شحيحة هي المجلات الثقافية عندنا لأسباب كثيرة، بعضها موضوعي وبعضها الآخر غير موضوعي؛ بيد أن الجيد النوعي الذي ينشر فيها هو فقير أيضاً، يُراعى فيه اسم الباحث خصوصا إذا كان عربيا أو أجنبيا، مع غض الطرف إن كان بحثه منشوراً سابقاً ومقروءاً مراراً أو لا.
وقد يغيِّر الباحث عنوان بحثه لكي يُعاد نشره وكأنه جديد، لكن ذلك لن ينفع في تغيير حقيقة أن بحثه بائت، وربما أكل عليه الدهر. وإذا كان الفقر في مجلاتنا هو في نوعية المنتج البحثي، فإنه يشمل أيضا كمية هذا الذي ينشر على استهلاكيته وبائتيته، وهو من القلة أحيانا ما يجعل القائمين على هذه المجلات ينتقون من يرسلون إليهم بشكل مخصوص مجلاتهم. والأمر لا يحتاج إلى جرد وإحصاء، فنظرة بسيطة على ما ينشر في هذه المجلات (الفقيرة نوعيا والشحيحة كميا) سيكشف عن أمرين:
1ـ إن المجلات المعروفة تبحث عن أسماء عربية معروفة وغير معروفة، ولا فرق بين البحث الفطير والبائت، وذاك الذي زادت خميرته فتحمض كما أن من غير المهم إن كانت هذه المجلات تلبي حاجة الوسط البحثي المحلي أو لا. ولا داعي لذكر الأسباب فالقصد واضح والنوايا تكشف عن نفسها للبيب المتابع.
2ـ إن المجلات غير المعروفة دائمة البحث عن مقالات من هب ودب، لكي تنشره فتسد به نقصا، سببه عدم معرفة الكتّاب بمثل هذه المجلات، لأنها في الغالب بلا موقع إلكتروني وأحيانا ليس لها عنوان بريدي؛ ومن ثم يكون للمراسلات الشخصية والعلاقات على صفحة فيسبوك دور في تمرير ما هو بائت ومستهلك بحثياً. ولعل الحق هنا مع الباحث إذ ما الذي يجبره على أن ينشر بحثه الجديد الذي اشتغل عليه كبيرا وبذل فيه جهدا وأضاف اليه من فكره كثيرا ليموت في مجلة محدودة الانتشار والتأثير مغمورة مندثرة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.
بهذين الأمرين يغدو فقر مجلاتنا العراقية كافياً ليدلل على نفسه بنفسه أيا كانت طبيعة صدورها شهرية أو فصلية وأيا كانت جهات دعمها حكومية أو نقابية أو شخصية.
ومن يتابع هذا الفقر الكمي في مجلاتنا فسيكون على بينة من طبيعة ما يتبع من منهجيات أو لا منهجيات في ما يُعاد نشره كما سيقف على الغايات التي يبتغيها الناشرون والمنشور لهم على السواء من وراء إعادة النشر وهل أن في هذه الإعادة فائدة علمية حقيقية او تحصيلا جديدا غير مسبوق او قيمة معرفية تستدعي تكرار النشر أو هي فوائد أخرى نفعية وليست علمية وقد تبدو معروفة سواء اُتبعت فيها أساليب علنية أو انطوت على أساليب خفية.
وبدلا من أن تنتهج المجلات غير المعروفة نهج المجلات المعروفة ذات التاريخ الطويل التي أرست تقاليد للنشر الثقافي، فإننا نجد للأسف أن هذه الاخيرة صارت تماثل غير المعروفة في أساليب ومبتغيات القائمين عليها. لأنها أولا ـ على قلتها وعلى الرغم من الدعم الحكومي أو غير الحكومي ـ ما زالت بلا موقع افتراضي ولا حضور ورقيا في سوق المكتبات الثقافية، ولأنها ثانيا ذات طموحات محلية واهمة لكن بلا تطلعات تحلق بها أجنحة عربية. ومن لا زاد يقدمه محليا فلا خير يرتجى منه عربيا ولهذا لا يُنشر فيها سوى المعاد المكرور إلا ما ندر.
والمؤسف أن هذه الظاهرة في إعادة نشر البائت والفائت والكاسد والفاسد تمادت أكثر باتجاهات قد لا تُحمد عقباها، ذلك أن المجلات غير المعروفة صارت تروج لأعدادها الفائتة والبائتة في الصحافة العربية، مبتغية تعريف القرّاء العرب بها. وهذا حق لو كانت منشوراتها جديدة ومبتكرة ليكون إظهاره للرأي العام العربي صحيحاً غير مدلس ولا مختلس، بيد أن الذي يحصل هو استغفال القارئ العربي فضلا عن القارئ العراقي الذي هو نفسه لا يعرف لهذه المجلات شكلا ولا عنوانا.
وبالطبع ليس على هذه الصحافة التي تنشر مثل هذه المتابعات أي مؤاخذة، بل المؤاخذة تقع على صاحب المجلة الذي يدلس الاشهار عن عدد مجلته المغمورة التي لو تتبعنا أمرها وبحثنا عنها ورقيا والكترونيا فلن نجني شيئا وستخيب مساعينا.
والسؤال المؤرق هنا ما الداعي لمثل هذه المجلات التي فشلت في أن تثبت وجودها محليا، أن تبحث لها عن موطيء قدم عند باحثين عرب تنشر أبحاثهم البائتة أو صحف عربية تدلس فيها أخبار هذا البائت المنشور؟!.
ولا يعني هذا أن باحثينا العرب يبخلون بجديدهم على مجلات تفتح أذرعها للنشر لهم لكن مغمورية هذه المجلات وهبوط مستوياتها يجعل النشر فيها مغامرة على الباحث أن يتحمل نتائجها. وغالبا ما تكون هذه المجلات غير منظمة ولا مرتبة بحرفية وليس فيها من ثابت سوى رئيس تحريرها الذي يكرر اسمه ثلاث مرات في متابعة إشهار عدده الجديد.. وكأن المجلة طريق للدعاية الشخصية ناهيك عن البائت الذي يدل على نفسه بنفسه.
إذا استمر الحال على مجلاتنا بهذا الفقر والبائتية فسيأتي عليها يوم وقد صارت أكلة بائرة وعندها لن يصلح العطار ما أفسده الدهر.
وسأمثّل على هذه المجلات المغمورة بمجلة الأديب الثقافية، وقد كانت المتابعة الاشهارية لعددها نسخة طبق الأصل عن بعضها بعضا في صحف محلية وعربية. وهذا يعني أن كاتب المتابعة واحد، مما لا يسمح بظهور رأي آخر مخالف فيها، وقد تصدرت المتابعة إشارة إلى أن للمجلة صحيفة بالاسم نفسه «الاديب الثقافية» مع أن الاخراج لهما واحد في صورة جريدة. وليس هذا مهما، بل المهم ما حملته المتابعة من ذكر لأبحات نصفها مُعاد وقد نُشر ورقيا أو الكترونيا وفي منصات افتراضية أيضا ونصفها الآخر مقالات وصفت بالجديدة بينما هي في الحقيقة بائتة سبق نشرها من قبل أصحابها في صحف عربية، وكالاتي:
1 ـ أن ما كتبه رئيس التحرير في (افتتاحية) عدد مجلته وعنوانه «بِم َ أخطأت النهضة العربية في التنوير ؟» كان هو نفسه قد نشره سابقا كمقالة في ثقافية القدس العربي محورا العنوان( لم تدرأ التعارض بين العقل والنقل بِم َ أخطأت النهضة العربية في التنوير ؟)
2 ـ أن ما ذُكر في المتابعة عن تضمن العدد ثلاث دراسات نقدية، هو في الاصل عبارة عن مقالين أثنين بائتين نشرهما الكاتبان سابقا في ثقافية القدس العربي بعنوان «المقاصد فوق النصية» و«التخيّل في رحلات باسم فرات» تحويرا عن( مقاصد الرحلات عند باسم فرات)
2 ـ (وتضمن باب «فكر» ثلاث دراسات ..) اثنتان منها في الاصل بحثان حوّر عنواناهما أما الثالثة «القطائع المعرفية والتحوّلات المناهجية» فهي لرئيس التحرير معترفا في المتابعة هذه المرة أنه مقتطع من كتاب له مطبوع منذ سنين.
3ـ أما ما اسمته المتابعة( محور العدد) فإشهاره هو الآخر بائت، لأن أول بحث وعنوانه «الفكر المنهجي للنقد المعرفي» هو جزء من كتاب للباحث منشور عام 2013 فضلا عن أن هذا الباحث قام بإشهاره مشاركا به في منصة افتراضية عراقية في وقت سابق.
4ـ أما ثاني بحث وعنوانه «النقد المعرفي – نحو رؤية جديدة لإشكالية الموت في النقد الأدبي» فهو لباحثين عربيين اثنين كانا قد نشراه في العدد الثامن لمجلة جزائرية جامعية هي (المدونة) ولم ينفع تحوير العنوان في التغطية على قصدية إعادة النشر.
5 ـ وتضمنت المتابعة ( كما أجرت الدكتورة رانية قدري حوارا مع الدكتور محمد سالم سعد الله حمل عنوان «منهجية النقد المعرفي») والمحاور والمتحاورة لهما بحث في الملف نفسه. وفي هذا مزيد من التدليل على بائتية المجلة.
والامر نفسه ينطبق على ما سماه الخبر( باب نصوص ) و( باب ثقافة عالمية ) و( باب تشكيل ) ولولا أن هذا العدد هو ككل الاعداد الماضية التي لا يُنشر فيها سوى البائت الذي ليس فيه أية جدة مع شيء من التهويل والتضخيم، لما اقتضى الأمر منا التنويه على هذه الظاهرة التي يجدر بنا التصدي لها ومعالجتها، فالباحث مثقف وهو مسؤول أمام الاخرين مثقفين وغير مثقفين؛ فكيف يسمح لنفسه بأن يعمل على هواه بلا سياقات؟!.
والاخطر من هذا أن تصبح مثل هذه المتابعات الاشهارية مستقبلا بمثابة سياقات لمن يبحث عن الشهرة والأضواء بأي طريقة كانت مما صرنا نشهده في بعض جرائدنا ومجلاتنا ودور النشر عندنا التي صارت تتلهف لنشر ما كتبه أعلام عرب وغير أعلام أو إعادة طبع كتبهم المطبوعة، وهي التي تتحجج أمام اقلام الكتّاب العراقيين بشحة الموارد وكثرة ما يردها من مواد للنشر.
إذن فليرعوِ رؤساء التحرير، وليعلموا أن المراتب المزعومة في تحرير المجلات لا تصنع مثقفين ما لم يكن المثقف نفسه صادقا ومسؤولا أمام قرائه وأمام أقرانه من الكتّاب. أما إذا استمر الحال على مجلاتنا بهذا الفقر والبائتية فسيأتي عليها يوم وقد صارت أكلة بائرة وعندها لن يصلح العطار ما أفسده الدهر.
كاتبة عراقية