السلطة الفلسطينية تغرق في الأزمة.. لا أموال كافية للرواتب وإسرائيل تبيع الوهم بادعاءات “حسن النية”

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة- “القدس العربي”: يتضح من وصول الموظفين الحكوميين لليوم التاسع من الشهر، دون تلقي رواتبهم، أن العجز في الخزينة الفلسطينية، بلغ مراحل متقدمة لا تستطيع الحلول الترقيعية التي اعتمدتها الحكومة سابقا، بالاقتراض من البنوك حلّها، كما تشير الأزمة الحالية، إلى أن الادعاءات الإسرائيلية الأخيرة، باتخاذ خطوات لمساعدة السلطة اقتصاديا، كانت حبرا على ورق، خاصة وأن السبب الرئيس في الأزمة يرجع إلى الخصومات الإسرائيلية على أموال الضرائب الفلسطينية.

الأزمة تتمدد

ما يتردد في أروقة السلطة الفلسطينية، يشير إلى أن الأزمة المالية بدأت بالتوسع، وأن عدم تدخل المانحين في الوقت القريب، يعني أن السلطة ستتجه على غرار مرات سابقة كثيرة، إلى عدم القدرة عن دفع رواتب موظفيها العاملين في القطاعات المدنية بما فيها الصحية والتعليمية، والقطاعات الأمنية كاملة، وأن أمر دفع نسبة من الراتب يمكن أن يحصل في الأشهر القادمة.

وترجع الأزمة المالية لعدة أسباب أبرزها، اقتطاع حكومة الاحتلال أموالا جديدة من عوائد الضرائب التي تجبى من البضائع التي تمر عبر الموانئ الإسرائيلية للمناطق الفلسطينية، وفق “اتفاقية باريس الاقتصادية”، وكذلك بسبب توقف الدول الأوروبية منذ مطلع العام الجاري، وكذلك الدول العربية منذ العام الماضي، عن دفع المساعدات المالية المعهودة للخزينة الفلسطينية، وفق النهج المتبع منذ توقيع “اتفاق أوسلو”.

ولا يمكن بالحلول الترقيعية السابقة، التي اعتمدتها الحكومات الفلسطينية وبينها حكومة محمد اشتية، والتي تقوم على الاقتراض من البنوك العاملة في المناطق الفلسطينية، لدفع رواتب الموظفين، أن تحل الأزمة، في ظل عدم قدرة البنوك في المستبقل، على توفير احتياجات السلطة المالية، فيما يؤكد مختصون بالشأن الاقتصادي، أن الاعتماد كثيرا على البنوك، وعدم سداد القروض في الوقت المناسب، يؤثر على عجلة الاقتصاد في المناطق الفلسطينية.

وهنا تفيد الأرقام، أن مديونية الحكومة للبنوك تبلغ 2.3 مليار دولار، بعد أن زادت النسبة مؤخرا، بسبب استمرار أزمة أموال الضرائب، حيث كانت في عام 2019 تقدر بـ1.4 مليار دولار، وفي حال قيام الحكومة بصرف الرواتب يوم الثلاثاء، فإن ذلك سيكون راجع لقرض جديد قدمته البنوك للسلطة.

والشهر الماضي، كان وزير المالية شكري بشارة، أعلن أن اقتراض الحكومة من البنوك “لم يعد خيارا بسبب أوضاع السيولة المحدودة للقطاع المصرفي الفلسطيني”.

ويبلغ عدد موظفي السلطة في الضفة وغزة نحو 136 ألف موظف، علاوة عن عشرات آلاف المتقاعدين. كما تشمل فاتورة الرواتب مخصصات الأسرى وذوي الشهداء، حيث تبلغ الفاتورة الشهرية للرواتب أكثر من 160 مليون دولار.

ومؤخرًا قدرت الحكومة الفلسطينية نفقاتها للعام 2021 بنحو 5.6 مليار دولار، مقابل إيرادات بنحو 4.6 مليار دولار، كما توقعت أن تبلغ المساعدات الخارجية 210 ملايين دولار في النصف الأول من العام الجاري، وهو ما لم يحدث.

قرصنة أموال الضرائب

وكان وزير المالية قد طالب المجتمع الدولي بمساعدة السلطة الفلسطينية في تسوية الملفات المالية العالقة مع إسرائيل، تجنبا لانهيار مالي في ظل تراجع المنح الدولية ووصول الاقتصاد الفلسطيني إلى الحد الأقصى في توليد الإيرادات المحلية، معلنا أن الاستقطاعات الإسرائيلية خلال 14 عاما بلغت 10 مليارات دولار.

وعلمت “القدس العربي” أن الخزينة الفلسطينية، لم تتلقَ منذ مطلع العام الجاري سوى 30 مليون دولار من المساعدات، من أصل 210 ملايين دولار، كانت قد توقعت وصولها، واعتمدت عليها في الموازنة، فيما توقع مجلس الوزراء الذي أقر قبل خمسة أشهر الموازنة العامة للسنة المالية 2021، بوجود فجوة عجز تصل إلى حوالي مليار دولار، لكن الحكومة الفلسطينية نجحت خلال النصف الأول من العام الجاري بتقليص العجز المتوقع بشكل طفيف.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “الحياة الجديدة” عن مصادر متطابقة، أن العائدات الضريبية الفلسطينية، تعرضت لمزيد من القرصنة الإسرائيلية، حيث اقتطعت حكومة الاحتلال الشهر الماضي 100 مليون شيكل “نحو 31 مليون دولار”، بذريعة استمرار الحكومة الفلسطينية في دفع مخصصات الأسرى وعائلات الشهداء، ما أدى إلى تأخر صرف رواتب الموظفين العموميين عن شهر تموز الماضي.

وكانت حكومة إسرائيل الحالية برئاسة نفتالي بينيت، قد وافقت بعد وقت وجيز من تشكيلها، على مضاعفة المبلغ الذي تخصمه من عوائد الضرائب الفلسطينية، ليصبح المبلغ 597 مليون شيكل، وهي خطة أُقرت منذ حكومة نتنياهو السابقة، وتحديدا في 2019، بموجب قانون أقره “الكنيست” الإسرائيلي.

وقد اعتمد القرار الجديد بعد خطة قدمت للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، بناء على ما قرره “الكنيسيت” وسمّاه وقتها  “قانون مكافحة الإرهاب”، غير أن تلك الضغوط التي تمارس على السلطة الفلسطينية، لوقف صرف مخصصات أسر الشهداء والأسرى، ومن ضمنها تهديد البنوك الفلسطينية بعدم فتح حسابات لهذه الشريحة، إلا أن السلطة الفلسطينية لم تخضع لتلك الضغوط، وتعهدت باستمرار تقديم هذه المساعدات المالية.

مزاعم إسرائيلية

وما كان لافتا في قرارات الخصم من أموال الضرائب، التي تصفها السلطة الفلسطينية بـ”القرصنة”، هو مزاعم حكومة بينيت بأنها تعمل على مساعدة السلطة الفلسطينية اقتصاديا، إذ عملت مؤخرا على تصدير ذلك في الإعلام، من خلال الترويج لموافقتها على زيادة عدد العمال الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر، وكذلك قيام عدد من وزرائها بإجراء اتصالات مع الرئيس محمود عباس، ليتلوا ذلك الإعلان عن إعادة تنشيط عمل اللجان المشتركة بين الجانبين، والتي جمّد العمل بها مند سنوات عدة، وهي لجان تبحث القضايا التي لها علاقة بالملفات اليومية كالصحة والاقتصاد، إذ بدأت تلك اللقاءات بعقد اجتماع بين وزيري الصحة من الطرفين، فيما يجري العمل حاليا على ترتيب لقاءات بين مسؤولين عن قطاعات التجارة والاقتصاد.

وكان لافتا في الفترة الماضية، استغلال حكومة بينيت تلك اللقاءات، لإيهام المجتمع الدولي بأنها تعمل على تحسين وضع الفلسطينيين، وتقديم التسهيلات لهم، حيث لم تكن القرارات الأخيرة تلبي الحاجة الفلسطينية، ولا ما طلبه بشكل مباشر المبعوث الأمريكي هادي عمرو الذي زار المنطقة مؤخرا. وما يدلل على ذلك، ما جرى كشفه بأن منح تصاريح إضافية للعمال الفلسطينيين، لم يكن ضمن خطة المساعدة الاقتصادية، بل كان بسبب حاجة إسرائيل لهم، لتشطيب مشاريع إنشائية طال أمد بنائها بسبب أزمة “كورونا”، فيما لم تقم حكومة بينيت بوقف عملية الخصم على أموال الضرائب، والتي أثقلت كثيرا كاهل خزينة السلطة.

وكان المبعوث الأمريكي، قال عقب زيارة استكشافية للمنطقة قام بها قبل شهر، إن السلطة الفلسطينية تمر في وضع اقتصادي وسياسي صعب وخطير، ووقتها طالب إسرائيل يتنفيذ خطوات بهدف تعزيز الحكومة الفلسطينية، ونقل عنه القول خلال لقائه مسؤولين إسرائيليين، بعد لقاء آخرين من السلطة الفلسطينية في رام الله، أن وضع السلطة مقلق، وأنها لم تشهد وضعا كهذا من قبل، وقد وصف عمرو الوضع في السلطة الفلسطينية بأنه “أشبه بغابة جافة تنتظر أحدا ما كي يشعل النار فيها”. وقال للمسؤولين الإسرائيليين إنه “إذا لم يتوفر بحوزة السلطة المال كي تدفع الرواتب، فإن هذا يمكن أن يقود إلى تدهور آخر، وإلى انهيار في نهاية الأمر”.

قلق الموظفين والباعة

جدير ذكره، أن أزمة رواتب موظفي السلطة، تأتي هذا العام بعد انقضاء موسم عيد الأضحى بوقف قصير، وقبل انطلاق العام الدراسي الجديد، حيث يشرع الأهالي في تسجيل أبنائهم الناجحين في الثانوية العامة في الجامعات.

وفي الأزمات المالية السابقة، التي خلقتها إسرائيل، وعدم وصول أموال الدعم، كانت الحكومة الفلسطينية تضطر لدفع ما قيمته 50% من قيمة رواتب موظفيها، وهي نسبة لا تكفي لتلبية الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

وبدأ الموظفون يعبرون عن خشيتهم من هذه الأزمة المالية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما بدأ أصحاب المحال التجارية يشتكون من قلة البيع، خاصة وأن رواتب موظفي السلطة، تساهم في زيادة عمليات البيع.

وفي هذا السياق، يقول وائل عرندس، الذي يملك محلا تجاريا لبيع المستلزمات المدرسية، إن حركة البيع في هذا الوقت تكاد تكون معدومة، إذ لم يُقبل الأهالي كالعادة على شراء الحقائب والقرطاسية، وغيرها من المستلزمات، ويشير إلى أن محال تجارية مجاورة تبيع الملابس الخاصة بالمدارس، تشتكي هي الأخرى من قلة الزبائن، ما يشير إلى أن آمالهم على الموسم التجاري الحالي ذهبت أدراج الرياح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية