تعيش حياتك بأسرها فاعلا، فيمكن أن تختفيَ أنت وفاعليّتك لعلّة لا يعرفها إلاّ المتكلم، إذ ليس أبسط لديه من أن يحوّل فعلا مسندا إلى المعلوم إلى مسند إلى المجهول بحركات بسيطة هي: ضمُّ الفاء وكسر العين في الفعل الماضي، أو ضمّ حرف المضارعة وفتح عينها في الحال والاستقبال بهذا الفعل البسيط يغيب الفاعل ويحلّ نائب محلّه متزحلقا بين موضعين فسبحان الإعراب الذي زحلقه وسبحان من أجرى مفعولا من محلّ الفضلة ليقرّ قراره الوقتي في محلّ العمدة ويرسي مرساه. هذه حال الفاعل والمفعول في عالم النّحو وهذه حاله أيضا في الحياةِ: ففي اللغة صورة للحياة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية