يستهل مصطفى الفقي كتابه «الرواية.. رحلة الزمان والمكان» الذي صدرت منه أكثر من طبعة عن الدار المصرية اللبنانية، بمقولة لفرانس كافكا يقول فيها: خجلت من نفسي عندما أدركت أن الحياة حفلة تنكرية، وأنا حضرتها بوجهي الحقيقي.
مذكرات مصطفى الفقي هذه التي يكتبها في ثمانية عشر فصلًا، تسبقها مقدمة وتليها خاتمة، يكتب فيها عن تأملاته ودروس الحياة، ممهدا لها، إنه ظلت تراوده منذ سنوات بعيدة رغبة تنبع من إحساس شديد بضرورة نشر الحقائق التي يعرفها، والوقائع التي شهدها، والأحداث التي عاش وسطها. الفقي الذي يرى أن الإنسان ابن ظروفه، وهو نتاج تجاربه التي يجب أن ينقلها إلى الأجيال الجديدة، وأن يضعها أمام من يريد أن يعرفها، يؤكد أنه مؤمن بأنه ليس هناك من يحتكر الحقيقة، أو يدّعي وحده الصواب.
ما يراه الفقي هنا أن الواقعة الواحدة تختلف فيها وجهات النظر، وفقًا لأطرافها، والحدث الواحد لا يتفق عليه معاصروه، وفقا لاختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم، ولهذا رأى الفقي أن يكون هنا شاهدا أمينا، لا يدّعي البطولة ولا يتوهم أنه حالة خاصة، بل يدرك جيدا أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان وزمان.
الندم الإيجابي
الفقي الذي يؤمن بأن الندم الإيجابي أفضل من الندم السلبي، أي أن تندم على شيء فعلته، خير من أن تندم على شيء لم تفعله، أو فرصة أفلتت منك، فالفرص الضائعة تدعو إلى الأسى، أما الأخطاء التي وقعت فهي تجارب تفسر الحاضر وتضيء المستقبل، حين ينظر خلفه إلى ما يزيد عن ثلاثة أرباع قرن منذ أن ولد، يرى أن لكل مرحلة مذاقها ولكل تجربة قيمتها. هنا أيضا، وحين يظن الفقي أن حياته توزعت وتشتت بين مجالات شتى: العمل الدبلوماسي، النشاط الأكاديمي، الاهتمام السياسي، الظهور الإعلامي، والإسهام البرلماني، يعود ليتمسح في ظلال الشخصيات الموسوعية في تاريخ الفلسفة، ليرى مَن كان طبيبا وفنانا وأديبا وشاعرا في الوقت ذاته. الفقي الذي يعتقد أن ميزان التاريخ عادل على المدى الطويل، ينصف الناس وينتصر للحق ويبحث عن الحقيقة، يقول إنه من المستحيل رصد كل التفاصيل، وتجميع أحداث الحياة كافة، ولذا اختار منها، هنا في مذكراته، ما يعطي مؤشرا يسمح بفهم الشخصية ومسارها الطويل، في كل الاتجاهات. كما يكتب الفقي ذاكرا أنه اختبر في حياته تقلبات الزمن جميعها: رأى بطء الزمن عندما انتظره، واختبر سرعته حينما لم يحفل به، ووجده طويلا حين اعتراه الألم، مستهلا كتابته عن سنوات نشأته، من القرية للجامعة بمقولة لجبران خليل جبران: في قلب كل شتاء ربيع يختلج، ووراء نقاب كل ليل فجر يبتسم.
خلاصة التجارب
هنا يكتب الفقي عن جدته لأمه ياسمين، التي أنجبت أحد عشر مولودا، وعن أمه عزيزة التي فارقت الحياة بعد أن أصبح جدّا للمرة الأولى، وعن ابنته الكبرى سلمى ومولودها الأول سليم، وعن والده الذي رحل في عام 2000، ويذكر عبارة مهمة لأبيه أثرت في حياته قال له فيها: إذا زهزهت خاف منها، وتعني أن نحذر من الدنيا إذا ابتسمت لنا.
الفقي قهر جميع نقاط الضعف في حياته وحولها إلى نقاط قوة نتيجة لقصيدة قرأها للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي التي يقول في بدايتها: سأعيش رغم الداء والأعداء / كالنسر فوق القمة الشماء. الفقي الذي يتحدث هنا عن دخوله كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يعتقد أن دارس القانون، الذي يمتلك ناصية اللغة الفرنسية لديه فرصة أن يصبح من أشهر المحامين، ليس فقط في ساحة محاكم الجنايات، أو القضاء المدني، لكن أيضا في إطار الشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. الفقي الذي يعتبر السادات، من حيث الحنكة السياسية والدهاء الشخصي، رجل الدولة الثاني بعد محمد علي، يرى أن السادات أحدث تحولات كبيرة في السياستين الداخلية والخارجية لمصر. كذلك يكتب الفقي عن ذهابه إلى لندن وعمله فيها، عن بقائه لثمانية أعوام في العمل مع مبارك، عن ميلاده الجديد بعد خروجه من قصر الرئاسة، عن لقاءاته برموز السلطة في العالم العربي، وعن صحبته مع نجوم الفكر والأدب والفن، عن أيام النمسا ولياليها، وعن قبة البرلمان وحكايات مجلس الشعب، عن تجربته مع جامعة الدول العربية، عن ثورتيْ 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران، وعن حكايته مع مكتبة الإسكندرية.
في مذكراته هذه حرص الفقي ألا تخلو من خلاصة تجاربه وفلسفته في الحياة، معلنا أنه لم ينكمش يوما، ولم يتقوقع أبدا إلا لعذر قاهر أو طارئ صحي، ودائما ما كان يشعر بالنقص لأنه لم ينتمِ إلى المدرسة الفرانكفونية بفلسفتها وأدبها ومفرداتها المستمدة من اللاتينية. هنا أيضا ترفّع الفقي عن آثار أي خصومة عابرة، ولم يستخدم تعبيرا يسيء لأحد، عازفا تماما عن لغة التجريح، لأنه لا يهدف إلى الإساءة إلى أحد، بل يرغب في إيضاح الحقائق، وإجلاء الأحداث في تجرد وموضوعية وحياد، حريصا على أن تكون مذكراته مرتبطة بالتحليل السياسي الذي وقع في هواه منذ الصغر، بحيث تصبح مفيدة لجيل من الباحثين في فترات زمنية من تاريخنا الحديث.
المفتاح السحري
الفقي الذي اكتشف، من خلال أسفاره التي قام بها والبشر الذين عايشهم والأشخاص الذين صادقهم، أن المودة والمحبة يمثلان المفتاح السحري لقلوب الناس في كل زمان ومكان، وأن الكراهية والبغضاء، يمثلان عبئا ثقيلا على النفس البشرية، يرجع بها إلى الوراء، ويدمر فيها أسمى ما يملك الإنسان، يؤكد هنا كذلك أنه خالط الكبار وتعلم منهم دروس الحياة، وفهم مفاتيح النفس البشرية، ما مكّنه من أن يظل لسنوات يكتب أسبوعيا عن شخصيات عرفها على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، تجاوز عددها الثلاثمئة شخصية. ومتعجبًا من سخرية بعضهم من الشعب الهندي، يتمنى لو أننا كنا هنودا، قائلا إنه تعلم في الهند ما يعادل أربعين عاما من عمره، ذاكرا أن الهند أمة كبيرة، وشعب عريق، وحضارة متميزة، وديانات وثقافات، بل قوميات متعددة، وقد بهره صبر الهنود وفلسفتهم العميقة وقدرتهم على امتصاص الألم ونسيان الأحزان، فضلا عن الواقعية الشديدة والقدرة الفائقة على تحصيل المعرفة والانخراط في العلم.
استهل كل فصل من فصول كتابه هذا بمقولة لأحد المشاهير في شتى المجالات مثل، هيلين كلير، مكرم عبيد، إبراهيم ناجي، الملك جورج السادس، أرسطو، شكسبير، عباس محمود العقاد، المهاتما غاندي، علي بن أبي طالب، والقديس أغسطينوس ناقلًا عنه قوله: لا تسكب الدموع الطازجة على الأحزان الماضية.
كاتب مصري