أوروبا في مواجهة تحديات سقوط كابول

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-»القدس العربي»: رسمت سرعة سقوط أفغانستان وعاصمتها كابول في أيدي طالبان ملامح من الكوابيس والمخاوف لدى الدول الــ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر المنسق العام لسياسته الخارجية جوزيب بوريل أن سيطرة طالبان على السلطة في كابول تمثل «أهمّ حدث جيوسياسي» بالنسبة للأوربيين منذ أزمة القرم مع روسيا قبل نحو سبعة أعوام.

مع سعي آلاف الأفغان المذعورين للمغادرة خوفا من العودة إلى الواقع الذي كانت الحركة تفرضه خلال فترة حكمها للبلاد التي انتهت قبل 20 عاما، فرضت مسألة الهجرة نفسها كأولوية على جدول أعمال الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي تواجه حالة من التعارض فيما بين هدفين مختلفين تماماً: أولهما إنسانيٌ- أخلاقيٌ، يتعلق بتوفير اللّجوء لأشد فئات السّكان ضعفاً. أما الثاني فهو سياسي بامتياز، ويتعلق بتجنب تَكرار سيناريو العام 2015 حين تسببت الحرب السورية في تدفق هائل للمهاجرين إلى دول الاتحاد الأوروبي، قادت لاحقاً إلى أزمة سياسية كبيرة في أوروبا، وصعود اليمين المتطرف في بعض البلدان.
مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي ايلفا جوهانسون، دعت إلى استقبال الأفغان المعرّضين لـ»تهديد وشيك» بمن فيهم الصحافيون الأفغان الذين عملوا من أجل «احترام الحقوق الأساسية» وشددت أيضا على أنه «من الضروري أيضا مراعاة البعد الجنساني بغية مساعدة النساء والفتيات» وذلك في ختام قمة طارئة عبر الفيديو لوزراء الداخلية الأوروبيين خُصصت لبحث التطورات في أفغانستان. واعتبرت المسؤولة الأوروبية أن الأمر يتعلق باحترام «النهج الكامل والمتوازن» للميثاق الأوروبي الجديد حول الهجرة واللجوء الذي قدمته المفوضية مؤخراً من أجل إصلاح النظام الحالي.
وفي ألمانيا، بدت المستشارة انغيلا ميركل أكثر حذراً، بعد أن أثار قرارها بفتح المجال في عام 2015 لدخول أكثر من مليون طالب لجوء قادمين خاصة من سوريا، جدلاً واسعاً، وساهم في تنامي اليمين المتطرف في البلاد. هذه المرة، أبدت «ماما ميركل» كما وصفها طالبو لجوء قبل ستة أعوام، انفتاحها على «استقبال منظم» للاجئين الأفغان الأكثر عرضة لمخاطر نظام طالبان» مشددة على ضرورة أن ينصبّ التركيزُ في مرحلة أولى على إيجاد حلول إقليمية بغية استقبال هؤلاء اللاجئين الأفغان في الدول المجاورة لبلدهم. وأكدت المستشارة الألمانية أن التباين في المواقف وغياب سياسية أوروبية موحدة للهجرة «يشكّل نقطة ضعف بالنسبة للاتحاد الأوروبي».
أما في باريس، فكان الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون أول المحذرين من موجة هجرة جديدة من أفغانستان، معلناً عن مبادرة بالتنسيق مع ألمانيا ودول أوروبية أخرى لـ»بلورة ردّ صلب ومنسق وموحد للحؤول دون موجات هجرة واسعة من أفغانستان». وهو ما فتح عليه بات الانتقادات داخل فرنسا، حيث اتهمته شخصيات يسارية بـ»إثارة اللّبس بين الهجرة غير النّظامية واللجوء». وذهبت شخصياتٌ أخرى إلى وصفت تحذير الرئيس الفرنسي من موجة هجرة أفغانية بـ»المخزية».
ورفضت النّمسا استقبال أي لاجئين جدد من أفغانستان، إذ اعتبر وزير داخليتها كارل نيهامر، في حديث لصحيفة «فيلت» الألمانية، أنّ الوضع في أفغانستان لا يدعو إلى القدوم إلى النمسا، داعياً الدول المجاورة لأفغانستان إلى ضمان الحماية في المنطقة.
كما دعت الحكومة النمساوية الاتحاد الأوروبي إلى إقامة مراكز في الدول المجاورة لأفغانستان لاحتجاز الأفغان المطرودين من أوروبا. في حين، أعلنت الحكومة اليونانية أنّها قد تُعيد المهاجرين الأفغان الذين يصلون لشواطئها إلى تركيا، باعتبارها «دولة آمنة» للمهاجرين.

كابوس الإرهاب والمهاجرين

بالإضافة إلى ذلك، يخشى الأوروبيون من أن تستغل الدول المجاورة لأفغانستان، لا سميا تركيا وإيران، ورقة المهاجرين للضغط والمساومة، كما هو حاصل حالياً بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة فيما يخص المهاجرين السوريين خاصة. في هذا الصدد، حثّ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الدول الأوروبية على تحمل المسؤولية إزاء المهاجرين القادمين من أفغانستان، مشددا على أن بلاده ليست «مخزن المهاجرين في أوروبا».
علاوة على المخاوف بشأن موجة هجرة جديدة إلى أوروبا، يخشى الأوروبيون من أن تصبح أفغانستان ملاذاً للإرهاب بعد سيطرة حركة طالبان عليها. وهذا ما حذر من مغبته الرئيسُ الفرنسي، مشددا على ضرورة ألا تصبح أفغانستان مجددا «معقلاً للإرهاب» ومنبهاً إلى أن «هناك مجموعات إرهابية في هذا البلد، ستستعى إلى استغلال انعدام الاستقرار». ولتفادي هذا السيناريو، قال منسق الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إن حركة طالبان انتصرت في الحرب، وسيكون على الأوروبيين التحدث إليها، من اجل إقامة حوار في أقرب وقتٍ لتفادي كارثة إنسانية ومنع عودة الإرهاب إلى أفغانستان.
ومع ذلك، شدد بوريل على أنّ التحدثَ إلى طالبان لا يعني بالضّرورة اعترافاً رسمياً بنظامِها. وهو اعترافٌ حدد وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان إنه مرهون بتقيّد الحركة بخمسة شروط مسبقة، بما في ذلك السماح بخروج الأفغان الذين يريدون مغادرة هذا البلد لأنهم خائفون، والحؤول دون أن تصبح أفغانستان ملاذاً للإرهاب، وتشكيل حكومة انتقالية. غير أن كاتب الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية كليمان بون أكد بعد ذلك على أن فرنسا لن «تعترف» بنظام حركة طالبان و»لن تتهاون» معه متمنيا «مواصلة المسار السياسي» الذي كان قائما.
يخشى الأوربيون، أيضاً، من أن يُلهم انتصار طالبان المجموعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، لاسيما فرنسا، التي تستعد لانتهاء عملية «برخان» العسكرية الفرنسية (تضم أكثر من 5 آلاف جندي فرنسي) لمكافحة الجهاديين في هذه المنطقة. فانتصار طالبان وسيطرتها الدراماتيكية على أفغانستان، أيقظ لدى بعض المواطنين في جمهورية مالي شبح سقوط عاصمتهم باماكو، مع الانسحاب الجزئي لفرنسا منها ويتذكر هؤلاء سيناريو عام 2013 حين اقترب الجهاديون من العاصمة باماكو، قبل أن يتدخل الجيش الفرنسي (عملية «سرفال» تحولت بعد ذلك إلى «بَرخان») ويلجم تقدمهم.
في هذا السياق، قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية في مقال لها هذا الأسبوع تحت عنوان: صدى انتصار طالبان يتردد في منطقة السّاحل» إنه إذا كان العداء يتزايد لدى الرأي العام المالي تجاه القوات الفرنسية، فإن هناك خشية من المجهول في حال مغادرة هذه القوات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية