نقْلُ «سانا» وكالة أنباء النظام السوري، خبر احتجاجات في مدينة طرطوس الساحلية السورية، هو خبر في حد ذاته، يستحق التوقف والتحليل والتأمل؛ أولاً لأنه اعتراف استثنائي غير معتاد باحتجاجات في البلاد بما يذكّر بالإنكار المضحك للتظاهرات الأولى ضد النظام العام 2011 إلى حدّ أنه شاع حينذاك أن مذيعة ظهرت لتفسّر خروج الناس إلى الشارع في حي الميدان الدمشقي على أنه من أجل شكر الله على نعمة المطر.
«نظام فصل عنصري»؟ لا بدّ أن النظام سيضحك في سرّه وفي العلن. فيا لها من تهمة عصرية ستضاف إلى ملف ضخم من الجرائم والاتهامات!
وثانياً، لسرعة استجابة «مؤسسات» النظام لمعالجة مطالب الناس حيث جرى على الفور تلخيص المشكلة بأنها بسبب ملف النفايات في المدينة، وقد «أشار المحافظ إلى وجود عقد لنقل النفايات من محافظة طرطوس بالقطار إلى محافظة أخرى خارج مناطق السكن باعتبار أن محافظة طرطوس كثيفة سكانياً وهذا الأمر ينهي ملف النفايات في طرطوس بشكل كامل».
وثالثاً بسبب جرأة الإعلان عن نقل نفايات مدينة إلى مدينة أخرى!
هل نقول إذاً إننا أمام نظام فصل عنصري، يغمض عينيه عن تظاهرات عمّت مدن البلاد، ثم ينكر مطالبها، فيما يهرع لتلبية أقل المطالب في المدن الحاضنة!
«نظام فصل عنصري»؟ لا بدّ أن النظام سيضحك في سرّه وفي العلن. فيا لها من تهمة عصرية ستضاف إلى ملف ضخم من الجرائم والاتهامات!
بات لزاماً أن نتوقع ضجيجاً وسخطاً أردنياً إزاء أي عمل سينمائي أو تلفزيوني أردني جاد، فتلك من أعراض التلقّي الأردنية المزمنة التي لا يرضيها سوى مسلسل بدوي من تمثيل فريق أردني ثابت ومكرر، بالاستعانة ببعض الممثلين السوريين. فما الذي وجده مشاهدون أردنيون في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» (يعرض على نتفليكس) كي يثير كل هذا الاستياء ويعتبر مفسداً للأجيال ومحرضاً على ارتكاب الموبقات! التنمّر؟ ولا يوجد مدرسة في العالم، لا تحوي هذا المستوى أو ذاك من التنمّر، فهو ظاهرة كونية عابرة للأقطار والأجيال والعقائد. الكلام الخادش للحياء بين بنات مدارس يقعن بين متنمرات أو متنمر عليهن؟ بماذا يكون التنمّر إذاً إذا لم يكن بكلام «خادش» وما مرّ في المسلسل سوى القليل جداً، على الأقل بالمقارنة مع «جن» المسلسل الأردني، وقد سبق عرضه على «نتفليكس» أيضاً ونال سخطاً واسعاً. جريمة الشرف؟ وقلّما تمرّ سنة من دون أن تسمع عن بضع أو بضع عشرة من تلك الجرائم المروعة المدوّخة.
بات لزاماً أن نتوقع ضجيجاً وسخطاً أردنياً إزاء أي عمل سينمائي أو تلفزيوني أردني جاد، فتلك من أعراض التلقّي الأردنية المزمنة التي لا يرضيها سوى مسلسل بدوي.
مشكلة «مدرسة الروابي» في مكان آخر، لا تكمن في واقعية الأحداث بل في الحبكة والمعالجة. إنه يبدأ من التنمّر ويتنهي بـ «جريمة شرف» وما بينهما تتحول المعالجة إلى ما يشبه «مقالب غوّار». يصبح المسلسل أقرب إلى مطاردات «ولّادية» ، إلى جانب استسهال الحلول ومعالجة ردود أفعال الشخصيات، لا تفهم مثلاً كيف أن الشرّ، وهو هنا يتمثل بثلاث فتيات لم يتجاوزن السابعة عشرة يتحكمن ببساطة بالجميع، مديرة المدرسة، والمعلمة، وعاملة التنظيف التي تستجيب للشر أمام أول تهديد للقمة عيشها، كأنما هو شرّ«كلّي القدرة» مع العلم أنه ينهار (الشرّ) ويا للكوميديا، عند أول رجل يحاول التحرش بزميلة كانت للتو عدواً بغيضاً! كوميديا لأنه يذكر بتلك الدرامات التي توحّد الخصوم بشكل آلي أمام الاستعمار في الأعمال الأدبية والفنية الوطنية، وهنا يبدو الرجل كاستعمار بغيض قادر وحده على توحيد المتنمّرات والمتنمّر عليهن!
يبقى المسلسل على السطح، لا يبني خلفية اجتماعية يفترض أنها الأساس الأعمق لكل المشاكل المدرسية، ولعلها فرصة أيضاً لرؤية المدينة والناس من خلال هذه النافذة الدرامية: المدرسة. هذا ما تأمله الدراما في الغالب، عندما تقترح مكاناً لسير الأحداث، سجناً كان أم معملاً أو مدرسة.
أما لماذا يرى المرء في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» عملاً درامياً جاداً، فلأنه ليس مسلسلاً بدوياً.
من بين الفيديوهات الآتية من كابول أخيراً يستحيل أن تنسى مشاهد مئات الأفغان وهم «يتعربشون» على أطراف طائرة نقل عسكرية أمريكية ضخمة في محاولة لركوبها قبيل الإقلاع. فيديوهات عديدة وصور بثت، لتتبعها صورة مأساوية، كأنما نهاية للفيلم الأمريكي الطويل، لاثنين أو ثلاثة يسقطون من طائرة في الهواء بعد تحليقها.
هذه هي التراجيديا الأفغانية المستمرة منذ عقود؛ بين بطش محليّ هو ضد كل شكل حديث من أشكال الدولة، واحتلال وإفساد وتخلٍّ دولي (أمريكي خصوصاً) عن الحالمين بحياة أفضل.
لن يعرف أحد الأسباب «الشخصية» الدقيقة لهرب المئات، وربما الآلاف، أمام تسلّم طالبان للمدن الأفغانية، لكن نعرف جميعاً أن الحكم المقبل لن يكون عادلاً ولا آمناً بالنسبة لمواطن يحلم بحقوق مصانة وقضاء ومواطنة، ما يدفع الناس لتعريض أنفسهم لخطر الموت تحت عجلات «الحلم الأمريكي».
هذه هي التراجيديا الأفغانية المستمرة منذ عقود؛ بين بطش محليّ هو ضد كل شكل حديث من أشكال الدولة، واحتلال وإفساد وتخلٍّ دولي (أمريكي خصوصاً) عن الحالمين بحياة أفضل.
كاتب فلسطيني سوري