صفقة القرن ماذا يعني توقيع ليونيل ميسي لباريس سان جيرمان وقطر؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: ما كان مستحيلاً ولا يتوقعه بشر في بداية العقد الماضي أصبح ممكنا في صيف 2021، بعد اكتمال المشاهد الأخيرة لفيلم الرعب والتشويق، الذي أخرجه وقام ببطولته منفردا رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، ليبهر كوكب المركولة المجنونة، بسيناريو ما زال البعض يحاول فهمه وتحليل أبعاده، سواء على المدى القريب أو البعيد، وذلك منذ وضع اللمسة الأخيرة في المشروع المخيف، بإعلان ضم قائد برشلونة التاريخي ليونيل ميسي، كآخر وأهم القطع النفيسة في فريق الأحلام.

صفقة القرن

أطلق مصطلح لقب «صفقة القرن» على صفقات بالجملة في السنوات الماضية، لكن من الآن وإلى يوم يبعثون، سيتحدثون عن الضجة والبروباغندا التي أحدثها البرغوث بانتقاله من برشلونة إلى باريس سان جيرمان بموجب قانون بوسمان، بداية بوداعه «التمثيلي» في قاعة مؤتمرات «كامب نو»، مرورا بالساعات الـ24 التي سبقت بيان وصوله إلى مطار «لوبورجيه»، مرتديا ذاك القميص الناصع البياض، الذي اكتسح «السوشيال ميديا» ووسائل الإعلام في لحظات، ما بين فئة استقبلت صورته المكتوب عليها «هنا باريس»، بنوع من أنواع الدهشة والاستغراب، للسرعة الكبيرة في تحوله، من بكاء وكآبة في وداع البارسا وعشاقه، إلى وجه مشرق ينبض بالتفاؤل والأمل وهو يلوح لجمهور ناديه الجديد، في ما تسبب في تحوله إلى مادة ساخرة لملوك «الكوميكس» في العالم الافتراضي. أما الفئة الأخرى، فكانت وما زالت تحت تأثير الصدمة، والحديث عن عشاق البلوغرانا، خصوصا مواليد أواخر التسعينات وبداية القرن الجديد، الذين فتحوا أعينهم على أساطير وخرافات الأعظم في تاريخ النادي، بينما على أرض الواقع، فكل دقيقة تمر، يجني فيها باريس سان جيرمان ورئيسه ناصر الخليفي، مكاسب مادية ومعنوية تفوق الخيال، تتجلى في القفزات المهولة في أعداد المتابعين في مختلف صفحات «بي إس جي» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أبسطها على سبيل المثال ارتفاع المتابعين عبر «انستغرام» لأكثر من 5.5 مليون بعد ظهور ميسي بجانب الرئيس الباريسي على طاولة التوقيع. أكثر من ذلك، انتعشت الخزينة بأكثر من 24 مليون يورو، بعد الإقبال التاريخي على شراء القميص رقم 30 للوافد الجديد، على غرار ما حدث الغريم التقليدي كريستيانو رونالدو بعد انتقاله من ريال مدريد إلى يوفنتوس في العام 2018.

واقع جديد

بصرف النظر عن المكاسب المادية المهولة التي سيجنيها باريس سان جيرمان من حقوق صورة وحياة ميسي في عاصمة الأنوار، فهناك مكاسب أخرى تندرج تحت مسمى «مكاسب عظمى»، بدأت تلوح في الأفق لعدة جهات ومؤسسات، والعكس للمتضرر الوحيد برشلونة، الذي دخل سريعا مرحلة ما بعد ليو، بتراجع مزعج في حجم التفاعل في مختلف صفحات النادي في «السوشيال ميديا»، كبداية لسلسلة الخسائر المتوقعة في المرحلة القادمة، والمقدر لها أن تكسر حاجز الـ100 مليون يورو، وفقا لما أوردته صحيفة «موندو ديبورتيفو» الكتالونية. أما في الشمال، فهناك مؤشرات تتجه إلى الأعلى بطريقة غير مسبوقة، لعل أبسطها الدعاية التي تحصل عليها الدوري الفرنسي بين القطاع الذي تستقطبه الشركات الراعية للأندية بين 18 و30 عاما، والمفارقة هو القطاع الجماهيري الذي تحدث عنه فلورنتينو بيريز، وشدد على ضرورة استهدافه في حديثه مع «الشيرنغيتو» عن فكرة «السوبر ليغ»، والدليل على ذلك، الانتشار المجاني لتشكيل الفريق الباريسي بكل لغات الأرض، بوضعه في إطار وصورة الفريق «الممنوع» اللعب به في «البلاي ستيشن»، للفوارق الشاسعة بينه وبين باقي الأندية، بما فيهم بطل أوروبا تشلسي ووصيفه مانشستر سيتي ومثلهما عملاقا الليغا ريال مدريد وبرشلونة، هذا ولم نتحدث عن الشعبية التي سيكتسبها الدوري الفرنسي، لحرص ملايين البشر في كل أرجاء المعمورة على الاستمتاع بسحر وخيال ليو في أعوامه الأخيرة في أعلى مستوى تنافسي لكرة القدم.
والمثير هذه المرة، أنه سيرافق كوكبة من النجوم والأسماء، التي كان يستحيل التنبؤ بجمعهم في فريق واحد قبل 50 يوما من وقت كتابة هذه الكلمات. ويكفي أن يخبروك قبل بداية يورو 2020 أن الخليفي سيجمع قائدي ريال مدريد وبرشلونة سيرخيو راموس وليونيل ميسي في فريق واحد، بجانب أسماء أخرى بحجم وقيمة أفضل حارس في اليورو جيجي دوناروما، وقلب ليفربول النابض في السنوات الماضية جورجينيو فينالدوم، وجميعهم في صورة انتقال حر، فقط أفضل ظهير أيمن في العالم أشرف حكيمي، جاء برسوم تحويل بلغت نحو 60 مليون يورو ذهبت إلى خزينة إنتر ميلان الايطالي، وقبل هذا النشاط المرعب للمنافسين المحليين والقاريين، نجح النادي في التخلص من صداع مستقبل نيمار، بإقناعه بتمديد عقده حتى العام 2025، فقط يتبقى ملف المتمرد الفرنسي كيليان مبابي، الذي يعتبر التحدي الأخير بالنسبة للخليفي ومجلس الإدارة، خاصة بعد توافق طموح النادي مع شروطه المعقدة في مفاوضات التجديد، برؤية مشروع بإمكانه اكتساح الأخضر واليابس سواء في فرنسا أو خارجها على الأقل في السنوات الخمس المقبلة، لكن في كل الأحوال، بدا واضحا أن الإدارة الباريسية لن تفرط في مبابي أو على الأقل ستسمح بانتقاله إلى ريال مدريد هذا الصيف، بعد وصول معنى ومغزى رسالة الترويج لصورة مبابي بقميصه رقم 7 على يمين الوافد الجديد رقم 30 وعلى يساره الرقم 10 للقائد البرازيلي، أنهم سيمثلون ثلاثي الرعب الباريسي حتى نهاية حملة 2021-2022 أيا حدث أو سيحدث مع مبابي حتى يومه الأخير في عقده.

السفير الإستراتيجي

لا يخفى على أحد، أن قطر تعرضت لبعض المضايقات من قبل بعض المنظمات الحقوقية في ما يخص ملف قانون العمالة الوافدة من جنوب شرقي آسيا لبناء ملاعب مونديال قطر 2022، وهذا ما دفع الحكومة إلى تعديل الكثير من القوانين عام 2018، استجابة لهذه المنظمات، التي حاولت التشكيك في نوايا القطريين وجديتهم في مشاريعهم الكروية بوجه عام، وملف تنظيم كأس العالم على وجه الخصوص، لكن وجود ميسي الذي يتابعه قرابة نصف مليار إنسان، أكثر من 400 مليون في مختلف صفحاته، في المشروع الذي استحوذت عليه «قطر للاستثمارات الرياضية» في بداية العقد الماضي، سيعزز الصورة والانطباع شبه المثالي عن البنية التحتية والاستثمار القطري في كرة القدم والرياضة، ذاك الحلم الذي رسمته الأسرة الحاكمة منذ الاستقلال عن الحكم البريطاني عام 1972، باستغلال الثروات والموارد الطبيعية في جهات أخرى بعيدا عن النفط والغاز. وبدأ تنفيذه على أرض الواقع عام 2008، بإطلاق رؤية الرياضة الوطنية عام 2030، ضمن خطة «تحويل قطر إلى مجتمع متقدم وقادر على تحقيق التنمية المستدامة»، ما ساهم في التطوير الهائل في الرياضة القطرية، إلى جانب السمعة العالمية، بامتلاك ملاعب لا مثيل لها على هذا الكوكب. ولأن باريس سان جيرمان كان وما زال جزءا رئيسيا من خطة الترويج الناعم للمشاريع الاستثمارية في الرياضة، بما في ذلك حملة كأس العالم، لنا أن نتخيل حجم الخطوة العملاقة التي أخذتها قطر في الصراع المشروع مع الجارتين الإمارات والسعودية حول الريادة والتفوق الرياضي، بوضع صورة ميسي واستغلالها في الدعاية لكأس العالم، باعتباره من الآن فصاعدا السفير الإستراتيجي للجنة المنظمة للمونديال في بداية شتاء 2022، وسيكتمل هذا التخطيط المذهل، الذي وعد به الخليفي من قبل أنه «سيجعل العالم سعيدا بمشاهدة مباريات باريس سان جيرمان»، بتحقيق الهدف المنشود والذي طال انتظاره، بالتقاط الصور التذكارية مع الكأس ذات الأذنين في «حديقة الأمراء»، بل نقلها إلى الدوحة قبل 5 شهور من ركلة بداية كأس العالم، أما أي سيناريو آخر، ففي الغالب لن يُقبل من ماوريسيو بوتشيتينو.

ضربة معلم

يُحسب لناصر الخليفي نجاحه في تطبيق المقولة الشهيرة «إذا هبت رياحك فاغتنمها»، مستغلا بطريقة يُحسد عليها وجود هذا الكم الهائل من الصفقات المجانية، وأيضا هدية الاتحاد الفرنسي بتأخير تطبيق قواعد اللعب المالي النظيف لعامين قادمين وبالمثل الاتحاد الأوروبي للعبة لدعم الأندية بعد أزمة كورونا، ليعيد إلى الأذهان ما فعله نظيره المدريدي فلورنتينو بيريز على مرتين، الأولى في بداية الألفية بجمع صفوة نجوم الأرض في فريق «الأحجار الكريمة» بصوت المرحوم حماده إمام، على رأسهم زين الدين زيدان ولويس فيغو ورونالدو الظاهرة وديفيد بيكهام وراؤول غونزاليز وباقي الأساطير العالقة في الأذهان، والثانية بجيل «العاشرة» بقيادة كريستيانو رونالدو وباقي الرفقاء. وللتوثيق مثل هذه الانتدابات، كانت سببا مباشرا في اتساع الفجوة بين شعبية اللوس بلانكوس وباقي فرق العالم، باستثناء جيل برشلونة الذهبي في وجود تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وليونيل ميسي، الذي منح البارسا شعبية طاغية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بطبيعة الحال لتعلق الأطفال والأجيال الصاعدة بالنجوم قلما تجتمع في زمن واحد، والآن من حسن حظ الجمهور الباريسي أنه يعيش نفس التحول مع فريقهم، بمستقبل مغاير على مستوى الشعبية والطموح، بعد جمع هذا الكم الهائل من الأسماء القادرة على صناعة الفارق في قوام واحد، وذلك بعد التدرج في نسق الأهداف، بالوصول مرة إلى نهاية دوري أبطال أوروبا، التي خسرها أمام بايرن ميونيخ في أوج لحظات موجة كورونا الأولى، ثم بالخروج من نصف نهائي أمام وصيف النسخة الأخيرة مانشستر سيتي، فقط يتبقى كسر «اللعنة»، باستغلال أسلحته الفتاكة كما ينبغي في اللحظات الحاسمة.
وهذه ستبقى مهمة البوش الأولى، وتتلخص في إيجاد التوليفة السحرية القادرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى طموحات الجماهير والإدارة، أولها تجنب ما حدث في حملة 2020-2021، بالاستهانة بحسم لقب الدوري الفرنسي إلى أن خسره أمام ليل، وقبلها تسبب في إجهاد وإصابة اللاعبين قبل معارك خروج المغلوب في الكأس ذات الأذنين، ثانيا الفوز بالكؤوس المحلية بأقل مجهود وبأكبر عدد دقائق للبدلاء، ثالثا وهو الهدف الأهم والأسمى، الفوز بدوري أبطال أوروبا بأي طريقة وثمن، بعد توفير كل العناصر والأدوات اللازمة لحل عقدة ذات الأذنين، والتي تكمن في نقص عنصر الخبرة والتمرس على رفع الكأس ذات الأذنين. ومن المفترض، أن تنتهي هذه الأزمة في وجود أسماء حملت الأبطال أكثر من 10 مرات، منها 8 مرات لليونيل ميسي وسيرخيو راموس بواقع 4 لكل أسطورة، بالإضافة إلى لقب لكل من فينالدوم والقدامى نيمار جونيور وأنخيل دي ماريا. وهذا الحلم لن يتحقق على أرض الواقع، إلا بنجاح المدرب الأرجنتيني في السيطرة على هذا الكم من النجوم والأسماء اللامعة، وإقناعهم بتقديم أفضل ما لديهم بما يخدم المنظومة الجماعية على حساب الأداء الفردي والاستعراض، أمام منافسين من المتوقع أن يبذلوا جهودا مضاعفة بدنيا وذهنيا أمام صفوة نجوم كوكب الأرض، مثل ريال مدريد، الذي كان يعاني في بعض الأوقات من تخمة النجوم في عصر «الغالاكتيكوس» الأوائل، والسؤال الآن: هل سيفعلها بوتشيتينو ويقود «بي إس جي» لتحقيق الأهداف التي تتماشى مع العناصر المتاحة في قوامه؟ أم سيكرر أخطاء بدايته وتكون النهاية غير سعيدة؟ هذا ما ستجيب عنه نتائج وعروض فريق الأحلام في المرحلة المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية