أفغانستان وحظائر الخنازير: بين ماضٍ من الزمان وآت

حجم الخط
8

مثلما تجري، بحقّ وعن ضرورة، استعادة ماضي الطالبان الأسود والمقيت في ميادين شتى، وليس على صعيد حقوق الإنسان والحريات العامة ومكانة المرأة والطفل في المجتمع والحياة فقط؛ كذلك يتوجب إجراء استعادات مماثلة للساسة الأفغان الذين كانوا رجال الاحتلال الأمريكي من جهة أولى، وكانوا وجوه الفساد والإفساد والتقصير والصراعات التي تقتفي المصالح الشخصية والمكاسب الفردية من جهة ثانية، فضلاً عن الجهة الثالثة التي لا تقلّ خطورة: المساهمة، عن طريق هذا كله، في إبقاء الطالبان على قيد الحياة، بل وإعانة الحركة على اكتساب الأنصار وحُسْن التجنيد والحشد.
أوّل هؤلاء ليس سوى حامد كرزاي، الذي يسعى البعض اليوم (في البيت الأبيض والمخابرات المركزية والحلف الأطلسي، خصوصاً)، إلى إعادة تدويره في هيئة شخصية إجماع وطني قادرة على محاورة الطالبان وأمراء الحرب والقبائل معاً، وكذلك الانفتاح على الجوار الإقليمي والعالم بأسره. وفي هذا الخيار ما يشبه جرّ الشعب الأفغاني إلى حال المستجير من الرمضاء بالنار، أو بالأحرى الجمع بين الرمضاء والنار في حال اتفاق الطالبان مع كرزاي وبطانته.
وخلال سنواته الرئاسية، بين 2001 (بموجب تنصيب من الـ»لويا جرجا») و2014 (عبر دورتين انتخابيتين)، لم تقتصر تحالفات كرزاي على أمراء الحرب والعسكر والقبائل فقط، بل انطوت كذلك على إعادة إدخال عبد الرشيد دوستم، أحد أشرس أمراء الحرب، القائد الأعلى السابق لرئاسة أركان الجيش الأفغاني، والمسؤول عن مذبحة معتقل شيبرغان التي ذهب ضحيتها قرابة 1500 من مقاتلي الطالبان، كانوا قد استسلموا لقوّات دستم. السماح للأخير بالعودة إلى البلاد من منفاه الإرادي في تركيا استهدف خطب ودّ القبائل الأوزبكية، وأمّا تبييض صفحة أمير الحرب الآخر، محمد محقق، فقد استهدفت التقرّب من إيران ومن قبائل الهزاري الشيعية، مقابل دعم كرزاي في المناطق الشمالية.
ولعلّ كثيرين في أفغانستان لم ينسوا، بعد، اسم مالالاي جويا التي كانت النائبة الأصغر سنّاً، والناشطة البارزة في ميادين حقوق المرأة وحقوق الإنسان عموماً، والتي صوّت البرلمان على تعليق عضويتها بسبب تصريحها في مقابلة تلفزيونية بأنّ أمراء الحرب في بلدها «أسوأ من حظيرة الخنازير». ولسوف تنتقل جويا إلى الحياة السرّية، بعد أن صارت مهددة بالتصفية الجسدية، خاصة بعد أن اتخذت قرار المضيّ أبعد في التعريض بالتحالف القائم بين حكومة كرزاي وأمراء الحرب ومافيات المخدّرات وتجارة السلاح، وأصدرت كتابها الشجاع «أرفع صوتي عالياً». ورغم ضغوطات الاتحاد البرلماني الدولي، فإنّ قرار التعليق طُبّق بالفعل، بل مُنع محامي النائبة من دخول المجلس؛ وسط صمت القبور من جانب البيت الأبيض، ورجال جورج بوش الابن.
جدير بالاستعادة ما كتبته جويا صبيحة الانتخابات الرئاسية الأفغانية الثانية: «مثل ملايين الأفغان، ليس لديّ أمل في انتخابات اليوم. ففي بلد يحكمه أمراء الحرب، وقوّات الاحتلال، وإرهاب الطالبان، وأموال المخدّرات والسلاح، لا أحد يتوقع انتخابات شرعية ونزيهة. والناس في الشارع ليست لديهم سوى هذه اللازمة: الفائز الحقيقي اختاره البيت الأبيض سلفاً (…) لقد عقد الرئيس حامد كرزاي تحالفات مع وحوش أمراء الحرب والأصوليين، بهدف الحفاظ على موقعه. ورغم أنّ دستورنا يحرّم على مجرمي الحرب الترشيح لمناصب عامة، فإنّ كرزاي اختار اثنين من أشهر قادة الميليشيات في منصب نائب الرئيس، كريم خليلي ومحمد قاسم فهيم، وكلاهما خاضع لاتهامات بارتكاب الفظائع بحقّ شعبنا».
وليس مستبعداً، بالطبع، أن يقبل الطالبان باستخدام كرزاي في أية «توليفة» خادعة توحي بائتلاف ما، أو تعطي الانطباع الكاذب بأنّ الحركة لا تحتكر السلطة؛ الأمر الذي لن يغلق حظائر الخنازير التي انتشرت هنا وهناك في الحياة السياسية الأفغانية، في أزمنة مختلفة وعقائد فساد واستبداد وجاهلية لم تتباين إلا في المسميات الزائفة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية