لندن – «القدس العربي»: لم تترك جائحة كورونا قطاعاً إلا وتغلغلت في جسده. فمن السياحة بكل أطيافها، إلى الدول وأنظمتها الاقتصادية والتعليمية، ونجحت في الإدلاء بتأثيراتها السلبية على العالم بأسره. فخلال العاميين الماضيين تقريباً، لم أسمع عن تطورٍ او تحسنٍ اقتصادي في أي مجال أو قطاعٍ يذكر حول العالم، سوى في قطاعات صناعة الكمامات والتلفزة والشراء الإلكتروني!
وعندما نأتي للحديث عن عالم الجلد المدور، أو كرة القدم، نرى أن أندية العالم كانت ولا زالت تعاني مادياً بصورة كبيرة، خصوصاً بعد غياب الجماهير عن الملاعب خلال الموسم الماضي وهبوط نسب المبيعات بشكلٍ كبير. فعلى غرار عدم قدرة الأندية على ملء ملاعبها، فهي لم تتمكن أيضاً من التوصل لنسب مبيعات منتجاتها المعتادة في محلاتها عبر العالم على سبيل المثال، كما أنها لم تتمكن من افتتاح مراكز للتدريب باسمها حول العالم أيضاً، والذي عادةً ما يدخل الكثير من الأرباح السنوية. كما أن الشركات الراعية لم تتمكن من دفع المبالغ للأندية التي ترعاها، نظراً لتراجع مبيعاتها أيضاً. فخلال الصيف المنصرم رأينا الأندية الإسبانية الكبيرة تتخلى عن أسماءٍ كبيرة في فرقها. فريال مدريد لم يجدد لقائده ونجمه الأول سيرجيو راموس وباع أهم مدافعيه بعد رحيل راموس، رافايل فاران إلى مانشستر يونايتد من دون تعويضه بإسمٍ جديد. كما تخلى برشلونة عن أسطورته التاريخية ليونيل ميسي لعدم قدرته على دفع راتبه الجديد، وهو نصف راتبه القديم تقريباً! كما يستمر النادي بالتفاوض مع لاعبيه على إمكانية تقليل وتأجيل دفع رواتبهم ليومنا هذا. وفي الدوري الإيطالي نرى أن صاحب لقب دوري الموسم الماضي إنتر ميلان تخلى عن ركائز مهمة في فريقه، إذ باع روميلو لوكاكو وأشرف حكيمي بأسعارٍ باهظة، من دون تعويضهم بأسماءٍ تصل إلى مستواهم، فهما كانا أبرز عوامل تحقيق الإنتر للقب الدوري. وتختلف تفاصيل خروج اللاعبين في كل نادٍ إلى حدٍ ما، لكن العامل المشترك والأبرز والأوضح أن الأندية الكبيرة لم تسلم أيضاً من عواقب هذه الجائحة.
ومع بداية هذا الشهر، صدمت حقيقة مما يحصل في الدوريين الإنكليزي والفرنسي. إذ أعلن نادي مانشستر سيتي مؤخرا عن ضم أحد أهم وأبرز المواهب في الدوري الإنكليزي جاك غريليش من نادي أستون فيلا بقيمة انتقال وصلت إلى حوالي 118 مليون يورو. ما جعل الصفقة صاحبة قيمة الانتقال الأعلى في تاريخ الدوري الإنكليزي. لنفاجأ بعد حوالي أسبوع بانتقال لاعب العام في الدوري الإيطالي روميلو لوكاكو إلى نادي تشلسي من إنتر ميلان بقيمةٍ انتقال تصل إلى 115 مليون يورو، ما جعل الصفقة في الترتيب الثاني كأعلى قيمة في تاريخ الدوري الإنكليزي. وما يجعل الأمر أكثر دهشةً هو أن صاحب الرقم القياسي لقيمة بدل الانتقال الأعلى في تاريخ الدوري الانكليزي بول بوغبا لم يتزحزح عن عرشه كأعلى قيمة منذ عام 2016 عندما انتقل من يوفنتوس إلى مانشستر يونايتد بقيمة 105 ملايين يورو. فأن تكسر هذه القيمة مرتين في صيفٍ واحد وفي خضم الجائحة يتناقض مع ما نراه من أتباعٍ اقتصادية على باقي أندية العالم.
وعند التطرق إلى فرنسا لا صوت يعلو فوق صوت باريس سان جيرمان، النادي الذي يملك زادا بشرياً يقارن بنجوم كل كبار الأندية مجتمعة. فمع استقطابهم للكثير من نجوم العالم هذا الموسم أصبح النادي الأكثر كمالاً في جميع المراكز على أرضية الميدان برفقة مانشستر سيتي. فبعد انضمام سيرجيو راموس وجورجينيو فينالدوم وجانلويجي دوناروما، قام النادي الباريسي بما كان، بالنسبة للكثيرين، مستحيلاً وهو استقطاب ليونيل ميسي، أسطورة برشلونة التاريخية. ومع أن النادي الباريسي استقطب أربعة من هؤلاء اللاعبين مجاناً، إلا أنه التزم بدفع رواتب خيالية لأعوامٍ عدة قادمة. وبعد قدوم ميسي تحدثت وسائل الإعلام الرياضية كثيراً عن تهرب نادي باريس سان جيرمان من لوائح وقوانين اللعب المالي النظيف لليويفا، ليتبين لاحقاً بحسب العديد من المصادر بأن اليويفا قرر التساهل مع كل أنديته الاوروبية بشأن المحسابة في هذا القانون.
فالمتابع للموسم الماضي يرى تأثير غياب الجمهور على العديد من الأندية في أوروبا والتي اضطرت لبيع نجومها الأبرز للأندية الأمكن مالياً لتجاري خسارات الموسم الماضي والجزء الأكبر من الذي سبقه. لكن الجائحة أثرت على العالم أجمع، فما الذي يجعل بعض الأندية قادرةً على صرف المال بهذه المبالغ الهائلة خلال فترة الجائحة التي لم تنته بعد؟
العامل المشترك بين الأندية المذكورة أنها مملوكة لأشخاص أو أفراد ذي امكانات مادية كبيرة، وهم في الغالب مدعومون من دولهم. فهل هذا هو سبب هذا الواقع المتناقض الذي خلقته هذه الأندية؟ أم أن كرة القدم لم تتأثر بشكلٍ كبير بالجائحة بسبب مخزونها المالي الكبير الذي تراكم خلال السنوات الماضية؟ وماذا يجعل بعض الأندية أوفر حظاً مادياً عن أنديةٍ أخرى خلال فترة الجائحة التي طغت على الكبير قبل الصغير؟