القاهرة ـ «القدس العربي»: حتى وهم يخوضون حرباً ضد الصقيع ..جميلون أهل غزة والثلوج تحيط بهم من كل جانب وأطفالهم يبدون كأوسمة سماوية تسلل بها ملك مكلف بغرسها على صدور الأمهات وفوق أكتافهن في الخيام التي بنوها على رفات أشرف معركة شهدها الوجود في السنوات الأخيرة..
الرضع على ظهور أمهات القطاع كأنهم أزهار برية، سقطت من الجنة لتمنح أهل الأرض ما شاؤوا من هواء معطر.. أطفال القطاع بأياديهم التي اعتادت ببهاء أن تقذف الحجارة في وجه جنود الاحتلال وبحناجرهم البارعة في الهتاف ضد الخونة المنتشرين على الخريطة العربية، وبوجوههم التي لو استيقظ بيكاسو من قبره ما نجح في معالجة الأمل الجاثم عليها.. يضاهون نوراً سماوياً.. بملابسهم القديمة والتراب العالق على جباههم الصغيرة، يصلحون لأن يشكلوا خلفية تطل عليها شرفة أي حاكم عربي يلقي عليهم بنظرة ضجرة، ثم لا يلبث أن يعود لملذاته ونسائه وسلطة الفواكه التي يراهن عليها كثيراً في تعطيل تأثير آلة الزمن على وجهه، اسمها للمفارقة «هدى» لكنها ويا للأسف لم تهد قلب أى مسؤول عربي لان يتذكر الفلسطينيين المعذبين في القطاع، أو المنفيين في معسكر اليرموك، حتى وهو يعقد ربطة عنقه كي يرسل بطانية أو معطفاً للملائكة المتعبين، فيا للعار ياهدى أنت بلا قلب تشبهين ديكتاتورا عربيا لا يجيد سوى مشاهدة أفلام الرعب وسباق الخيل.. «الشتاء جنة المؤمن.. نهاره قصير فيصومه وليله طويل فيقومه..» هكذا كان يردد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، لكن العاصفة هدى التي اختار لها مراقبون جويون من الأردن ولبنان وفلسطين هذا الاسم، استبشاراً بأن تكون بشارة خير لشعوب العالم العربي، خيبت ظن سكان القطاع كما خيبها الحكام العرب الذين عقدوا مؤتمراً منذ شهور لإعمار غزة، ثم اتضح في ما بعد أن الأمر لا يخرج عن كونه فيلما «هنديا» فشل منتجه في ترويجه. كما أن هدى لم تهد قلوب صناع القرار في العالمين العربي والإسلامي كي يقنعوا الشقيقة الكبرى بأن تتعطف وتفتح معبر رفح المغلق على رؤوس المرضى والطلاب والمسافرين، علها تكون لهم شفاعة في يوم الحشر الأعظم..
وفيما لا يرى أزهار غزة في الشتاء سوى زائر بلا قلب لا يقل في قسوته بأي حال عن أصحاب الدم البارد، الذين يشاركونهم الهواء نفسه واللغة والدين في المنطقة العربية، وإن كانوا لا يقتسمون معهم الضمير ذاته، لم تتعامل كثير من صحف الأيام الماضية مع هؤلاء الذين يخوضون الآن بشجاعة حرباً تاريخـــية ضد الثـــلوج واليأس، إلا من خلال تقارير متنــــوعة تــــزدان بها الصفــحات الأخيرة وصفحات المنوعات فيا للعار.. الناس تموت في غزة ودمشق وبغداد، والفلسطينيون موزعون بين الأمم يحصلون على نصيب عادل من الخوف والبرد والصقيع، بينما الامر بالنسبة للمشرفين على تلك الصحف لا يخرج عن كونه فرصة لا تتكرر في الانفراد بصورة لطفلة تموت برداً أو مسن يقاوم الصقيع بطرف ثوبه، فيما ذهبت مختلف الصحف قدماً نحو الثناء على الرئيس بسبب خطوته التاريخية في الذهاب للكاتدرائية لتهنئة الأقباط بعيد الميلاد وحفلت ايضاً بالعديد من المعارك وإلى التفاصيل:
خلفان يهين مصر ولا أحد يتحرك
مصر، هي البلد الأكثر عرضة لمنصات ضاحي خلفان المنفلتة والمهينة.. حتى تلك التي تبدو مديحًا في نظامها السياسي الحالي، لأنها تصدر منه وكأنما يحشر أنفه في شؤون مصر الداخلية، كما يقول محمود سلطان في «المصريون»: «فعندما يشتم خلفان الرئيس المعزول محمد مرسي، فهي في فحواها الحقيقي، «قلة ذوق» موجهة إلى مصر الدولة والشعب، وليس إلى مرسي بشخصه. فمرسي اختاره أكثر من 13 مليون مصري رئيسًا للبلاد.. وبمعنى آخر، فإن خلفان ـ هنا ـ يشتم شعبًا يعادل عدد سكان الإمارات آلاف المرات.. ويشتم اختياره وإرادته.. وتظل هذه هي الحقيقة الباقية حتى بعد عزل مرسي، إثر انتفاضة شعبية كبيرة ضد نظامه في 30 يونيو/حزيران 2013. لا يحق لهذا «الخلفان» أن يحشر أنفه في خلافات مصر الداخلية: تختار مصر مرسي أو تسقطه.. تختار السيسي ثم تثور عليه.. فهذا شأن مصري محض.. ولا يجوز لهذا الرجل، كما يقول الكاتب أن يعلم المصريين ما يتعين عليهم أن يفعلوه وما لا يتعين عليهم فعله. صراعات السلطة الحالية مع مرسي والإخوان، لا ينبغي أن تجعلهم يتغاضون عن إهانة الإمارات لمصر في صورة رئيسها الأسبق.. فهو ـ في النهاية ـ كان رئيسًا لمصر، وكان منتخبًا انتخابًا حرًا ونزيهًا، بخلاف من تعاقبوا على الحكم قبله، الذين جاءوا بالاستفتاء أو بالانتخابات الشكلية. أنا ـ هنا ـ لست بصدد الدفاع عن الرئيس المعزول، وإنما أدافع عن مصر الدولة والشعب.. فالرؤساء يأتون ويذهبون.. ومصر موجودة قبلهم وستبقى بعدهم.. وهي الأهم.. وما يحدث من الإمارات من خلال «الواجهة» ضاحي خلفان، هي «قلة ذوق» غير مقبولة.. حتى لو اختلفنا مع مرسي واستبعدناه عن الحكم. خلفان تجاوز حدوده بشكل فظ وفج.. ونصب نفسه متحدثًا باسم مصر والرئاسة..».
الهجوم على الإخوان الآن ليس
فروسية يا فضيلة الإمام الأكبر
في المؤتمر الصحافي الذي عقده شيخ الأزهر قبل أيام، ركز كلامه في الهجوم على الإخوان المسلمين، وجزء كبير من المؤتمر «ضاع» في هذا الموضوع! ومن هنا يتساءل محمد عبد القدوس.. أين أخلاق الإسلام يا شيخنا الجليل؟ هل يجوز أن تهاجم أناسا لا يستطيعون الرد عليك لأنهم وراء الشمس؟ ولماذا لم تذكر التعاون الإيجابي الذي كان قائما بينك وبينهم، مثلما حدث في إعداد دستور سنة 2012 الذي ألغته السلطة الغاشمة، وغير ذلك من المواقف وركزت فقط على السلبيات؟ ويضيف عبد القدوس في «الحرية والعدالة»: «هذا اللقاء الصحافي جاء في توقيت مريب قبيل احتفال الدولة بالمولد النبوي الشريف، الذي حضره السيسي قائد الانقلاب، وكأنما أراد شيخ الأزهر أن يؤكد ولاءه لهذا النظام، وأنه على طريق السمع والطاعة! وهل هناك أفضل من الهجوم على الإخوان لنيل رضا حكم العسكر؟ وكان من الطبيعي أن يخلو المؤتمر الصحافي من الإجابة على الأسئلة التي تشغل الرأي العام في مصر مثل، موقف شيخ الأزهر من الأساتذة والطلاب المعتقلين، وعلاقته المتوترة مع وزيري الأوقاف والثقافة، وأسباب زيارة رئيس الوزراء له والمشاكل التي تواجهه حاليا! لكنه تهرب من كل ذلك وهرب إلى الماضي وفضل الحديث عن مشاكله مع الإخوان لاسترضاء السلطة الحاكمة! ويتحمل الصحافيون الذين كانوا موجودين جزءًا كبيرًا من فشل اللقاء الصحافي، كما يشير الكاتب، حيث أنهم سايروا الشيخ في كلامه، ولم يطرحوا عليه أسئلة رجل الشارع، ولا عجب في ذلك فهؤلاء – إلا ما رحم ربي- من أنصار الانقلاب، ومشيخة الأزهر اختارت بعناية من يحاورهم الشيخ، وممنوع وجود أي معارض».
«حبيبك يبلع لك الزلط»
لا يصلح عند الشروع في بناء دولة
لا أرى خطراً على الرئيس عبدالفتاح السيسي، أكثر ممن يحبونه بجهالة، فهم أكثر ضرراً عليه من كارهيه على قلة عددهم، ومنتقديه على سطحية مآخذهم، بهذه البساطة يعبر رجب جلال في «المصري اليوم» عن مشاعره تجاه الرئيس مؤكداً: «لا شك أن الرئيس لديه مشروع كبير لإعادة وضع مصر في خانة «الدولة»، ورد الاعتبار إليها بعد حادث الاغتصاب الجماعي في 25 يناير/كانون الثاني، وهو في هذه المرحلة الصعبة لا يحتاج إلى التصفيق العشوائي من دون إدراك، كما كان يحدث مع خطابات الزعماء الملهمين، ولا يفيده إظهار الحب المفرط من دون إخلاص لهذا الحب وأداء واجباته، حتى لا يتحول محبوه إلى قطط تأكله، أو دببة تقتله، فليس الحب أن تتغزل في حبيبك بكرة وعشية تصوراً أن هذا يرضيه، وإنما قمة الحب أن تلفت نظر من تحبه إلى أي تصرف أو قرار أو كلمة لم يكن يجب أن تصدر عنه أو منه، أما منطق «حبيبك يبلع لك الزلط» فلا يصلح عند الشروع في بناء دولة. لا يحتاج الرئيس إلى شعراء العرب الذين يمدحون الملوك والحكام بما فيهم حيناً، وبما ليس فيهم أغلب الأحيان، أملاً في الهبات والعطايا، أو الدوران في فلك النظام، أو القرب من دائرة الحاكم، لكنه في حاجة أكثر إلى من يشير إلى أخطاء البناء حتى يخرج الحائط قوياً يتحمل ضربات الداخل والخارج على كثرتها وقذارتها، لا يحتاج إلى كل هذا النفاق الفج، والتملق الرخيص الذي يظهر على ألسنة المذيعين الزعماء، والصحافيين المناضلين، والسياسيين الذين عملوا ويعملون مع كل الأنظمة، وإنما يحتاج إلى أن نفعل معه ما طلبه الخليفة أبوبكر الصديق «فإن أحســـنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني».
الرئيس أعاد الاعتبار للأقباط
ونبقى مع الغزل العفيف للرئيس وهذه المرة على لسان جميلة «المصري اليوم» سحر جعارة: «الرئيس يرد لأقباط مصر اعتبارهم.. مواطنين من الدرجة الأولى متساوين في الحقوق والواجبات مع المسلمين، وليسوا «أقلية» مغضوبا عليها من تيار الإسلام السياسي، الذي يطالبهم بدفع الجزية ويمنعهم من تولى المناصب القيادية العليا.. بينما تكتفي أي قيادة سياسية بأن تراضيهم ببضعة مقاعد بالتعيين في مجلس الشعب. هذه هي قيمة مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في قداس عيد الميلاد، والذهاب بنفسه إلى الكاتدرائية لتقديم التهنئة إلى البابا تواضروس والأقباط المصريين. إنه رئيس لكل المصريين، وتتابع سحر ثنائها للرئيس: رجل لا ينوب عنه رئيس الديوان، لأن الصدق الذي في صوته والحب الذي تنطق به نظرته لا ينتقل عبر وسيط مهما علا شأنه. لم ينتهك الرئيس مراسم القداس، فقد دخل من مكان يسمى «الخورز» ويقع أمام الهياكل ويستطيع أي شخص العبور من خلاله للداخل. عبر الرئيس بعفوية المحب في كلمة قصيرة: «إحنا المصريين نسطر للعالم معنى الوطنية ونمنح طاقة أمل ونور حقيقية للعالم، ونحن قادرون على إطلاق الحضارة من مصر، ونحن موجودون النهارده من أجل أن نقول إننا نعلم الإنسانية والحضارة». لا أغالي إن قلت إن هذه الكلمات هزت العالم، وربما طغت على الاستقبال المهيب للرئيس المصري في الكويت الشقيقة. كانت صور استشهاد النقيب ضياء فتحي شهيد انفجار الطالبية تبث مباشرة، وبعدها صور الهجوم الإرهابي على مجلة «شارلى إيبدو» الفرنسية.. ليتأكد لنا أن الإرهاب لا دين ولا وطن له وأن المعركة لم تنته. ثم ترن في أذنى كلمات الرئيس في الكاتدرائية: «سنبنى البلد مع بعض وهنحب بعض بجد»، وهذا الشعب تبادل الحب.. حين تزامن مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وذكرى ميلاد المسيح».
تجديد الخطاب الديني ليس
معناه الاعتداء على الثوابت
الخطاب الإسلامي الصحيح له مقوماته السامية وآثاره العميقة في النفوس ومكانته الراسخة في القلوب ومنزلته التي تهز المشاعر وتحرك العواطف نحو الخير متى كان مستمدًّا من القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا اتصف بالجمود فإنه يصبح خطابًا باليًا لا فائدة مرجوة منه، مما يتطلب صقله وإعادة صياغته في إطار يتناسب مع الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، مثله مثل الفتوى تمامًا.. والذي يعنيه مفتي الديار المصرية الشيخ شوقي علام في «الاهرام» بتجديد الخطاب الديني ليس المقصود منه العدوان على مبادئ وقيم هي من صلب العقيدة الإسلامية الثابتة أو ثوابت الدين، إنما نتحدث عن الأدوات والآليات التي تعمل بشكل منضبط ووفق ضوابط معينة لكي نستطيع من خلالها الوصول إلى خطاب ديني رشيد.
لذلك نرى أن التجديد الذي نذهب إليه ونقصده هنا هو ذلك التجديد الذي جاء انطلاقًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»؛ فقد ذهب العلماء إلى أن المقصود بالتجديد هنا هو تعليم الناس دينهم وتعليمهم السنن ونفي الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلال تمييز الصحيح من الضعيف من أحاديثه، والقضاء على البدع وإحياء السنن، وعليه فالمقصود بالتجديد في الخطاب الديني هو تجديد الفهم الديني، ذلك الفهم الذي أنتجه العقل الإنساني على مدار عقود من الزمان، من خلال قراءته وفهمه وتأويله وتفسيره للنصوص الدينية، وليس المقصود منه النيل من الثوابت أو تجديد هذه النصوص بالحذف أو الإضافة أو التغيير أو ما شابه ذلك.
وقبل الشروع في بيان التجديد وأهميته وما يعود منه على الأمة الإسلامية بل على العالم كله لا بد من التوقف عند نقطة مهمة، وهي بيان الفرق بين الإصلاح والتجديد، فالإصلاح يفترض نقصًا ما في الواقع، وقد يصل هذا النقص إلى درجة الخلل، وهذا يستلزم شيئًا من الهدم وإعادة البناء، ولذلك فإن الإصلاح يقتضي أيضًا عدم التسليم بالموروث واعتبار أن خطأً ما قد وقع عند السابقين فهمًا أو تطبيقًا أو هما معًا، وهذا هو المبرر والمسوغ لعملية الهدم والشروع في بناء جديد ينهي النقص القائم، لذا فهذا الأمر بعيد عن المقصد المرجو في الخطاب الديني. لكن تجديد الخطاب الديني الذي نقصد يتمثل في عملية إضافة جديدة لا تهدم القديم وتبطله، بل تُضيف الجديد الذي يحتاجه العصر».
الإرهابيون شوهوا صورة الإسلام
تتابعت علينا أحداث جد مؤسفة، من حادث سيدني بأستراليا، إلى حادث مدرسة أبناء الجنود العسكريين في باكستان، إلى الهجوم الإرهابي الداعشي على مقر المجلة الفرنسية، إلى ذبح «داعش» لأحد قادتها المدخنين، إلى الاعتداء المتكرر على أبناء الجيش والشرطة الساهرين على أمن الوطن واستقراره المدافعين عن الدين والوطن والأرض والعرض وحمى الأمة كلها، ممن وقعوا ضحايا الفكر الظلامي أيا كان مصدره ودين من يقوم به، وهو ما يأسف له وزير الأوقاف محمد مختار جمعة في «الاخبار»: «مع إننا أكدنا مرارًا أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له، وأن محاولة ربط الإرهاب بالإسلام هي محاولة ظالمة وجائرة وغير منصفة على الإطلاق، فإننا إنما نؤكد على موقف الإسلام الثابت الرافض لكل ألوان الإرهاب وسفك الدماء، ونحاول أن نلقي الضوء على بعض الحلول التي يمكن أن تسهم في القضاء على الإرهاب الغاشم أو محاصرته والتضييق عليه مرحليا على أقل تقدير ويؤكد مختار، أن الإسلام كان صريحا وواضحا في التأكيد على حرمة الدماء، فقال الحق سبحانه: «أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « (المائدة: 32)، وقال سبحانه: « وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَي مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّي سَعَي فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ» (البقرة: 204-205)، وما شدد الإسلام على شيء مثل تشديده على حرمة الدماء، فلايزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما».
أحمد منصور لا يوحى إليه من السماء
ونتوجه لمعارك الإسلاميين التي اشعلها المذيع أحمد منصور الذي دعا لضرورة أن يراجع الإخوان أنفسهم في الكثير من القضايا. ويتولى الرد عليه صادق أمين في «إخوان أون لاين»: «وكأن اجتهاده دين مقدس لا يجوز نقده، كما فعل الإعلامي اللامع الأستاذ أحمد منصور، حين كتب «إلى العقلاء وذوي الرأي والبصيرة من الإخوان المسلمين» ومع ما في عنوان المقال من إشارة غير منصفة – في رأيي- فإنه رأى أن من ينقاد لرأيه واجتهاده بلا مراجعة هم «ذوو الرأي والبصيرة والعقل والمروءة والرشاد من الإخوان المسلمين»، ومن لن يعجبهم كلامه فهم «ممن تربوا على المفاهيم العاطفية الضيقة والخاطئة داخل صفوف الإخوان»، فهل هناك معنى للاستبداد بالرأي والإعجاب بالنفس أوضح من هذا؟ وهل يُقبَل من صاحب هذا التصنيف المستبد الذي يصادر على المخالف لرأيه أن يصف من ينتقدهم من قيادة الإخوان المسلمين بالاستبداد؟ أترك الإجابة للقارئ البصير. ويتابع الكاتب إذا كانت التربية في الإخوان يا أستاذ أحمد تتم للبعض «على المفاهيم العاطفية الضيقة والخاطئة»، فأين تتم التربية لتكوين «ذوي الرأي والبصيرة والعقل والمروءة والرشاد»؟ وهل لدى الإخوان نوعان متباينان من المناهج، يتم تخصيص فئة لكل منهج؟ أترك الإجابة للقارئ البصير. التغيير والتطوير ضرورة حياتية: لا يختلف عاقلان في ضرورة التطوير والتغيير إلى الأحسن لمن يريد أن يتقدم في هذا الكون الذي لا يكف عن التطور، ويكون ذلك في الأهداف والرؤى، كما يكون في الوسائل والآليات، وليس هذا التغيير بالضرورة نتيجة لقصور الأهداف القائمة أو فشل الوسائل والآليات المستخدمة، بل هو في الأصل استجابة طبيعية لمستجدات الحياة، واتساق طبيعي مع حالة الإبداع الإنساني التي لا تتوقف، وهذا ما حرص عليه الإخوان المسلمون، فأصابوا في بعض جوانبه، ولم يوفقوا في بعضها كما يقول الكاتب».
أين ذهبت المصالحة بين قطر ومصر؟
إلى أين وصلت المصالحة بين مصر وقطر؟ وإلى أين توصلت العلاقات بعد مبادرة الملك عبدالله خادم الحرمين لإزالة الخلاف والجفوة التي استمرت لسنوات بين البلدين لأسباب معروفة؟ وما الخطوات التي قامت بها الدوحة لتحسين الوضع؟ أسئلة تؤرق محمد وجدي قنديل في «الاخبار»: «لقد جاءت دعوة الملك عبدالله في مؤتمر الرياض ـ بحضور الشيخ تميم بن حمد أمير قطر ـ بمثابة مبادرة منه لرأب الصدع العربي هذه الدعوة الصادقة من جانب عاهل السعودية. واشاد الكاتب بمناشدة السيسي المفكرين والإعلاميين التجاوب مع المبادرة ودعمها من أجل المضي قدماً في تعزيز العلاقات المصرية ـ القطرية بوجه خاص والعلاقات العربية بوجه عام.
ومن جانبها رحبت قطر بمبادرة الملك عبدالله وأكدت استجابتها، وأكدت وقوفها التام إلى جانب مصر كما كانت دائماً، مؤكدة أن أمن مصر من أمن قطر التي تربطها بها أعمق الأواصر. تابع وجدي: وقد اتخذت قطر خطوات من شأنها إزالة الخلافات بين البلدين وأوقفت بث قناة «الجزيرة ـ مصر».. كما صدرت أوامر صارمة لقيادات قناة الجزيرة لوقف الحملات الإعلامية التي تشنها على مصر، واستبعاد بعض الوجوه التي تقوم بالهجوم على النظام المصري طلبت من قيادات الإخوان التي تقيم في الدوحة المغادرة حتى يتوقف نشاط الجماعة ضد مصر. وثمة مصادر قطرية تعترف بأن مطالب مصر من الدوحة واضحة ومعروفة لتحقيق المصالحة وتحسين العلاقات، وقد حدث ذلك بعد تولي الشيخ تميم الحكم».
لا يليق بالأزهر التراجع أمام هجوم الإعلام
حسنا فعل الإمام الأكبر شيخ الأزهر حين أمر بسحب كتب السلفيين والإخوان من جامعة الأزهر بناء على التحقيق الجريء الذي نشرته الصحافية اللامعة إيمان الوراقي في «اليوم السابع» بتاريخ 2 يناير/كانون الثاني وفضحت فيه الفكر المتطرف الذي يتسلل إلى عقول الطلاب عن طريق كتب ومناهج يروج لها ويقوم بتدريسها أساتذة ينتمون إلى هذا الفكر البائس، الذي يتعارض مع سماحة الإسلام الحنيف ومع وسطية الأزهر، ولكن ناصر عراق في «اليوم السابع» يبحث عن مزيد من التنازلات.. حسنا فعل الإمام الأكبر، ولكن السؤال: هل هذا يكفي؟ ماذا لو تولى مشيخة الأزهر رجل آخر وفتح الباب لعودة المناهج المشبوهة وكتب سيد قطب ومحمد بن عبد الوهاب وابن عثيمين وهم أئمة التطرف والتخلف والعنف؟ يجيب عراق: «إن سحب عدة كتب لن يقضي على الأفكار الكارهة للبشر، وحذف الألفاظ القديمة من مناهج الأزهر لن يوقف نمو الآراء العنيفة المتشددة، لأن جوهر المشكلة يتمثل في تعدد أنظمة التعليم في مصر، فلا يصح أن يكون لدينا نظام مدني تضع مناهجه الحكومة، وآخر ديني في عهدة رجال الدين وهم في الآخر بشر، منهم من ينحاز إلى اللين والمجادلة بالتي هي أحسن، ومنهم من يرفع في وجه مخالفيه سلاح التكفير والإبادة، فلتتخذ الدولة خطوات واضحة محددة لتوحيد النظام لتعليمي. ويتابع الكاتب اسئلته: ألم تسأل الدولة نفسها: لماذا يزدهر العنف بين طلاب الأزهر؟ ألم تنتبه الدولة إلى أن ثعبان التشدد الفكري زحف إلى مناهج الأزهر منذ عقود فأفسدها حتى غدونا نرى طلابا يدمرون ويخربون ويقتلون ويظنون أنفسهم يدافعون عن الإسلام ويحمون حماه؟ لا مستقبل مزدهرا في مصر من دون الشروع في إطلاق ثورة في التعليم.. ثورة تقتلع الأفكار التي تخاصم العصر من جذورها، لتبني مجتمعا أكثر حرية وعدلا وجمالا».
هؤلاء لطخوا سمعة المسلمين
هتف أحد القاتلين: «الآن أخذنا بثأر النبي عليه الصلاة والسلام». وقامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذه الجريمة التي تجمع 3 عناصر متداخلة في آنٍ، وهي عنصر الاعتداء على حرية التعبير، وعنصر التطرّف الديني الذي تخشاه أوروبا، وعنصر كون المشتبه بهما من ضمن عناصر المهاجرين المغاربة «من الجزائر»، الذين يمثلون أكثر من 5.5 مليون مواطن متجنس أو مقيم في فرنسا التي يبلغ تعدادها 65 مليوناً. ويؤكد عماد الدين أديب في «الوطن»: «انه سبق لهذه المجلة أن نشرت رسوماً ساخرة حول المسلمين، وشخص سيد الخلق، عليه أفضل الصلاة والسلام، مما استفز بعض الجماعات المسلمة في باريس، إلى حرق مبناها القديم كاملاً في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2011.
إن أخطر ما في هذا الحادث هو الإضرار أولاً بأوضاع المسلمين في فرنسا، وإثارة حالة الخوف والتربُّص في دول أوروبا تجاه الجاليات العربية والإسلامية المقيمة بها. ويأتى هذا الحادث في ظل عدة أحداث متطورة في آنٍ كما يرى أديب: القلق الأوروبي المتزايد من حالات التحاق حاملي الجنسية الأوروبية بجيش «داعش وجبهة النصرة» في العراق وسوريا. والصعود القوي للأحزاب اليمينية الأوروبية ذات الموقف المعادي للغاية، لوجود مهاجرين ومقيمين عرب ومسلمين في أوروبا، والبدء في الدعوة إلى التطهير الأوروبي من تلك العناصر. فضلاً عن زيادة المشاعر العدائية ضد الإسلام كدين، وليس فقط ضد بعض المسلمين، وقد ظهر ذلك واضحاً في حركات العداء للإسلام في ألمانيا، مما دعا المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى التدخّل شخصياً من أجل نزع فتيل هذه القنبلة العنصرية».
لا يمكن إهداء الأزهار لمن يحملون السكاكين
تفضلت حركة 6 أبريل مشكورة، وأرسلت إلى مسعد أبو فجر الناشط السيناوي رسالة تتضمن مبادرة موجهة لعموم الشعب المصري، ومما قاله أبو فجر في «التحرير»: «من الواضح أن عصب المبادرة يقوم على فكرة التعايش، وهي فكرة وجيهة. لكنني أخاف من الخلط بين التعايش والتصالح. التصالح يقوم على المواءمات السياسية. أما التعايش فهو يقوم على فكرة الاعتراف بالمواطنة. التصالح قد يتم بين طرفين، أحدهما قوي والثاني ضعيف. التعايش يتم بين مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات. التصالح قد تنتجه الرغبة في السكون/الهدوء. التعايش تنتجه الرغبة في الاستقرار. والفارق بين الهدوء والاستقرار، بعيد بعد السماء عن الأرض. فأنت قد تحتاج إلى الهدوء لكي تنام مثلا، لكنك تحتاج إلى الاستقرار لكي تعمل وتنطلق وتتقدم وتتصارع في بيئة، خطوط الصراع فيها واضحة وجلية ومفهومة كما يقول الكاتب: التصالح مفهوم قريب من مفاهيم قعدات العرب في مضاربهم. الاستقرار صنعته الشعوب الحديثة في مصانعها.. قد تتصالح، حتى مع من يلوّح في وجهك بالسكاكين، إن تنازلت عن حقوقك كمواطن حُر. لكنك لن تحس بالتعايش، ومن ثم الاستقرار إلا في وطن يضمن حقوقك السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولا يعتقد أبو فجر أن حركة 6 أبريل، وهي الحركة المعروفة بتاريخها النضالي، تدعوه إلى التصالح مع من يلوّح في وجهي بالسكاكين. من هنا أظن أنها أخطأت في توجيه رسالتها إليّ. فحركة 6 أبريل تعرف أن سيناء التي كان لي شرف المشاركة في رفع اسمها عاليا سنة 2007 واستمر مرفوعا حتى قعود مرسي على الكرسي، حين ضربها الإرهاب، كما يضرب الوباء الماشية. سيناء اليوم لا أستطيع دخولها، إلا وأنا خائف أترقب.. خائف من سكين تلوّح بها يد مجنونة أو طلقة تخرج من فوهة بندقية مذعورة.. من يلوّح في وجهي بالسكاكين، ليس لديّ من أدوات لمواجهته سوى سكين مثل سكاكينه».
لو خرج عمر من قبره
ماذا سيقول للحكام العرب؟
يروى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه خرج ذات يوم فقال: «الوليد في الشام، والحجاج في العراق، ومحمد بن يوسف في اليمن، وعثمان بن حيان في الحجاز، وقرة بن شريك في مصر، ويزيد بن أبي مسلم في المغرب، امتلأت الأرض والله جوراً…!» والسؤال الذي يلح على ذهن السعيد الخميسي في «الشعب» هو: «ماذا لو خرج عمر بن عبد العزيز من قبره اليوم ليرى الأمة العربية والإسلامية مكبلة بالأغلال ومقيدة بالسلاسل لا تملك سلاحها ولا غذاءها ولا دواءها. أمة مستبعدة ومستذلة ومستضعفة، لا من قلة في عددها، ولا من فقر في مواردها، ولا من نقص في الأموال والأنفس والثمرات، ولا من شح في الخيرات، وإنما نحن اليوم كثرة ولكن كغثاء السيل.. نزع الله مهابتنا من قلوب أعدائنا. فصارت أمتنا تقف في طابور المعونات تتسول كل شيء من الإبرة إلى الصاروخ كالأعمى والأصم والأبكم الذي لا يقدر على شيء.. أي شيء سوى بسط اليدين في النواصي والطرقات تسأل أراذل الأمم أعطوها أو منعوها. هل بالله عليكم نحن اليوم نستحق بتلك المواصفات أن نكون خير أمة أخرجت للناس..؟ نحن اليوم في مرحلة الغثائية التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة..!؟ يتابع السعيد: إن مصيبتنا اليوم ليست في ظلم الأشرار أو بغي الفجار لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، وإنما مصيبتنا في صمت الذين كنا نعدهم يوما من العلماء الأخيار، فإذا بهم يصمتون صمت القبور ومحارم الله تنتهك، والمساجد تقتحم وتداس بالأقدام النجسة الباغية، وأعراض نساء وبنات المسلمين تنتهك جهارا نهارا والعلماء يقتلون والدعاة يسجنون ويعتقلون. ومشايخ السلطان أصحاب اللحى الطويلة الذين صدعونا من دخول الشيعة إلى أرض مصر في عهد الرئيس مرسي اختفوا من المشهد تماما».
حسام عبد البصير